يُعد عام 2026 مرحلة حاسمة للقطاع المصرفي المصري، إذ يبدأ الأثر الكامل للتخفيضات التراكمية في أسعار الفائدة خلال العام الماضي في الظهور على ميزانيات البنوك.
ويكتسب هذا التحول أهمية بالغة في إعادة رسم استراتيجيات الربحية ونمو النشاط المصرفي، مع اختبار قدرة البنوك على التكيف مع بيئة فائدة منخفضة وتحقيق أرباح مستدامة.
وتوقع خبراء مصرفيون، أن يكون نمو الائتمان وزيادة الأنشطة المدرة للعمولات والرسوم، المحرك الرئيسي لأرباح البنوك خلال 2026.
أضاف الخبراء، أن انخفاض تكلفة التمويل سيعزز الطلب على القروض ويدعم توسع النشاط الاقتصادي الحقيقي، مشددين على أن البنوك الأكثر كفاءة في إدارة محافظها الائتمانية وتنويع تمويلاتها ستكون الأكثر قدرة على تعويض ضغوط هوامش العائد وتحقيق أرباح قياسية.
قال أحمد أبو الخير، الخبير المصرفي، إن خفض أسعار الفائدة خلال العام الماضي، رغم ما يحمله نظريًا من تراجع مباشر في الدخل الناتج عن انخفاض العائد على الأصول الحساسة للفائدة، وعلى رأسها أذون وسندات الخزانة، فمن المرجح أن ينعكس إيجابيًا على جودة واستدامة أرباح البنوك خلال عام 2026.
وقررت لجنة السياسة النقدية للبنك المركزي المصري في آخر اجتماعاتها عام 2025، خفض سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي بواقع 100 نقطة أساس إلى 20% و21% و20.5%، على الترتيب، ليبلغ إجمالي الخفض 725 نقطة أساس منذ بداية العام.
وكشفت بيانات تقرير المركز المالي وقائمة الدخل للقطاع المصرفي الصادر عن البنك المركزي، عن تحقيق البنوك العاملة في السوق المصرية «باستثناء البنك المركزي» صافي أرباح بقيمة 433.8 مليار جنيه خلال الفترة من أول يناير حتى نهاية سبتمبر 2025.
أضاف أبو الخير، أن انخفاض الفائدة يسهم في تقليص تكلفة الأموال، إلى جانب تخفيف عبء المخصصات التي استنزفت جزءًا ملموسًا من أرباح البنوك خلال فترات التشديد النقدي، نتيجة التحوط لمخاطر التعثر.
وأشار إلى أن التوسع المتوقع في حجم الأعمال، مدفوعًا بزيادة الطلب على التمويل، من شأنه أن يعوض جزئيًا تراجع الهوامش، ويدعم نمو الإيرادات التشغيلية، بما يقلل اعتماد أرباح البنوك على أدوات الدين الحكومي، ويعزز ارتباطها بالنشاط الاقتصادي الحقيقي.
وتوقع أن يشهد عام 2026 توازنًا بين عاملين متعاكسين، يتمثل أولهما في ضغوط انكماش هوامش العائد نتيجة خفض أسعار الفائدة، وثانيهما في الزخم المتوقع لنمو الائتمان.
ورجّح أن تميل الكفة لصالح العامل الثاني، مع قدرة التوسع في منح القروض بدعم من تحسن مناخ الاستثمار وتراجع تكلفة الاقتراض على تعويض جزء معتبر من تراجع الهوامش، ليصبح نمو الأرباح قائمًا بدرجة أكبر على زيادة حجم النشاط وليس فقط على ارتفاع العائد.
وأكد أن النمو الائتماني القوي يمكنه تعويض نسبة كبيرة من تراجع دخل الاستثمار في أدوات الدين، خاصة إذا تجاوزت معدلات نمو القروض نطاق 15–%20.
وأوضح أبو الخير، أن بيئة الفائدة المنخفضة ستدعم عددًا من القطاعات الاقتصادية، في مقدمتها الصناعات التحويلية الخفيفة، والقطاع الزراعي والغذائي، وقطاع التكنولوجيا المالية، إلى جانب القطاع التجاري، مدفوعة بانخفاض تكلفة التمويل وزيادة الاستثمار وتمويل رأس المال العامل.
وأضاف أنه على مستوى القطاع العائلي، من المرجح أن يسهم خفض الفائدة في تنشيط الائتمان الاستهلاكي والتمويل العقاري خلال عام 2026، بما يدعم عودة الإنفاق ويساعد على امتصاص المعروض العقاري المتراكم.
وتوقع أن يشهد صافي هامش العائد انكماشًا طفيفًا أو حالة من الاستقرار النسبي في بداية عام 2026، قبل أن يبدأ في التحسن التدريجي لاحقًا، مرجعاً ذلك إلى اختلاف وتيرة إعادة تسعير القروض مقارنة بالودائع.
