أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية، قرارًا يتيح لشركات التداول في الأوراق المالية تسويق خدماتها عبر المنصات الرقمية، لأول مرة في تاريخ السوق المصري، استجابة للتطور المتنامي للتكنولوجيا المالية. ويستهدف القرار منح شركات السمسرة الفرصة للاستفادة من الانتشار الكبير للمنصات الرقمية، مع التركيز على جذب شرائح جديدة من المستثمرين الأفراد.
ويستهدف القرار إتاحة الفرصة لشركات السمسرة في الأوراق المالية للاستفادة من الانتشار الكبير للمنصات الرقمية المختلفة.
قال ياسر المصري، العضو المنتدب لشركة العربي الإفريقي لتداول الأوراق المالية، إن قرار الهيئة يُعد خطوةً إيجابية ومهمة نحو توسيع قاعدة المستثمرين وتعزيز رقمنة سوق المال، شريطة أن تستفيد الشركات منه بالشكل الأمثل.
وأوضح أن القرار يتيح إنشاء منصات إلكترونية مرخصة من الهيئة، يمكن من خلالها عرض خدمات أكثر من شركة سمسرة، على غرار المنصات العالمية التي تتيح للمستثمر المقارنة بين الوسطاء من حيث الحد الأدنى للإيداع وفروقات الأسعار والخدمات المتاحة قبل اتخاذ قرار فتح الحساب والتنفيذ.
وأضاف أن الفكرة تقوم على وجود منصة جامعة تشبه المراكز التجارية الكبرى، تضم عدة أنشطة وخدمات في مكان واحد، بحيث يستطيع العميل التعرف على شركات السمسرة وخدماتها أثناء تصفحه للمنصة، ما يسهم في زيادة الوعي الاستثماري وجذب شرائح جديدة من المستثمرين الأفراد.
وأشار المصري إلى أن الهيئة وضعت ضوابطاً واضحةً تتعلق بالأمن السيبراني ومعايير الحماية التي يجب أن تلتزم بها المنصات قبل الحصول على الترخيص.
وأكد أن القرار يعكس توجهًا واضحًا نحو التحول الرقمي الكامل في سوق المال المصري، موضحًا أن الهدف النهائي هو وصول خدمات السمسرة إلى كل مكان، وزيادة عدد المستثمرين الأفراد خاصة في ظل ضعف قاعدة المتعاملين مقارنة بعدد السكان.
ولفت إلى أن عدد المتداولين في البورصة المصرية ما زال محدودًا مقارنة بعدد السكان، في حين تمتلك بعض البنوك ملايين العملاء، ما يعكس فجوة كبيرة في الوعي الاستثماري تستدعي تكاتف الشركات والهيئات لزيادته.
وشدد على أهمية التوازن بين التوسع في التسويق الرقمي وتوعية المستثمرين بمخاطر الاستثمار، معتبرًا أن نشر الثقافة المالية مسئولية مشتركة بين شركات السمسرة والهيئة العامة للرقابة المالية والبورصة.
قاعدة أوسع من المستثمرين
وقالت راندا حامد العضو المنتدب لشركة عكاظ لتكوين وإدارة محافظ الأوراق المالية، إن السماح لشركات السمسرة بالترويج الإلكتروني يأتي في إطار توجه أوسع لتنشيط التداول وزيادة قاعدة المستثمرين، موضحة أن الهدف الأساسي من القرار هو تحفيز الشركات على الإعلان عن خدماتها وأدواتها الاستثمارية لجذب شرائح جديدة من المتعاملين.
وأضافت أن القرار يمنح جميع الشركات فرصة متكافئة للترويج لأنشطتها، إلاّ أن التأثير الفعلي على الحصص السوقية بالنسبة لشركات السمسرة سيتباين وفقًا لقدرات كل شركة التمويلية وحجم موازنات التسويق لديها.
وأوضحت حامد أن الشركات التي تمتلك ميزانيات أكبر للتسويق وقدرات مالية أقوى ستكون أكثر قدرة على جذب عملاء جدد وزيادة حصتها السوقية، في حين قد تواجه الشركات الأصغر تحديات نسبية إذا لم تخصص موارد كافية للترويج الرقمي.
