على منصة دافوس، لم يتردد دونالد ترامب في نسب الفضل لنفسه في الأداء الاقتصادي الأمريكي الذي يتحدى الجاذبية.
فقد قال مخاطباً تجمع النخبة السياسية والمالية العالمية: “النمو ينفجر، والإنتاجية تتسارع، والاستثمار يقفز، والدخول ترتفع، والتضخم هُزم. نحن الدولة الأسرع نمواً في العالم”.
وبصرف النظر عن المبالغة الرئاسية، فإن أهم اقتصاد في العالم يندفع بقوة نحو عام 2026 بمعدلات نمو تفوق بكثير توقعات معظم الاقتصاديين عندما عاد ترامب إلى المنصب قبل عام.
وقال جيسون فورمان، أستاذ في كلية كينيدي بجامعة هارفارد ومستشار سابق لباراك أوباما: “معظم الاقتصادات المتقدمة ستكون سعيدة جداً لو حققت أرقام النمو الأمريكية”.
أظهرت بيانات رسمية صدرت مؤخراً أن النمو السنوي المُعدل للناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث من عام 2025 بلغ 4.4%.
وتشير التوقعات الجارية لبنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا إلى تسارع إلى 5.4% في الربع الأخير من 2025.
وباستثناء تعافي كوفيد، سيُعد ذلك أقوى توسع اقتصادي منذ أكثر من عقد.
يأتي هذا الأداء القوي رغم سيل من الصدمات الاقتصادية منذ عودة ترامب إلى السلطة، كان معظمها من صنع يديه، فقد ترافقت حروب الرئيس التجارية، التي اتسمت بدورات من التصعيد والتراجع، مع صدام هز الأسواق مع مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
الحروب التجارية والصدام مع “الاحتياطي الفيدرالي” يهز الأسواق دون كبح الزخم الاقتصادي الحالي
وفوق ذلك، شهدت البلاد أطول إغلاق حكومي على الإطلاق، ومعارك علنية مع حلفاء مقربين تُوجت بالمواجهة حول جرينلاند.
وقد اهتزت الثقة في الأصول المقومة بالدولار، ما دفع مستثمرين كباراً مثل “بيمكو” إلى تنويع استثماراتهم في أسواق أخرى.
ويضيف خطر خطوة مفاجئة أخرى من ترامب قد تُربك الاقتصاد، إلى المخاوف بشأن عودة التضخم، وكذلك حول مدى استدامة طفرة الذكاء الاصطناعي التي تغذي النمو الأمريكي، لكن في الوقت الراهن، يظل الزخم الاقتصادي قوياً.
قال آدم بوزن، رئيس معهد بيترسون للاقتصاد الدولي: “أي شخص يقول إننا لا نشهد طفرة في جزء كبير من الاقتصاد مخطئ. في الوقت الحالي، لدى الولايات المتحدة الكثير جداً من عوامل القوة، رغم كثرة الجروح التي ألحقتها بنفسها.. لكن مع مرور الوقت، فإن إطلاق النار على الأطراف سيبطئك حتى لو لم تصب صدرك”.
في واشنطن، لا يساور مستشاري ترامب شك يُذكر في أن الاقتصاد يقترب من منطقة الطفرة الكاملة، حتى وإن كان جزء من الزيادة المتوقعة في نمو الربع الرابع مدفوعاً بتقلبات التجارة.
وقال جو لافورنيا، مستشار وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، لصحيفة “فاينانشيال تايمز”: “إذا تبين أن نمو الربع الرابع بلغ 5.4% حتى مع الإغلاق، فكان يمكن أن يصل إلى 6% أو 7% لولاه. هذه هي الأرقام التي تراها عند الدخول في مرحلة طفرة”.
وتوضح الإدارة الأمريكية أنها تريد دفع التعافي إلى مستويات أعلى في 2026 عبر الضغط من أجل خفض أسعار الفائدة، بالتوازي مع توسع مالي.
مع ذلك، ورغم قوة العناوين الرئيسية، يحذر كثير من الاقتصاديين من هشاشة التوسع الاقتصادي، فرغبة ترامب في تشغيل الاقتصاد بقوة قد تعيد إشعال التضخم سريعاً، ما قد يثقب أجواء الابتهاج.
كما يعتمد النمو الأمريكي بدرجة كبيرة على ازدهار الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
وإذا فشلت عوائد قطاع التكنولوجيا في تلبية توقعات المستثمرين، فقد يلوح في الأفق تصحيح مؤلم في سوق الأسهم، مع آثار بعيدة المدى على ثروات الأسر والاستهلاك.
يكمن الأمل الأكبر في استمرار تحسن الإنتاجية، مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بما يجعل وتيرة النمو السريعة مستدامة ويقلل مخاطر السخونة الزائدة، كما شهدت الولايات المتحدة لفترة خلال طفرة التكنولوجيا في تسعينيات القرن الماضي.
اقتصاديون يحذرون من هشاشة التوسع مع عجز مالي مرتفع واحتمالات عودة التضخم بقوة
وقال إي جاي أنطوني، كبير الاقتصاديين في مؤسسة هيريتيج اليمينية، الذي رشحه ترامب العام الماضي لرئاسة مكتب إحصاءات العمل قبل سحب الترشيح: “إذا نظرنا فقط إلى أرقام الإنتاجية، فهي تتجاوز التوقعات بشكل لافت”.
وأضاف: “ما دامت إصلاحات الضرائب واللوائح والطاقة مستمرة، فلا أرى سبباً يمنع استدامة هذه المستويات من النمو الاقتصادي”.
