مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تصعيد ضغوطه على مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهذه المرة عبر فتح تحقيق جنائي بحق رئيس المجلس جيروم باول، قد يكون انتهاء استقلالية البنوك المركزية وشيكاً، على الأقل في الولايات المتحدة.
يأتي هذا التهديد في وقت تتزايد فيه المخاطر التي تحيط باستقرار الأسعار، ما جعل الأسواق المالية في حالة توتر استثنائي.
لا ينبغي التقليل من شأن تهديدات ترامب ضد باول والاحتياطي الفيدرالي ككل، فالتضخم كارثة بطيئة الحركة.
وكالضفدع الأسطوري الذي يوضع في ماء يسخن تدريجياً، لا يشعر بعدم الارتياح في البداية.
لكنه، تماماً كما لا يدرك خطر وصول الماء إلى درجة الغليان إلا بعد فوات الأوان، غالباً ما لا يُلاحظ ألم التضخم إلا عندما تصبح زيادات الأسعار راسخة في بنية الاقتصاد.
يبدأ التضخم عادة باختلال بسيط، إذ تظهر أموال كثيرة تطارد سلعاً قليلة.
وتمتص الزيادات المبكرة في الأسعار فائض الطلب مع قدر محدود من الإزعاج، لكن إجمالي الطلب من المستهلكين والمستثمرين والمصدرين والقطاع العام يظل أعلى من قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات، حتى بعد احتساب الواردات، حسب ما أوضحه موقع “بروجكت سنديكيت”.
ومع ارتفاع الأسعار، يسعى الناس بشكل مفهوم إلى حماية قدرتهم الشرائية.
يطالب العمال بأجور اسمية أعلى، وتسعى الشركات إلى تمويل إضافي عبر القروض أو سحب الأصول، بينما تحافظ الحكومات على إنفاقها الحقيقي من خلال تعديل المزايا أو تسجيل عجز مالي أكبر.
ولاستيعاب هذه المطالب بزيادة الإنفاق، يتوسع الائتمان ويزداد عرض النقود.
توفر هذه التطورات راحة قصيرة الأجل لكنها تغذي ضغوط التضخم وحالة عدم اليقين الاقتصادي.
تصعيد البيت الأبيض يكشف هشاشة استقرار الأسعار في لحظة يتجاوز فيها التضخم هدف الفيدرالي
وفي ظل محاولة المستهلكين الحفاظ على مستويات معيشتهم، تتراجع المدخرات، ويرتفع التضخم، ويتجه رأس المال نحو أنشطة تعد بعوائد سريعة بدلاً من مكاسب إنتاجية طويلة الأجل.
يعاقب التضخم بعض الفئات أكثر بكثير من غيرها، فالمتقاعدون وغيرهم ممن يعيشون على دخول اسمية ثابتة غالباً ما يكونون الأكثر تضرراً، في حين تتخلف أجور القطاع العام عن وتيرة ارتفاع الأسعار.
ومع اتساع دائرة الخاسرين، يميل الساسة إلى الرد بإجراءات قصيرة الأجل ومشوهة، مثل ضوابط الأسعار أو الإيجارات التي غالباً ما تكون بنتائج عكسية، ونتيجة لذلك، تتصاعد المعارضة العامة، بما يزيد مخاطر الاضطرابات السياسية.
دائماً ما يكون كبح نمو الإنفاق غير شعبي، ولهذا يسعى الساسة في كثير من الأحيان إلى تأجيل الحساب إلى ما بعد دورة الانتخابات التالية، أو على الأقل إلى أن تصبح تكاليف التضخم غير محتملة.
لكن كلما طال تأجيل اتخاذ إجراء جدي، زاد حجم الضرر واشتدت الضغوط السياسية لكبح ارتفاع الأسعار.
وتقدم ألمانيا في فترة ما بين الحربين المثال الأوضح، فبعد الحرب العالمية الأولى، بلغ التضخم المفرط مستويات كارثية، دمر المدخرات، وقوض الثقة الاجتماعية، وزعزع النظام السياسي، ومهد الطريق لصعود النازية.
