محرم: اختيار IFC مستشارًا لبرنامج الطروحات يعكس تغير سياسة الحكومة نحو الاستعانة بخبرات دولية
تبرز أهمية صياغة السياسات العامة للدول في الأزمات لاسيما الاقتصادية منها التي تجعلها تعيد النظر في استراتيجيات التعامل مع المشكلات وأساليب الحل. ومع التطورات الاقتصادية على المستوى العالمي والمحلي والأزمة الاقتصادية التى تعيشها مصر، يبرز دور الخبراء في صياغة السياسات الاقتصادية لاقتراح حلول لتلك الأزمات .
“البورصة” التقت مصطفى محرم الرئيس التنفيذى لمجموعة محرم وشركاه للسياسات العامة، وحاورته بشأن السياسات الأهم التي يمكن أن تتبعها مصر للخروج من الأزمة بالإضافة إلى اقتناص الفرص التي تولدها الأزمات.
في البداية.. حدثنا عن المجموعة والدور الذي تقدمه للشركات والمجموعات الاستثمارية؟
قال الرئيس التنفيذي للمجموعة، إن مجموعته تعد أول مجموعة استشارية متخصصة فى مجال السياسات العامة على مستوى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، لدعم المؤسسات فى التواصل مع الحكومات بخصوص الأطر التشريعية والتنظيمية المنظمة للاستثمار، ودراسة المخاطر، وفرص الشراكات المتاحة فى القطاعات المختلفة.
و«بدأت العمل منذ نحو عقد من الزمن، كأول مجموعة متخصصة فى المنطقة بدايتها فى القاهرة، وتتواجد حاليًا فى أكثر من 20 دولة بداية من مصر لجنوب إفريقيا، ومن المغرب وحتى باكستان وتركيا».
وأوضح محرم، أن المجموعة تلعب دورا في تمثيل الشركات أمام الحكومات، والسعي لخلق بيئة سياسية أفضل لعملائها وشركائها، حتى يتمكنوا من التركيز على ما يفعلونه بشكل أفضل، بما في ذلك تنمية عملياتهم وتشغيلها، وتنفيذ الطروحات العامة، وتحقيق الأرباح.
كم يبلغ حجم قاعدة عملاء المجموعة حاليًا.. والقطاعات التي تعمل معها؟
تابع محرم: إن المجموعة قدمت مشورة لأكثر من 80 عميلا حاليًا لشركات في قطاعات مختلفة لتخدم نحو 19 قطاعا مختلف لعملاء من أكبر الشركات العالمية، على رأسها قطاعات الصناعة، والتجارة الإلكترونية، والتكنولوجيا المالية، والاتصالات، والخدمات المصرفية، والبناء، والنقل والمواصلات، والخدمات المالية، التعليم، الصحة، المدفوعات، إلى جانب قطاعات أخرى، وجاءت أبرز المشورات في دراسة المخاطر المرتبطة بالسياسات الاقتصادية والتشريعية.
ما رؤيتكم لروشتة الحل للخروج من الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر حاليًا؟
يرى محرم، أن مصر قادرة على تخطى الأزمة، مع ضرورة وضع الاقتصاد على أساس حقيقي، يتضمن إعادة صياغة للسياسات الاقتصادية، والعمل على زيادة مصادر الدولار للبلاد من خلال خلق مصادر جديدة معتمدة على الاستفادة من الإمكانات الهائلة للدولة المصرية.
وتعاني مصر، مثل دول كثيرة، من أزمة اقتصادية حادة مع ارتفاع معدلات التضخم على إثر تبعات الحرب الروسية الأوكرانية، بالتزامن مع تداعيات أزمة “كورونا” على الاقتصاد المصري الذي لم يكن تعافى بعد.
وقدَّرت الحكومة المصرية تكلفة الأثر المباشر للحرب الروسية الأوكرانية على موازنة البلاد بنحو 130 مليار جنيه (7.1 مليار دولار) سنويا.
اقرأ أيضا: “محرم وشركاه” تطلق مشروعا إقليميا لتصنيف تشريعات حماية البيانات الشخصية
وأكد أهمية برنامج الطروحات الحكومية لحل أزمة السيولة الدولارية التي تمر بها مصر، كحل آنيٍ مؤقت على المدى القصير، ولتعظيم الفائدة من البرنامج لا بد من تذليل العقبات أمام المستثمرين الراغبين في الاستثمار ببرنامج الطروحات الحكومية.