وأشارت إلى أن القرار يتسق مع جهود رفع الوعي الاستثماري، خاصة مع التوسع في إدخال أدوات ومنتجات جديدة بالسوق، مثل تداول أذون وسندات الخزانة والمشتقات المالية، ما يتطلب تعريف المستثمرين بطبيعة هذه الأدوات وآليات عملها.
وأكدت أن الترويج للأنشطة الجديدة يمثل عنصرًا مهمًا لخلق زخم حولها وضمان تحقيق إقبال مناسب عليها، خاصة أن إطلاق أدوات مالية جديدة دون حملات تعريفية قد يحد من انتشارها.
وأضافت أن الهدف النهائي يتمثل في جذب مستثمرين أفراد جدد وزيادة عدد الأكواد النشطة، بما ينعكس على معدلات السيولة وأحجام التداول في السوق.
وألزم القرار شركات السمسرة بتوفير بيانات واضحة ومحدثة على المنصة الرقمية، تشمل طبيعة الخدمات المقدمة، والرسوم والعمولات، والمخاطر المرتبطة بالتعامل الإلكتروني، إلى جانب المواد التوعوية اللازمة لرفع وعي العملاء بكيفية الاستخدام الآمن للمنصات الرقمية والحفاظ على سرية بيانات الدخول، بما يعزز من حماية المستثمرين ويحد من المخاطر التكنولوجية.
أوضح هاني حمدي، العضو المنتدب لشركة مباشر لتداول الأوراق المالية، أن قرار الهيئة العامة للرقابة المالية بالسماح لشركات السمسرة بالترويج الإلكتروني يتوافق مع توجهات التحول الرقمي وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا المالية في سوق المال المصري.
وقال إن شركته تعمل بالفعل على استهداف الفئات العمرية الصغيرة والتي أثبتت التجارب السابقة في السوق قدرتها على دفع معدلات النمو.
وأضاف أن السوق يشهد حاليًا إدخال عدد من المنتجات والأدوات الجديدة، مثل المشتقات المالية، وصانع السوق والبيع على المكشوف إلى جانب تداول أذون وسندات الخزانة، لافتًا إلى أن الشركة انتهت من تحديث أنظمتها التقنية لاستيعاب تلك الأدوات على منصة واحدة تتيح للعملاء التداول على الأسهم والسندات، وصناديق الاستثمار عبر التطبيق.
وأوضح أن هذا القرار بالإضافة إلى إدخال الأدوات الجديدة من شأنها أن تسهم في تعميق السوق وزيادة حجم التداولات.
وحدد القرار مجموعة من الاشتراطات الواجب توافرها لاعتماد المنصة، وهي الالتزام بالتجهيزات والبنية التكنولوجية الوادرة في القرار رقم 139 لسنة 2023، وأن تكون كافة الخدمات المقدمة من خلال المنصة مشفرة تشفيرًا كاملًا، مع توافر سجل إلكتروني بالشكاوى الفنية المتعلقة باستخدام المنصة الرقمية.
جذب فئة الشباب
من جانبه أشار محمد فاروق مسعود العضو المنتدب لشركة جلوبال إنفست لتداول الأوراق المالية، إلى أن قرار الهيئة العامة للرقابة المالية بالسماح لشركات السمسرة بترويج خدماتها إلكترونيًا يستهدف بالأساس الفئات العمرية الأصغر، ضمن خطة أوسع لتوسيع قاعدة المستثمرين وزيادة معدلات المشاركة في سوق المال.
وأوضح أن الترويج لن يقتصر على التداول المباشر بالبورصة، بل يشمل أيضًا تسويق منتجات بديلة مثل صناديق الاستثمار في الأسهم أو الذهب أو العقارات، خاصة للعملاء الذين لا يملكون الوقت أو الخبرة الكافية لاختيار الأسهم بشكل فردي.
وأضاف أن هناك توجهًا بالتوازي لإطلاق حملات توعية موسعة بالتعاون بين البورصة المصرية والهيئة العامة للرقابة المالية، تستهدف رفع الثقافة الاستثمارية وتحذير المستثمرين من الانسياق وراء الشائعات، مع التأكيد على أهمية الدراسة أو اللجوء إلى صناديق الاستثمار كخيار أقل مخاطرة نسبيًا.
