تقديرات المحللين تُظهر أن إصلاح القطاع النفطي يتطلب 115 مليار جنيه إسترليني خلال عقد كامل
تبدو الفكرة، في ظاهرها، واضحة وبسيطة، إذ تمتلك فنزويلا احتياطيات نفطية ضخمة، وكانت في الماضي تنتج أكثر من ثلاثة أضعاف مستويات إنتاجها الحالية.
بناءً على ذلك، يُفترض أن يكون ضخ استثمارات مالية لتحديث المعدات المتهالكة كفيلاً بإطلاق تدفق إضافي من البراميل وتحقيق أرباح مجزية.
هذا التصور يمثل، إلى حد كبير، الجزء الأكثر وضوحاً في رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لما ينبغي أن يحدث لاحقاً في فنزويلا.
فقد قال في نهاية الأسبوع، إن الولايات المتحدة ستعتمد على “شركات النفط الأمريكية الكبرى جداً، الأكبر في العالم”، لكي تضخ مليارات الدولارات، وتعيد تأهيل البنية التحتية المتضررة بشدة، ولاسيما البنية التحتية النفطية، ثم تبدأ في تحقيق عوائد مالية للبلاد.
غير أن الواقع يبدو أكثر تعقيداً مما يوحي به هذا الطرح، فمن منظور شركات النفط الأمريكية، لا تبدو الدعوة، أو حتى التوجيه الصادر عن البيت الأبيض، مسألة سهلة التنفيذ.
وقد يشكّل الاستثناء المحتمل شركة “شيفرون”، نظراً لوجودها الفعلي داخل فنزويلا عبر عدد محدود من المشروعات المشتركة مع شركة النفط الوطنية المملوكة للدولة.
وفي حال رُفعت العقوبات والقيود والحصص الحكومية، قد تتمكن الشركة من زيادة الإنتاج بكفاءة نسبية، قد عكس ارتفاع سهم “شيفرون” بنحو 4% هذا التقدير.
في المقابل، فإن الارتفاع السريع الذي شهدته أسهم شركات النفط الأمريكية الكبرى الأخرى بدافع التفاؤل الأولي يبدو أقل منطقية، بحسب صحيفة “الجارديان” البريطانية، فبالنسبة لهذه الشركات، تظل معادلة المخاطر والعوائد المرتبطة بالعودة إلى فنزويلا أكثر تعقيداً، بل وغير واضحة حتى الآن.
تشير تقديرات المحللين إلى أن إصلاح عقد كامل من نقص الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي، ومضاعفة الإنتاج ليصل إلى مليوني برميل يومياً بحلول أوائل ثلاثينيات القرن الحالي، يتطلب استثمارات تُقدر بنحو 115 مليار جنيه إسترليني، وفق تقديرات شركة “ريستاد إنرجي”.
يُعد هذا الرقم ضخماً حتى بالنسبة لشركات بقدرات مالية كبيرة مثل “إكسون موبيل” و”كونوكو فيليبس”، وتتضاعف صعوبة المعادلة إذا كان “ترامب” يسعى في الوقت نفسه إلى خفض سعر برميل النفط إلى مستوى 50 دولاراً، مقارنة بنحو 60 دولاراً حالياً، ما يضع سقفاً للعوائد طويلة الأجل.
من غير المرجح أن تكون فنزويلا قد تقدمت فجأة إلى صدارة أولويات الاستثمار لدى شركات النفط العالمية لمجرد خروج نيكولاس مادورو من المشهد.
كما ستطالب مجالس الإدارة بإجابات دقيقة حول ما الذي يعنيه عملياً أن “تتولى” الولايات المتحدة إدارة فنزويلا، وما إذا كانت هناك التزامات يمكن الوثوق بها لعقود طويلة، إضافة إلى طبيعة النظام المالي والضريبي الذي سيحكم قطاع النفط، ولا يُتوقع أن تتوافر إجابات واضحة عن هذه التساؤلات في وقت قريب.
في المقابل، سيظل خليج المكسيك وغيانا والبرازيل، وغيرها من المناطق، خيارات أسهل وأكثر جاذبية للاستثمارات النفطية الكبرى.
قال ديفيد أوكسلي، كبير خبراء المناخ والسلع في مركز الأبحاث “كابيتال إيكونوميكس”، إنه “حتى في حال كانت البيئة السياسية أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ، فإن الجدوى الاقتصادية لتوسيع عمليات الحفر بشكل كبير في فنزويلا تظل ضعيفة في عالم يعاني بالفعل من وفرة المعروض النفطي، لاسيما في ظل التكلفة المرتفعة المقدرة لاستخراج احتياطيات النفط الثقيلة الفنزويلية”.
يعكس عنوان مذكرته، “إمكانات فنزويلا الهائلة في مجال الطاقة ستظل غير مستغلة”، سيناريو يبدو منطقياً إلى حد بعيد.
فمن الممكن تحقيق تحسن قصير الأجل في الإنتاج عبر تحسين إدارة العمليات الحالية، إلا أن مشروعاً يمتد لعقود بهدف استخراج “كم هائل من الثروة”، وفق تعبير ترامب، يمثل تحدياً مختلفاً تماماً، فالأول تعافٍ سريع ومحدود، بينما الثاني يتطلب استثمارات ضخمة وفترات استرداد طويلة الأمد.
هذا لا ينفي الأهمية الجيوسياسية المحتملة في حال أصبحت الولايات المتحدة تملك سيطرة مباشرة، أو نفوذاً واسعاً، على قطاع النفط واحتياطياته في فنزويلا.
وعلى المدى القصير، قد يؤدي مجرد إعادة توجيه صادرات النفط الفنزويلية إلى المصافي الأمريكية إلى تغيير ملامح السوق الحالية، وفي مثل هذا السيناريو، ستكون الصين، التي تُعد حالياً أكبر مشترٍ للنفط الفنزويلي، الخاسر الأكبر.
مع ذلك، يُرجح أن يكون رد الفعل الغريزي لكبرى شركات النفط الأمريكية هو التريث وعدم الاندفاع.
فاحتمال تراجع أسعار النفط إلى مستوى 50 دولاراً للبرميل سيدفع معظمها إلى التفكير في خفض الإنفاق بدلاً من توسيعه.
كما أن غالبية هذه الشركات قدمت تعهدات لمستثمريها بتفضيل إعادة شراء الأسهم على الدخول في مشروعات عالية المخاطر، وكما أشار محللو بنك الاستثمار “سوسيتيه جنرال”، فإن “قيام فنزويلا بتأميم شركات النفط، ليس مرة واحدة فحسب بل مرتين، سيجعل شركات النفط الكبرى شديدة الحذر حيال العودة إلى البلاد”.
يبقى السؤال المطروح هو حجم الضغوط التي قد يتمكن ترامب من ممارستها لدفع الشركات إلى إنفاق “مليارات الدولارات” رغم كل هذه الاعتبارات.
غير أن هذا العامل لا يمثل سوى عنصر غموض واحد ضمن مجموعة كبيرة من الشكوك، وإلى أن تتضح الصورة بشكل أكبر، لا يبدو أن عودة واسعة النطاق إلى فنزويلا باتت وشيكة.