وأعلنت الحكومة في فبراير الماضي عن برنامج طروحات حكومية متضمن نحو 32 شركة مملوكة للدولة المصرية بهدف بيع حصص لمستثمرين استراتيجين أو طروحات عامة، وتتوزع الشركات في نحو 18 قطاعا اقتصاديا مختلفا.
ويرى أنه عند وضع برنامج مثله فى ظل أزمة اقتصادية، لا تتوافر الرفاهية لاختيار المستثمرين، ولكن مع وجود مستشار دولى مثل IFC كمؤسسة دولية موثوقة “طرف محايد” سيعطى المستثمرين رسالة طمأنة قوية خاصة الأجانب منهم، ويعكس تغير سياسة الحكومة نحو الاستعانة بخبرات دولية.
وتابع أنه لا بد من تغيير الصورة الذهنية لبرنامج الطروحات الحكومية لدى جموع المواطنين، وتوضيح الأبعاد الكاملة والقيمة المضافة من طرح أصول الدولة للاستثمار، وما سيعود على المجتمعٍ من نتائج إيجابية، كإبراز دوره في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وحل الأزمة، وخلق فرص عمل جديدة.
وأكد محرم، على الدور القوي الذي يلعبه صندوق مصر السيادي في تعظيم قيمة أصول الدولة، ودعم مناخ الاستثمار وتحسين البيئة الاستثمارية في مصر، موضحا أن مجموعة “محرم” تعمل على مناقشة عدد من المقترحات لتعظيم الوضع الاستثماري في مصر بالتعاون مع الصندوق، ومازالت المشاورات قائمة في هذا الصدد، حيث السعي لتعزيز حلقة الوصل بين المستثمرين و صندوق مصر السيادي في الفترة الحالية.
ويرى محرم، أنه من الضروري أن يكون للصندوق خلال الفترة المقبلة، دور في صياغة الصورة الذهنية تجاه برنامج الطروحات الحكومية لدى المجتمع المصري، والتواصل مع المجتمع المحلى للتعرف على أهم مطالبه واحتياجاته، ومن ثم تقديمها للمستثمر الأجنبي الذي يريد دخول السوق المصرية عبر أصول معينة يطرحها الصندوق في مناطق معينة، لما للصندوق من دور في تسهيل وتسريع الإجراءات الحكومية، وتوفير المعلومات والبيانات الاستراتيجية للشركاء الاستثماريين، مما يساعدهم على اتخاذ قرارات مدروسة، ما من شأنه تحسين بيئة الأعمال وتعزيز الاستثمار.
باعتباركم مجموعة دائمة التواصل مع المستثمرين الأجانب.. فما طبيعة المشكلات التي تواجههم في الاستثمار بالسوق المصرية؟
خلال الفترة الماضية استطاعات الدولة خلق كيانات وهياكل متنوعة لدعم الاستثمار، إلا أنه من خلال المحادثات مع المستثمريين الأجانب، اتضح غياب أليات واضحة يستطيع من خلالها المستثمر إيصال مشاكله للجهات المعنية، وتتبلور أبرز المشاكل التي تواجه المستثمرين في مشكلتين رئيسيتين، الأولى: تتمثل في سعر الصرف فوجود سعرين لصرف الجنيه أمام الدولار أمر ليس بجاذب للاستثمار الأجنبي خاصة مع شح السيولة الدولارية في البنوك المصرية.
وتواجه مصر أزمة في نقص النقد الأجنبي ، في أعقاب تأثرها سلبا بتداعيات موجة التضخم العالمي والحرب الروسية الأوكرانية، واللتان تسببا في خروج مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، وارتفاع فاتورة الواردات من السلع الأساسية المستورد معظمها من الخارج.
الثانية: عدم مواكبة بعض الهيئات الحكومية المصرية لتطورات مفردات الاستثمار العالمي، ومن ثم يجب على الحكومة الاستعانة بفرق متخصصة من القطاع الخاص، قادرة على التعامل مع المستثمر، فذلك عامل مهم لاستدامة التعاملات الاستثمارية حتى لا تتهاوى خلال السنوات القادمة.