ولفت إلى أن التوسع في الترويج الإلكتروني يرتبط أيضًا بخطة الحكومة لطرح عدد من الشركات الجديدة في البورصة، ما يتطلب جذب شريحة أكبر من المستثمرين لضمان تغطية تلك الطروحات وزيادة السيولة بالسوق.
وأشار مسعود إلى أن تطبيق القرار قد يفرض أعباءاً مالية إضافية على شركات السمسرة، موضحًا أن التكلفة المرتفعة قد تمنح الشركات الكبرى ميزة نسبية، في حين قد تواجه الشركات الأصغر تحديات في المنافسة.
وأوضح أن هيكل السوق الحالي يعزز من استمرار تمركز الحصص السوقية لدى أكبر الشركات، خاصة في ظل اعتماد المؤسسات المالية الكبرى والبنوك على التعامل مع أكبر 10 شركات فقط، ما يصعّب مهمة الشركات المتوسطة والصغيرة في توسيع أعمالها رغم كفاءتها التشغيلية أو جودة خدماتها.
فتح الحسابات بضغطة زر
وفيما يتعلق بخطط شركته، أشار مسعود إلى إطلاق حملة تسويقية موسعة منذ شهرين عبر منصات التواصل الاجتماعي، تركز على التوعية بمفهوم الاستثمار التراكمي وأهمية تكوين محفظة متنوعة، قبل الانتقال إلى الترويج المباشر للتطبيق الإلكتروني للشركة.
وأضاف أن الشركة تعمل حاليًا على الحصول على رخصة «Remote Access» لتمكين العملاء من فتح الحسابات إلكترونيًا دون الحاجة إلى زيارة الفروع.
كما أن القرار يحظر على المنصات الرقمية تقديم أية أعمال نيابة عن شركة السمسرة، أو تقديم توصيات استثمارية أو ترتيب وتصنيف و تفضيل أوراق مالية أو استخدام أي نماذج للتنبؤ أو أدوات ذكاء اصطناعي بغرض التأثير على سلوك العميل، أو التحيز لخدمات شركة سمسرة بعينها.
قال معتز الجريتلي العضو المنتدب لشركة السهم الذهبي لتداول الأوراق المالية إن قرار الهيئة يمثل نقلة نوعية في قطاع الخدمات المالية غير المصرفية، بعدما أتاح لشركات السمسرة تسويق خدماتها واستقبال أوامر العملاء عبر المنصات الرقمية وتطبيقات المدفوعات الإلكترونية المرخصة.
وأوضح أن القرار من شأنه إعادة تشكيل خريطة العملاء في سوق المال المصري، وزيادة أعداد المستثمرين الأفراد، متوقعًا أن يُحدث تغييرًا جذريًا في هيكل المتعاملين من خلال توسيع قاعدة الشمول المالي الرقمي.
وأضاف أن دمج خدمات السمسرة داخل تطبيقات المدفوعات التي يستخدمها ملايين المواطنين يوميًا يجعل الاستثمار «على بُعد ضغطة واحدة»، ما يعزز فرص جذب شرائح جديدة، خاصة الشباب، مشيرًا إلى أن نحو 80% من المستثمرين الجدد في البورصة المصرية ينتمون إلى الفئات العمرية الشابة، وهو ما يتطلب أدوات تتماشى مع نمط حياتهم الرقمي.
وأكد الجريتلي أن القرار لم يقتصر على تسهيل دخول الأفراد، بل تضمن ضوابط لحماية المستثمرين، إذ ألزم الشركات بتوفير مواد توعوية واضحة تتضمن شرح المخاطر، مع حظر تقديم توصيات استثمارية عبر المنصات أو استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي للتأثير على سلوك العملاء، بما يحد من احتمالات التضليل، خاصة للمبتدئين.
وأشار إلى أن الفئة المستهدفة لشركات السمسرة ستتغير بصورة ملحوظة، حيث لن يقتصر الاستهداف على المستثمر التقليدي أو ذوي الملاءة المالية المرتفعة، بل سيمتد ليشمل أصحاب المدخرات الصغيرة ومستخدمي محافظ الهاتف المحمول.
