“لطالما كان على الآباء تربية أبنائهم على أسس متينة، وقدرة على التحمل، وأخلاق حميدة”
لقد ولى زمن ما قبل الذكاء الاصطناعي، ومن الأدلة المقلقة على ذلك تقديرات تشير إلى أن واحداً من معارف كل ثمانية أطفال كان هدفاً لصورة أو فيديو مزيف بتقنية التزييف العميق.
وترتفع هذه النسبة إلى واحد من كل أربعة أطفال شاهدوا صوراً أو فيديوهات مزيفة ذات طابع جنسي لشخص يعرفونه، سواء كان صديقاً أو شخصية مشهورة. هذه مشكلة حقيقية، وقد بدأ المشرعون يدركونها فجأة.
في ثمانينيات القرن الماضي، عندما كنت طفلةً، كانت صورة طفل مفقود على علبة حليب من أي مكان في البلاد كافية لتجسيد مخاوف الآباء. أما في عام 2026، فستكون صورة موحية مولدة بالذكاء الاصطناعي لشخص عزيز هي ما يثير هذه المخاوف.
أدى تزايد توفر أدوات التعرية عبر الذكاء الاصطناعي، مثل المرتبطة بتطبيق ”جروك“، إلى ارتفاعٍ هائل في الإبلاغ عن مواد اعتداء جنسي على الأطفال أنتجها الذكاء الاصطناعي، من حوالي 4700 حالة في عام 2023 إلى أكثر من 440 ألف حالة في النصف الأول من عام 2025 وحده، وفقاً للمركز الوطني للأطفال المفقودين والمستغلين.
هذا مروع ومقزز. يصعب على أم أن تقرأ عن هذا ناهيكم عن أن تكتب عنه، لأن قدرتها على حماية أطفالها منه تبدو خارج سيطرتها. تعاني الأسر لتبعد أطفالها عن وسائل التواصل الاجتماعي، وإبعاد الشاشات عن الفصول الدراسية، أو قفل الأجهزة المنزلية ليلاً.
يأتي هذا كله بعد عقدٍ كامل من جمع البيانات حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال.
إلى أي مدى تغلغل الذكاء الاصطناعي في حياة أطفالنا
قبل أن نتمكن حتى من حل هذه المشكلة، يهيمن الذكاء الاصطناعي على العالم، وخاصة بين الشباب. إن ما يقرب من نصف المراهقين الأمريكيين (42%) يتحدثون إلى روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي كما لو كانت صديقاً أو رفيقاً.
وقال غالبية من شريحة طلاب (86%) باستخدامهم للذكاء الاصطناعي خلال العام الدراسي، وفقا لمجلة “إديوكيشن ويك”. حتى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و12 عاماً يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وفي عدة حالات بارزة، ذكر أولياء الأمور أن برامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي شجعت أبناءهم المراهقين على الانتحار.
يبدو أن كثير من أولياء الأمور غير مطلعين على هذا الأمر. تظهر استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة “كومن سينس ميديا” أن أولياء الأمور يقللون باستمرار من تقدير استخدام أبنائهم للذكاء الاصطناعي. وينطبق الأمر نفسه على المدارس. فقد وجدت الدراسة نفسها أن قلة من المدارس قد أعلنت عن سياسة خاصة بالذكاء الاصطناعي، أو حتى وضعت سياسة بهذا الشأن.
لكن هناك شعوراً عاماً بالقلق: ما يزال الأمريكيون القلقون (50%) أكثر من المتحمسين (10%) بشأن تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، وتعتقد غالبيتهم العظمى (87%) أن قدرتهم على التحكم فيه ضئيلة أو معدومة.
نواب الشعب يتحركون
يتحرك صناع السياسات حالياً. أقر مجلس الشيوخ بالإجماع الأسبوع الماضي مشروع قانون “التحدي”، الذي يسمح لضحايا المواد الإباحية المزيفة بتقنية التزييف العميق بمقاضاة من أنشأوا هذه الصور.
تحقق المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي فيما إذا كان تطبيق ”غروك“ قد استخدم لإنشاء صور مفبركة ذات محتوى جنسي صريح لنساء وأطفال دون موافقتهم، في انتهاك لقانون السلامة على الإنترنت.
في الولايات المتحدة، يجرم قانون إزالة المحتوى، الذي أقرّه الكونغرس العام الماضي، استخدام الصور المفبركة ذات المحتوى الجنسي، ويلزم المنصات بإزالة هذه الصور في غضون 48 ساعة؛ وقد يواجه مشاركوها عقوبة السجن.