أشار أبو الخير، إلى أن عام 2026 قد يشهد تحسنًا ملموسًا في أرباح البنوك عبر نمو الدخل غير المرتبط بالفائدة، والذي يمثل أحد المحركات الرئيسية للربحية في بيئة الفائدة المنخفضة.
وأوضح أن هذا النمو سيعتمد على توسع العمولات المصرفية المرتبطة بالتمويل والتجارة الخارجية، وخدمات الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية، إلى جانب أنشطة التجزئة المصرفية والخدمات الرقمية، فضلًا عن إيرادات إدارة النقد والتحصيل.
حذّر أبو الخير، من مجموعة مخاطر قد تحد من نمو أرباح البنوك خلال عام 2026، من بينها تباطؤ النمو الاقتصادي أو ضعف الطلب على الائتمان، وارتفاع معدلات التعثر نتيجة التوسع السريع في الإقراض، فضلًا عن الضغوط التنافسية على تسعير القروض، وتقلبات معدلات التضخم وسعر الصرف.
وشدد على أن احتمالات فرض متطلبات تنظيمية أو رأسمالية أكثر تشددًا، مثل فرض ضرائب إضافية على أرباح البنوك، تظل من العوامل التي يجب أخذها في الاعتبار عند تقييم آفاق الربحية.
«سليمان»: قطاع التجزئة المصرفية والقروض الاستهلاكية سيظل المحرك الأعلى ربحية
وقال أيمن سليمان، الخبير المصرفي، إن عام 2026 يُعد عامًا مفصليًا للقطاع المصرفي، إذ يبدأ الأثر الحقيقي للتخفيضات التراكمية في أسعار الفائدة خلال عام 2025 ، في الظهور بشكل كامل على الميزانيات العمومية للبنوك.
وأضاف أن هذا التحول سينعكس عبر مسارين متعاكسين، أحدهما يضغط على هوامش الربحية، والآخر يدفع بقوة نحو نمو النشاط والأرباح، موضحاً أن البنوك ستواجه في عام 2026 تحديات فنية تتعلق بإعادة تسعير محافظها، حيث تنخفض أسعار الفائدة على القروض بشكل سريع، لا سيما قروض الشركات، ما يقلص العائد المحقق من محافظ القروض القائمة.
وأشار سليمان، إلي أن تكلفة الودائع، على النقيض، لا تنخفض بالوتيرة نفسها، خاصة الودائع طويلة الأجل ذات العائد الثابت، التي تظل مقيدة بمعدلات فائدة مرتفعة تم تسعيرها في فترات سابقة حتى حلول آجال استحقاقها، وهو ما يعني استمرار تحمل البنوك تكلفة مرتفعة في مقابل تراجع العائد على الإقراض، لا سيما لدى البنوك ذات المحافظ الكبيرة من الشهادات مرتفعة العائد.
وأوضح أن المسار الثاني يتمثل في طفرة متوقعة في نمو الأصول وحجم النشاط، مرجحًا أن يعوض هذا الزخم جانبًا كبيرًا من ضغوط الهوامش.
أشار سليمان، إلى أن انخفاض تكلفة الاقتراض إلى مستويات تقارب 21%، بعد أن تجاوزت 28% في فترات سابقة، سيعيد تنشيط الطلب على الائتمان، خاصة من جانب الشركات التي ستتجه مجددًا للاقتراض بغرض التوسع الاستثماري وليس فقط لتغطية احتياجات السيولة.
ورجّح سليمان، أن تشهد المرحلة الأولى ضغوطًا قوية على هوامش العائد، إلى أن يبدأ نمو حجم الائتمان في تعويض تراجعات العائد التي حدثت خلال عام 2025.
واعتبر أن الضغط على الهوامش أمرٌ حتمي، لكنه يمثل «ضريبة إيجابية» للتحول من اقتصاد قائم على الفائدة المرتفعة إلى اقتصاد يقوده التشغيل والتوسع الائتماني، مؤكداً أن البنوك التي تنجح في التوسع في الإقراض بكفاءة ستخرج من عام 2026 محققة أرباحًا قياسية.
وأضاف أن قطاع التجزئة المصرفية والقروض الاستهلاكية سيظل المحرك الأعلى ربحية للبنوك، نظرًا لاستمرار ارتفاع هوامشه نسبيًا حتى مع انخفاض الفائدة.
كما أن قدرة البنوك على تعويض تراجع العائد لن تكون متساوية، حيث ستتمكن البنوك الكبرى من التعويض سريعًا عبر حجم العمليات، في حين قد تواجه البنوك الأصغر ضغوطًا أطول ما لم تُسرّع من بناء محافظ ائتمانية قوية ومتنوعة.