وأوضح أن الانتشار الجغرافي لم يعد عائقًا أمام الوصول إلى العملاء، في ظل ارتفاع معدلات انتشار الهواتف الذكية، ما يقلص الفجوة بين القاهرة والمحافظات، ويتيح للشركات استهداف العملاء وفقًا لأنماط إنفاقهم الرقمي، مثل المستخدمين الذين يمتلكون فائضًا نقديًا دوريًا عبر تطبيقات الدفع.
وفيما يتعلق بتأثير القرار على هيكل الإنفاق، توقع الجريتلي أن يشهد القطاع تحولًا في توزيع المصروفات الرأسمالية، مع تراجع نسبي للإنفاق على الفروع التقليدية، وتوجيه جزء أكبر من الميزانيات نحو تطوير البنية التحتية التكنولوجية وتعزيز أنظمة الأمن السيبراني، التزامًا بالضوابط التنظيمية ذات الصلة.
وأضاف أن الشركات ستتحول من الاعتماد على الإعلانات التقليدية إلى بناء شراكات مع منصات التكنولوجيا المالية، ودفع عمولات للربط الرقمي، مشيرًا إلى أن الشركات الكبرى، التي تمتلك بالفعل بنية تكنولوجية قوية، ستكون الأسرع في الاستفادة من القرار عبر عقد شراكات فورية.
وتوقع أنه على المدى الطويل قد تضطر الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى تسريع وتيرة التحول الرقمي أو الدخول في تحالفات وعمليات اندماج للبقاء في دائرة المنافسة، محذرًا من أن التأخر في مواكبة التطور قد يؤدي إلى فقدان حصص سوقية لصالح المنصات الرقمية الأكثر تطورًا.
شهد عام 2025 دخول نحو 297 ألف مستثمر جديد. من الأفراد إلى السوق منهم ما يقرب من 80% منهم ينتمون إلى الفئة العمرية من 18 إلى 45 عامًا.
التوعية قبل التسويق
أضاف طارق أباظة، العضو المنتدب لشركة كايرو كابيتال سيكيورتيز لتداول الأوراق المالية أن قرار الهيئة لا يمثل توجهاً تنظيمياً جديداً بالكامل، في ظل وجود رخصة التكنولوجيا المالية التي تتيح بالفعل فتح الحسابات بصورة إلكترونية كاملة، لكنه يسهم في تسهيل الوصول إلى شرائح جديدة من العملاء عبر المنصات الرقمية.
وأوضح أن الأثر المباشر للقرار لن ينعكس سريعاً على الإيرادات أو المصروفات، لكنه سيظهر بشكل أوضح في زيادة عدد العملاء الجدد، معتبراً أن التوسع الرقمي يفتح الباب أمام جذب مستثمرين أفراد لم تكن لديهم تعاملات سابقة في سوق المال.
وأشار أباظة إلى أن جذب شرائح جديدة، خاصة من الأفراد، يتطلب تعزيز جهود التوعية بمخاطر الاستثمار قبل التركيز على العوائد، مؤكداً أهمية تثقيف العملاء بطبيعة المخاطر وآليات التعامل مع السوق، لا سيما أن بعض المستثمرين الأفراد يميلون إلى المضاربة دون إدراك كافٍ للتقلبات.
وأوضح أن العملاء محدودي الخبرة ينبغي أن يتجهوا إلى أدوات استثمارية أقل مخاطرة مثل صناديق الاستثمار أو المحافظ المُدارة، بحسب حجم استثماراتهم، مشدداً على أن مسؤولية اتخاذ القرار الاستثماري تقع في النهاية على عاتق العميل بعد الاطلاع الكافي وفهم المخاطر.
وفيما يتعلق بالإنفاق الإعلاني، لفت إلى أن تكلفة الحصول على عميل جديد تُعد جزءاً أساسياً من طبيعة نشاط شركات السمسرة، وتندرج ضمن الخطط التوسعية لكل شركة، موضحاً أن توجه الشركات نحو الإعلانات الرقمية أو التقليدية سيظل مرهوناً باستراتيجيتها الخاصة، ولا يمكن تعميم مسار بعينه على جميع الشركات.
وأكد أباظة أن القرار من شأنه دعم زيادة عدد المستثمرين، بما ينعكس إيجاباً على أحجام التداول وعمق السوق خلال الفترة المقبلة، مع توسع قاعدة المتعاملين ودخول شرائح جديدة إلى منظومة الاستثمار الرسمي.