في ولايتي تكساس، لدينا بعضٌ من أكثر قوانين الذكاء الاصطناعي صرامة في البلاد. ينص قانون “حماية الأطفال على الإنترنت من خلال تمكين الوالدين” لعام 2024، من بين أمور أخرى، على إلزام المنصات بتطبيق استراتيجية لمنع تعريض القاصرين لمواد ضارة. ومنذ 1 سبتمبر 2025، أصبح إنشاء أو توزيع أي صور ذات إيحاءات جنسية دون موافقة غير قانوني.
تتراوح العقوبات بين توجيه تهم جنائية والسجن والغرامات المتكررة. وبدءاً من هذا العام، يدخل قانون “حوكمة الذكاء الاصطناعي المسؤولة في تكساس” حيز التنفيذ، وهو يحظر تطوير الذكاء الاصطناعي بهدف وحيد هو إنشاء صور مفبركة.
قد لا تعرف تكساس بالتوافق بين الحزبين، لكن هذه الجهود بذلت بروحٍ توافقية، ووضعت صراحةً في إطار حماية أطفال تكساس وحقوق الآباء والأمهات. وصرح المدعي العام كين باكستون، معلناً عن تحقيقه في استوديو ”ميتا إيه آي“ وشركة ”كاركتر دوت إيه آي“: “في عصرنا الرقمي، يجب أن نواصل النضال لحماية أطفال تكساس من التقنية الخادعة والاستغلالية”.
مرحلة ضبابية قانونياً وتقنياً
لكننا لا نعلم بعد مدى فعالية هذه القوانين.
أولاً، ما يزال كل شيء حديثاً.
ثانياً، التقنية في تطورٍ مستمر.
ما يزيد الأمر تعقيداً هو علاقات مطوري الذكاء الاصطناعي الوثيقة مع واشنطن. فشركات التقنية الكبرى هي المهيمنة في واشنطن هذه الأيام، وهناك زيادة ملحوظة في نفوذها في مجال الضغط السياسي.
وعلى الصعيد المحلي، يخشى الديمقراطيون في تكساس من أن يتردد باكستون في الضغط على إيلون ماسك بشأن فضيحة ”جروك“، نظراً لعلاقاته الوثيقة بالحزب الجمهوري.
في عهد إدارة ترامب، أطلقت لجنة التجارة الفيدرالية تحقيقاً رسمياً مع شركات التقنية الكبرى، مطالبةً إياها بتقديم تفاصيل حول كيفية اختبارها ومراقبتها للآثار السلبية المحتملة لبرامج الدردشة الآلية على الأطفال.
لكن هذا يشرح نفسه؛ إذ لم تبعث هذه الشركات نفسها ثقة تذكر في هذا الصدد فيما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي، أو في حالة تطبيق ”غروك“، فيما يخص صور الأطفال العارية المفبركة بتقنية التزييف العميق.
هناك حاجة إلى مزيد من المساءلة الخارجية، ولتحقيق هذا الهدف، يلزم اتباع نهج متعدد الجوانب. أود أن أرى وزارة الصحة والخدمات الإنسانية تدرج تحدي الذكاء الاصطناعي لرفاهية الأطفال ضمن حركة ”لنعد لأمريكا صحتها“.
ويمكن للجنة مشتركة بين الحزبين دراسة الحدود العمرية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، والسياسات المدرسية، وعلاقات الأطفال…المهارات. ومن المثير للقلق أن تقرير ”لنعد لأمريكا صحتها“ الشامل حول صحة الطفل في العام الماضي بالكاد تطرق إلى الذكاء الاصطناعي.
لكن حتى مع اتخاذ إجراءات على المستويين الإتحادي والولاياتي، فإن الواقع هو أن خوض جزء كبير من عالم الذكاء الاصطناعي سيقع على عاتق الأسر.
رغم وجود خطوات يمكن اتخاذها للحد من تعرض الأطفال للذكاء الاصطناعي في سن مبكرة، إلا أن التجنب وحده ليس الحل. فنحن ما نزال في البداية، وقد أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً لا مفر منه. إنه موجود في حواسيبنا ومنازلنا ومدارسنا وألعابنا وأماكن عملنا وعصر الذكاء الاصطناعي ما يزال في بدايته.
ثمة حاجة إلى مزيد من الدعم والتوجيه. وسيقع العبء الأكبر على عاتق الآباء.
لطالما كان على الآباء تربية أبنائهم على أسس متينة، وقدرة على التحمل، وأخلاق حميدة.
تتغير تحديات كل عصر، لكن الذكاء الاصطناعي يبقى ثابتاً. سنحتاج الآن إلى تربية أطفال يملكون حساً بالهدف ومهارات التفكير النقدي والمعرفة الاجتماعية اللازمة للتعايش مع هذه التقنية الجديدة والمنتشرة في كل مكان – بما تحمله من وعد عظيم ومخاطر.