وتوقع صندوق النقد الدولي هذا الأسبوع نمواً للناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.4% في 2026، بزيادة 0.3 نقطة مئوية عن توقعاته السابقة في أكتوبر، وبمستوى يتقدم كثيراً على شركاء الولايات المتحدة في مجموعة السبع، وهو يتنبأ الآن بنمو أقوى مما كان عليه في يناير من العام الماضي، قبل أن يطلق ترامب حروبه التجارية.
كما يتوقع محللو “جولدمان ساكس” أن يتجاوز نمو استثمارات الأعمال 5%.
وساعد قرار ترامب، التراجع عن تهديداته برفع الرسوم الجمركية على الشركاء الأوروبيين، في تهدئة أحد المخاطر الواضحة التي كانت تلوح أمام هذه التوقعات، مع ترجيح المحللين أن يستمر تلاشي أثر الكوابح على النمو الناتجة عن رسوم العام الماضي.
وقال ماركو كازيراغي من “إيفركور آي إس آي” إن أحدث البيانات الأمريكية “تدعم رؤية متفائلة للاقتصاد الكلي الأمريكي، مع تضخم أساسي منضبط، ونمو قوي، وسوق عمل تتجه نحو الاستقرار”.
وتسعى الإدارة إلى دفع النمو إلى مستويات أعلى، إذ تطالب بخفض أسعار الفائدة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وتقلص القيود التنظيمية بالتوازي مع زيادة الإنفاق وخفض الضرائب التي أقرها الرئيس ضمن مشروعه الرئيسي “قانون واحد كبير وجميل”.
لكن تلاقي النمو المرتفع مع عجز موازنة واسع يقارب 6% من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات المقبلة يبدو غير قابل للاستدامة، بحسب تحذيرات بعض الاقتصاديين، ما يؤجج المخاوف من عودة محتملة للتضخم.
وقالت غيتا غوبيناث، المسؤولة السابقة البارزة في صندوق النقد الدولي: “نية هذه الإدارة هي تشغيل اقتصاد شديد السخونة”.
وأضافت: “كل المؤشرات تشير إلى اقتصاد قد يكون فيه الطلب قوياً للغاية، وبالتالي قد يرتفع التضخم بشكل أكثر وضوحاً. كما أننا لم نشهد بعد كامل انتقال أثر الرسوم الجمركية إلى أسعار المستهلكين. وهذا أيضاً يدفع في اتجاه تضخم أعلى”.
وحذر صندوق النقد الدولي كذلك من أن الكثير سيعتمد على ما إذا كانت أرباح الذكاء الاصطناعي ستبرر التقييمات المرتفعة للأسهم.
ورغم أن التقييمات ليست مرتفعة كما كانت خلال فقاعة الدوت كوم، فإن إجمالي القيمة السوقية للأسهم الأمريكية بات الآن أعلى نسبةً إلى الناتج المحلي الإجمالي، عند 226% مقابل 132% في عام 2001.
وبحسب تحليل الصندوق، فإن تراجع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي مقترناً بـ”تصحيح معتدل” في تقييمات أسهم التكنولوجيا قد يقتطع نحو 0.4 نقطة مئوية من النمو العالمي هذا العام.
وحذر الصندوق من أن “حتى تصحيحاً أكثر تواضعاً قد يكون له أثر ملموس على إجمالي الاستهلاك”.
وقد تكون المشكلة الأكبر أمام ترامب أن كثيراً من الأمريكيين لا يشعرون بعد بهذه الطفرة، مع استمرار ارتفاع الأسعار في الضغط على المعيشة.
وأظهر استطلاع أجرته نيويورك تايمز بالتعاون مع سيينا هذا الأسبوع أن 40% فقط من المشاركين وافقوا على طريقة إدارة الرئيس للاقتصاد، مقابل 58% عارضوا ذلك.
وتراجعت ثقة المستهلكين في ديسمبر للشهر الخامس على التوالي، وفقاً لمجلس المؤتمرات، في انعكاس للقلق بشأن آفاق الوظائف ونمو الدخول. وكان التوظيف في 2025 الأضعف منذ كوفيد.
صندوق النقد الدولي يرفع توقعات نمو الولايات المتحدة متقدماً على شركاء مجموعة السبع في 2026
ولا يزال نمو الدخل الحقيقي محدوداً، فيما تزامن إنفاق قوي مع تراجع معدل الادخار، ما جعل أوضاع الأسر المالية أقل متانة.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في وقت لاحق من هذا العام، يسعى ترامب إلى إقناع الناخبين بقصة نجاحه، مطلقاً جولة أسبوعية تبدأ هذا الأسبوع من ولاية آيوا للترويج لرسالته الاقتصادية.
وقال فورمان من هارفارد إنه لا شك في أن الاقتصاد بات “في وضع أفضل بكثير” مما كان الناس يتوقعون في أبريل ومايو، بعد أن أطلق ترامب ما وصفه بيوم التحرير من وابل الرسوم الجمركية.
لكنه حذر من المبالغة في تصوير صحة الاقتصاد الأمريكي، مشيراً إلى ضبابية البيانات الرسمية والتشوهات الناجمة عن التقلبات الحادة في التجارة خلال 2025، مع ترجيح ألا تتضح الصورة الكاملة قبل عدة أشهر.
وأضاف: “إذا كنت تعتقد أننا دخلنا نوعاً من العصر الذهبي الجديد، فلا أرى أي مبرر لذلك في البيانات”.