وكانت الصدمة عميقة إلى حد أنها تركت أثراً دائماً في الثقافة الألمانية، التي لا تزال حتى اليوم شديدة الحذر من التضخم.
يكمن هذا التوتر في صميم صناعة السياسة النقدية الحديثة، حيث تميل السياسة الجيدة إلى التأجيل، في حين يدعو الاقتصاد الجيد إلى التحرك الفوري.
تاريخ ألمانيا التضخمي يعيد التحذير من كلفة تأجيل القرارات حين تتغلغل الأسعار في الاقتصاد
لهذا دافع الاقتصاديون منذ زمن طويل عن استقلالية البنوك المركزية، التي تعزل صُناع السياسات عن الضغوط السياسية وتمكنهم من الحفاظ على استقرار الأسعار، الذي يُعرف عادة بأنه تضخم منخفض ومستقر، من خلال أسعار الفائدة وأدوات أخرى.
في بعض الاقتصادات المتقدمة، يكون الهدف الوحيد للبنوك المركزية هو إبقاء التضخم منخفضاً.
وفي اقتصادات أخرى، مثل الولايات المتحدة، تعمل هذه البنوك ضمن تفويض مزدوج يهدف إلى ضمان استقرار الأسعار وتعزيز التوظيف الكامل.
ولهذا الغرض، يقيم موظفو البنوك المركزية بصورة روتينية البيانات الواردة لتزويد صُناع السياسات بصورة واضحة عن الأوضاع الاقتصادية.
مثل معظم البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة، ظل الاحتياطي الفيدرالي مستقلاً لفترة طويلة.
لكن مع اقتراب باول من نهاية ولايته في مايو، ترتفع حالة عدم اليقين بشأن اتجاه السياسة النقدية والقوة الأساسية للاقتصاد الأمريكي إلى مستويات غير معتادة.
فبينما يظل الاستثمار قوياً، خاصة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، يبقى التضخم فوق هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، ويُظهر سوق العمل علامات تباطؤ، رغم أن الاقتصاد لا يزال قريباً من التوظيف الكامل.
كما أن إدارة التضخم في ظل هذه الظروف تتطلب حكماً دقيقاً، وينقسم الخبراء حول الاستجابة المناسبة.
ورغم أن “الاحتياطي الفيدرالي” خفض أسعار الفائدة في ديسمبر 2025، فإنه أشار إلى أن عدد التخفيضات المقبلة قد يكون أقل، وهو ما قد يكون قد أثار أحدث تصعيد من ترامب ضد باول.
يبرز هذا الجدل أهمية استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، التي تهدف إلى ضمان أن تعكس السياسة النقدية حكماً مهنياً قائماً على التحليل الاقتصادي بدلاً من الضغوط السياسية قصيرة الأجل.
تباطؤ سوق العمل وازدهار استثمارات الذكاء الاصطناعي يعقدان مهمة الفيدرالي في موازنة المخاطر
ومن خلال ضغطه المتكرر على بنك الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة، وتصريحه بأن رئيس المجلس القادم يجب أن يكون “شخصاً يؤمن بأسعار فائدة أقل، وبقدر كبير”، وضع ترامب هذا المبدأ في مهب الخطر.
تتجاوز التداعيات بكثير حدود الولايات المتحدة، فإذا اختار ترامب رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل على أساس الولاء بدلاً من الكفاءة وسلامة الحكم، فمن المرجح أن تكون السياسة النقدية الأمريكية أكثر تساهلاً مما تقتضيه الظروف، ما يغذي التضخم، ويضعف قدرة الاحتياطي الفيدرالي على الاستجابة لركود مستقبلي، ويقوض الاستقرار الاقتصادي العالمي.
وينبغي أن يسترشد اختيار رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل بالأهداف التي حددها الكونجرس، لا بالمصالح السياسية لترامب أو نزواته الشخصية.
فإذا تورط مجلس الاحتياطي الفيدرالي في سياسات حزبية، ستتضرر مصداقيته، وسيصبح التضخم أصعب في السيطرة عليه وأكثر كلفة في عكس مساره.