هل المتغيرات الجيوسياسية فى المنطقة فى صالح جذب الاستثمارات الخارجية لمصر؟
يرى محرم، أن التحالفات السياسية فى المنطقة مختلفة ، ويترتب عليها تحالفات اقتصادية جديدة، والمطلوب من وزارة الخارجية الاهتمام بتوفير دعم أكبر للشركات المصرية التى تريد التوسع خارجيا، والتواجد فى المنتديات الاقتصادية على مستوى المنطقة، فلابد من أن تتضمن الوفود التي تصاحب الزيارات الرسمية للرئيس لعدد من الدول، أو الزيارات على المستويات الوزارية، مجموعة من رجال الأعمال ممن يمتلكون لغة التشاور مع نظرائهم في هذه الدول، ويستطيعون التعامل مع المفردات الاستثمارية والقطاعات الاقتصادية بهذه الدول، وتوظيف الزيارة لتحقيق مكاسب اقتصادية على النحو الأمثل، وهو الأمر الذي له بالغ الأثر في جذب الاستثمارات لمصر.
من رحم الأزمات تولد الفرص، فما الفرص المتاحة للدولة المصرية حاليا؟
هناك العديد من الفرص، فانخفاض قيمة العملة مثل نقطة انطلاقة جديدة للعديد من دول العالم وعلى رأسها الهند، فهو يمثل تحدي على المدى القصير، شرط التعامل معه بشكل جيد، فمن الممكن أن يكون نقطة انطلاق جديدة للصادرات المصرية، وقطاع السياحة، وتكنولوجيا المعلومات الذي يستطيع الاستفادة من تنافسية أسعاره بالنسبة للخدمات المثيلة التي تقدمها الدول الأخرى في المنطقة، وحتى يمكن الاستفادة من الفرص، لابد أن يصاحبها إصلاح هيكلي ومؤسسي حقيقي لدعم المؤسسات الإنتاجية.
ما المطلوب لتجاوز أزمة العملة؟
أزمة العملة تعد عَرضا للأزمات الاقتصادية أكثر من كونها المشكلة الأساسية، فأهم شىء على المدى القصير هو سد الفجوة التمويلية، مثل توجه الحكومة للبدء في برنامج الطروحات الحكومية، والتركيز على قطاع السياحة، واستهداف شريحة معينة من الاستثمارات التى من شأنها أن تساعد الدولة على تخطى الأزمة، ومن الحلول المطروحة على المدى المتوسط هو تشجيع الشركات المصرية للتواجد في أسواق عدة في المنطقة مع الحفاظ على مركزها المالي في القاهرة، وهو ما يساعد في حل مشكلة النقد الأجنبى، فلدينا شركات قوية يجب أن نهيىء لها المجال خارج البلاد، فوجودهم فى بلاد خارجية لا يهدد بالضرورة تواجدهم فى مصر.
أما أهم الحلول المطروحة على المدى الطويل فتتمثل في ضرورة إعادة هيكلة الاقتصاد ليكون قائما على التصدير للخارج، وإعادة تنظيم منظومة الاستثمار فى مصر.
وكشفت الحكومة المصرية عن فجوة في التمويل الخارجي تبلغ 16 مليار دولار على مدار نحو 4 سنوات، لكنها توقعت تقليصها وتأمين أموال كافية لتغطية احتياجاتها بالكامل بعد إبرام الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، ما قد يشجع المستثمرين في الخارج على ضخ استثمارات جديدة في البلاد.
هل يشكل التصنيف الائتمانى الحالى لمصر مشكلة لدى المستثمرين الأجانب؟
المستثمر الأجنبى ينظر للمؤشرات الدولية لتقييم مخاطر الاستثمارات ويتخذ القرارت، فبالطبع التصنيف الائتمانى مهم، ولكنه ليس المؤشر الوحيد الذى يؤخذ بعين الاعتبار، والحكومة لا تنظر بشكل كافى لهذه المؤشرات، وهى مهمة لإدراك كيف ينظر العالم إلى مصر، المشكلة تكمن فى عدم وجود جهة محددة لمتابعة المؤشرات الاقتصادية والاستثمارية وغيرها، ووضع خطط عمل لتحسين وضع مصر فى تلك المؤشرات الاقتصادية.
