من الناحية النظرية، من المفترض أن يستفيد رجل الأعمال التركي فهيت يلماز من تراجع قيمة الليرة، إذ تستمر الطلبات القادمة من الخارج في التدفق على صناعة المنسوجات والملابس التركية التي تبلغ قيمتها 30 مليار دولار بعد انخفاض تكلفة الإنتاج بالدولار إثر انهيار الليرة.
لكنه قال إنه كانت هناك فرصة بنسبة 50-50 فقط لاستمرار عمله في تجارة الملابس بالجملة خلال الـ 12 شهراً المقبلة، إذ ارتفعت تكلفة المنسوجات والخيوط والمدخلات الأخرى التي تُسعر جميعها بالدولار الأمريكي. كما يستعد المنتجون المحليون مثل يلماز في ميرتر- وهي منطقة بيع الملابس الجاهزة بالجملة في إسطنبول- لموسم ربيعي مضطرب.
أشرف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على انخفاض قيمة الليرة بنسبة 50% منذ بداية العام، بعد أن أمر البنك المركزي بخفض أسعار الفائدة مراراً وتكراراً رغم ارتفاع التضخم.
وخفض البنك المركزي أسعار الفائدة يوم الخميس للشهر الرابع على التوالي، ومن ثم انخفضت الليرة بنسبة 7% أخرى يوم الجمعة لتبلغ 16.8 ليرة تركية، إذ انخفضت العملة بمقدار الخمس في ديسمبر فقط بعد أن فقدت 29% من قيمتها في نوفمبر.
وجادل الرئيس التركي بأن العملة الأرخص ستساعد الدولة التي يبلغ عدد سكانها 83 مليون نسمة على التمتع بصادرات مزدهرة واستثمارات وخلق فرص العمل، حسبما نقلت صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية.
أما منتقدي الرئيس ، فيقولون إنه يُخضع البلاد لتجربة اقتصادية عملاقة، إذ أكد المحافظ السابق للبنك المركزي، دورموس يلماز، أن أردوغان يحول تركيا إلى “مختبر للأفكار المتهورة”.
في الأشهر الأخيرة، عندما أطلق أردوغان دورة تخفيف أخرى، قال إنه استشهد بالتحول الاقتصادي الصيني في أعقاب إصلاحات عام 1978 كدليل على أن نموذجه سيؤتي ثماره.
لكن الخبير في اقتصاديات كل من الصين وتركيا في جامعة ياماجوتشي اليابانية، علي أكيميك، قال إن بكين خفضت قيمة عملتها بالفعل في الثمانينيات والتسعينيات، لكنها نفذت أيضاً “رؤية صناعية” واضحة كانت حاسمة في تحولها إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم على مدى عدة عقود زمنية.
وحذر من أن “تركيا ليس لديها أي سياسة صناعية محددة بوضوح”، قائلاً: “نحن لا نعرف ما هي الصناعة التي يحاولون الترويج لها”.
وقال مصرفي مقيم في لندن ولديه خبرة في كلا الاقتصادين، وطلب عدم نشر اسمه: “من الجنون الاقتصادي التفكير في أنه يمكن لدولة ما أن تبني اقتصاداً موجهاً للتصدير ببساطة في ظل عملة منهارة، فإذا كان الأمر يسير على هذا النحو لكانت زيمبابوي قوة عظمى في مجال التكنولوجيا”.
كان تصميم أردوغان على المضي قدماً في خفض أسعار الفائدة رغم الاستياء المتزايد من الناخبين ومجتمع الأعمال سبباً في إثارة التكهنات في تركيا بأن بعض الدوائر الانتخابية بحاجة للاستفادة من تراجع الليرة.
ولكن المحلل في شركة الاستشارات “جلوبال سورس بارتنرز”، أتيلا يسيلادا، تقول إن “هذه ليست سياسة تفيد أي دائرة انتخابية محددة، بما في ذلك عائلته أو رفاقه”.
يبدو أن بعض الشركات تربح من تراجع العملة، فقد قال سليم كونتر، محلل الأسهم في شركة “أك يتريم” ومقرها إسطنبول، إن “معظم الشركات المدرجة في بورصة إسطنبول تستفيد من ضعف الليرة”.
وأشار إلى أن شركات الطيران والمجموعات الدفاعية وشركات صناعة السيارات ومنتجي الكيماويات المدرجة في البورصة تتمتع بإيرادات مقومة بالعملة الأجنبية وتكاليف توظيف مقومة بالليرة التركية.
وقد ساعد نجاح هذه القطاعات في تغذية طفرة الصادرات ودعم النمو الاقتصادي الذي يتوقع أن يتجاوز حاجز الـ 9% في عام 2021، لكن من المحتمل أن يأتي ذلك على حساب تضخم بنسبة 30% أو أكثر في الأشهر المقبلة، وهو ما لن يضر الشركات المعتمدة على الطاقة والمواد الخام المستوردة فقط .. بل أيضاً الأتراك العاديين الذين يعانون بالفعل من ارتفاع تكاليف المعيشة.
كذلك، انتقد العديد من كبار المصدرين تقلبات العملة، قائلين إنها تصعب تسعير منتجاتهم والتخطيط للمستقبل، فأكثر ما يحتاج إليه عالم الأعمال هو الاستقرار.