ورأي سليمان أن عام 2026 لن يكون ساحة تنافس على تقديم أعلى عائد، بل على امتلاك أقل تكلفة أموال، عبر جذب الحسابات الجارية وحسابات التوفير منخفضة التكلفة، وتوجيهها نحو التمويل العقاري والصناعي الأكثر قدرة على توليد دخل مستدام.
وأكد أن التوقعات تشير بقوة إلى أن 2026 سيكون عام الدخل غير المعتمد على الفائدة، مع تراجع هوامش الربح الصافية نتيجة التخفيضات التراكمية في أسعار الفائدة بنهاية 2025.
كما حذّر من مجموعة مخاطر قد تضغط على ربحية البنوك، في مقدمتها فجوة إعادة التسعير الناتجة عن استمرار الالتزام بعوائد شهادات مرتفعة مقابل تراجع عائد القروض الجديدة، خاصة خلال النصف الأول من العام.
وشدد على أن اشتداد المنافسة على الودائع منخفضة التكلفة، إلى جانب احتمالات تراجع جودة الأصول في بعض القطاعات، قد يفرض ضغوطًا إضافية على أرباح البنوك خلال 2026.
«شوقي»: التوسع الائتماني سيلعب دورًا في تعويض الانكماش التدريجي لهوامش الفائدة
وقال أحمد شوقي، الخبير المصرفي، إن خفض الفائدة، رغم مساهمته في تقليل تكلفة الاقتراض على البنوك، إلا أنه يفرض في المقابل ضغوطًا على هوامش صافي الفائدة، نتيجة انخفاض عائد الأصول بوتيرة أسرع من تراجع تكلفة الأموال، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على نمو الربحية خلال المدى القصير.
وأشار إلى أن نمو أرباح البنوك في المرحلة المقبلة سيعتمد بدرجة أكبر على التوسع الائتماني وزيادة الاعتماد على الأنشطة المدرة للعمولات والرسوم، لافتًا إلى أن هوامش العائد ستظل تحت الضغط في الأجل القريب، إلا أن النمو الائتماني القوي الناتج عن خفض الفائدة قد ينجح في تعويض هذا التأثير تدريجيًا خلال 2026.
وأكد شوقي، أن انخفاض تكلفة التمويل للمقترضين من شأنه تحفيز الطلب على القروض، مدعومًا بتوقعات تشير إلى نمو قوي في محافظ القروض حتى عام 2026، مع تسارع وتيرة الإقراض لدى بعض البنوك الكبرى لتتجاوز معدلات نمو سنوية عند 20%.
أضاف أن التوسع الائتماني مرشح للعب دور رئيسي في تعويض الانكماش التدريجي لهوامش الفائدة، موضحًا أن البنوك الأكثر قدرة على إدارة محافظها الائتمانية بمرونة، والتوسع في الإقراض الاستهلاكي، والتمويل العقاري، وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ستكون الأفضل أداءً خلال الفترة المقبلة.
ورجح أن تكون البنوك التي تتبنى استراتيجيات ديناميكية في توظيف الودائع وتحسين جودة الأصول أكثر قدرة على احتواء أثر التراجع في العوائد وتعزيز الربحية.
وأشار شوقي إلى أن التمويل العقاري وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة يتصدران كأبرز القطاعات الائتمانية المرشحة لنمو الأرباح خلال العام الحالي، بدعم من انخفاض تكلفة التمويل وارتفاع الطلب، إلى جانب التوسع في القروض الاستهلاكية المتوسطة والمتناهية الصغر، مدفوعًا بتعزيز الشمول المالي وتحسن النشاط الاقتصادي.
وتوقع شوقي أن تشهد هوامش العائد انكماشًا تدريجيًا كنتيجة مباشرة لخفض الفائدة، إلا أن بعض البنوك قد تنجح في تحسين الكفاءة التشغيلية وخفض تكلفة الأموال عبر التركيز على الودائع منخفضة التكلفة، بما يخفف من حدة الضغوط.
وأوضح أن البنوك ستسعى إلى إعادة تسعير الودائع بوتيرة أسرع من القروض بهدف الحد من تآكل الهوامش، في حين قد تتم إعادة تسعير القروض بشكل تدريجي، بما يمنح البنوك مساحة أفضل للتحكم في تأثير انخفاض العائد على الربحية.
وحذر شوقي من أن تراجع جودة الائتمان وارتفاع القروض المتعثرة قد يؤديان إلى زيادة المخصصات والضغط على الأرباح، إلى جانب مخاطر خفض الفائدة بوتيرة أسرع من المتوقع، بما قد يتجاوز قدرة النمو الائتماني على التعويض، فضلًا عن اشتداد المنافسة على الودائع، والتي قد ترفع تكلفة الأموال في حال عدم نجاح البنوك في جذب ودائع منخفضة التكلفة.