كيف تنظرون إلى برنامج الطروحات الحكومية وأسس اختيار القطاعات وتقييم الشركات؟
يجب عدم رفع سقف الطموحات بخصوص البرنامج فى مراحله الأولية، حيث إن المرحلة الأولى لها طبيعة خاصة بأهداف معينة فى ظل الأزمة الاقتصادية، فمن الضروري استطلاع رأي المستثمرين الأجانب حول أداء الجهات الحكومية في المرحلة الأولى لبرنامج الطروحات الحكومية والدروس المستفادة منه، وذلك من خلال جهة محايدة.
وأشاد محرم، بأداء هيئة الرقابة الإدارية ودورها الجديد في دعم الاستثمار وحل مشاكل المستثمرين، مؤكدا أهمية خلق ألية مستدامة، تتبناها الهيئة لقياس نظرة المستثمرين للبيئة الاستثمارية في مصر.
هل مصر تحتاج إلى وزارة استثمار؟
بلاشك نحن بحاجة إلى وزارة للاستثمار، ولكن السؤال يكمن فى اختصاصاتها، فيجب أن تكون لديها الصلاحيات اللازمة، وأن تكون ذات سلطة مركزية لضمان تنسيق وتناغم السياسات القطاعية المختلفة، خاصة وأنه فى ظل الهياكل التنظيمية المتعددة في مصر، لا توجد قناة اتصال محددة لحل المشاكل الإدارية والتشريعية المتعلقة بالقطاع الخاص، لذا فإن وجود وزارة استثمار ضرورة.
الكثير من الشركات تسعى للعمل خارج مصر.. كيف يمكن أن تنعكس الأمور لتزداد تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة؟
المستثمرون الحاليون فى حاجة لرسائل طمأنة للتواجد فى مصر حيث توجد حالة ضبابية بخصوص الأوضاع الاقتصادية، والحرص على مصلحة المستثمرين المتواجدين فى مصر وعلاج مشكلاتهم بدلا من زيادة العبء عليهم.
وتشكيل رؤية اقتصادية جديدة، لترجمة الأفكار العديدة إلى سياسات حقيقية، فالقوانين المنظمة للصناعة فى مصر منذ الخمسينات، والإطار التشريعى كله عفا عليه الزمن، ويجب وضع قانون صناعة موحد، وإعادة هيكلة الهيئات المنوط بها تراخيص الصناعة، وخلق نافذة جديدة للقطاع الخاص للحصول على التراخيص والمعاملات مع الشركات، مثل ما حدث فى المغرب حيث تم تغيير المعاملات للقطاع الخاص القادر على التعامل مع المستثمرين الأجانب.
بنظرة على الأسواق المجاورة.. كيف تنظر المجموعة إلى السوق السعودية؟
قال محرم، يجب النظر إلى حجم التطور، الذي تشهده السوق السعودية التى تتميز بحجم تمويل كبير للمشروعات، ورؤية شاملة لجذب الاستثمارات وتطوير الاقتصاد السعودي، مشيرا إلى أن التطور الذي تقوم به الإدارة السعودية خلال الفترة الحالية قادر على مواجهة تحديات البيئة التشريعية والتنظيمية اللازمة لجذب المستثمرين الأجانب.
وأوضح أن هناك مساحة كبيرة للتكامل الاقتصادي بين مصر والسعودية في قطاعات مختلفة، فتواجد الشركات المصرية في السوق السعودي يمثل لها فرصة استثمارية جيدة، لذا من الضروري السعى لرؤية تكاملية بين الاقتصاد المصري والسعودي، في قطاعات مختلفةكالصناعة والسياحة.
كيف نحرص تشريعيًا على وجود المراكز المالى للشركات فى مصر؟
نحتاج إلى جهد مركز، بداية بالسياسات الضريبية التنافسية وتسهيل الإجراءات، تسهيل تحويل وإعادة تصدير الأرباح، بإعداد نظام خاص للشركات لسهولة التعامل مع رؤوس الأموال، و ضرورة توفير سيولة دولارية لمستلزمات الإنتاج، مع الحفاظ على استقرار التشريعات والإجراءات الاقتصادية بصورة تواكب البيئة الاستثمارية العالمية، فيجب أن نرى الأهداف طويلة المدى، للمنافسة مع القوى الاقتصادية الإقليمية بشكل عام.
إعداد:مرام أشرف









