بدأ الارتفاع الحاد في أسعار الكاكاو ثم الهبوط اللافت بالقدر نفسه في زعزعة أسلوب العمل التقليدي طويل الأمد في غرب أفريقيا، المنطقة التي توفر الجزء الأكبر من حبوب الكاكاو على مستوى العالم.
وأطلقت غانا، ثاني أكبر منتج للكاكاو عالمياً، هذا الأسبوع عملية لتخفيف القيود الصارمة التي تفرضها الدولة على الأسعار المحلية. وفي ساحل العاج، أكبر المنتجين، يتصاعد الاستياء أيضاً، إذ أحجم متعاملون عن شراء الحبوب للمحصول الأوسط المقبل، على أمل الحصول على تكاليف أقل.
نظام تسعير حكومي يعجز عن مواكبة تقلبات السوق
لطالما خضعت مبيعات الكاكاو في البلدين، اللذين ينتجان أكثر من نصف الإمدادات العالمية، لسيطرة الجهات الحكومية التي تحدد أسعار الشراء من المزارعين وتتولى تسويق الحبوب. ويهدف هذا الهيكل إلى حماية المزارعين، وكثير منهم من صغار الحائزين، من تقلبات أسواق السلع الزراعية.
لكن مع قفزة العقود المستقبلية إلى مستوى قياسي في عام 2024، ثم تراجعها بأكثر من 70% لاحقاً، أصبح هذا النظام عائقاً أمام استفادة المزارعين من موجة الصعود، وفي الوقت نفسه صعّب على التجار الحفاظ على ربحيتهم خلال الهبوط. ومع تكدس المخازن والموانئ بحبوب غير مباعة، واستمرار تراجع الأسعار، تتعرض سلاسل الإمداد لضغوط متزايدة، ما يطلق تغييرات قد تعيد تشكيل سوق الكاكاو العالمي لسنوات مقبلة.
وقال أندرو مورياتي، المدير الأول للكاكاو في شركة “إكسبانا” (Expana)، إن خطوة غانا تُفسر على أنها “حل تمويلي أكثر استدامة”، مضيفاً أن “هذا قد يزيل بعض مخاطر اضطرابات الإمدادات في المستقبل”.
الكاكاو من قمم قياسية إلى ضغوط فائض المعروض
يهيمن غرب أفريقيا منذ عقود على صناعة الكاكاو بفضل مناخه الاستوائي الملائم لإنتاج المكون الأساسي للشوكولاتة. غير أن مزيجاً من أمراض المحاصيل وتزايد الظواهر المناخية المتطرفة أثّر سلباً على الإنتاج، ما أشعل موجة صعود دفعت العقود المستقبلية إلى ما يقرب من 13 ألف دولار للطن في عام 2024، أي أربعة أضعاف المتوسط التاريخي.
ولأن الجهات المنظمة تبيع معظم المحصول قبل جمعه بأشهر، لم تتمكن من الوفاء بجميع العقود في ذلك العام، ما اضطرها إلى ترحيل بعضها إلى موسم الحصاد التالي. وفي المقابل، وجد مصنعو الشوكولاتة أنفسهم يبحثون عن طرق لاحتواء التكاليف، فقام بعضهم بتعديل الوصفات بإضافة المكسرات أو البسكويت، أو استبدال زبدة الكاكاو ببدائل أرخص من الزيوت النباتية.
وساهم تراجع الطلب الحاد، إلى جانب تحسن الإنتاج، في تصحيح سريع للأسعار. وتقدّر شركة الوساطة في السلع “ماريكس غروب” (Marex Group) وجود فائض عالمي بنحو 400 ألف طن في الموسم الحالي، وهو الأكبر وفق بيانات المنظمة الدولية للكاكاو منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وانخفضت عقود الكاكاو المستقبلية في نيويورك بنحو النصف تقريباً منذ بداية موسم 2025-2026 في أكتوبر، وذلك بعد أن لحقت الأسعار التي تحددها الدولة في غرب أفريقيا بموجة الصعود. وتدور الأسعار حالياً حول 4000 دولار للطن.
وأدى هذا الخلل المتسع بين الأسعار المحلية والعالمية إلى تآكل هوامش أرباح المصدّرين، ما أبطأ تدفقات الحبوب إلى الخارج. كما تسبب في ضغوط على الجهات المنظمة التي كانت قد خفّضت المبيعات الآجلة عند ذروة السوق، أملاً في الاستفادة من أسعار فورية أعلى.
وقال جوناثان باركمان، رئيس مبيعات السلع الزراعية في “ماريكس غروب” (Marex Group) في لندن: “إذا نظرت إلى بقية مناطق إنتاج الكاكاو، فقد استفادت بالكامل من ارتفاع الأسعار. أما مزارعو غانا وساحل العاج، فقد فاتهم الاستفادة من الصعود، وفاتهم أيضاً التكيّف مع الهبوط”.
إصلاحات تنظيمية في غانا وضغوط على ساحل العاج
كانت هذه التطورات هي سياق الاجتماع الطارئ الذي دعت إليه الحكومة الغانية هذا الأسبوع. وتخطط البلاد لإدخال نظام مرن يسمح بإجراء تعديلات تلقائية على الأسعار المحلية عند تغيّر الأسعار العالمية، بحسب ما قاله وزير المالية كاسييل آتو فورسون للصحافيين.
وأضاف فورسون أنه سيُسمح لهيئة تنظيم الكاكاو المعروفة باسم “كوكوبود” بإصدار سندات محلية لتمويل شراء الحبوب وجمع أموال دوّارة، باستخدام حبوب الكاكاو كضمان.
ومع خفض الحكومة لسعر الاستلام من المزارعين بالتوازي، ستكون البلاد في وضع أفضل لتصريف ما تبقى من المحصول الرئيسي والمساعدة في فك الاختناقات في النظام، بحسب باركمان.
وقال مايكل أتشيامبونغ، وهو مزارع رئيسي يشرف على أكثر من 1500 مزارع شمال العاصمة أكرا، إن رد الفعل الفوري من منتجي الكاكاو في غانا كان الارتياح لاحتمال تصريف تراكم الحبوب.
ومع ذلك، فإن التغيير الأوسع في نظام التسعير سيستغرق وقتاً. إذ من المقرر إرسال المقترح إلى البرلمان للموافقة عليه لاحقاً هذا العام، وإذا أُقرّ فلن يُطبق إلا بدءاً من موسم الحصاد الرئيسي التالي الذي ينطلق عادة في أكتوبر.
مطالبات بربط الأسعار المحلية بالعالمية للكاكاو
وقال أتشيامبونغ: “ما يريده المزارعون هو أن تكون هيئة كوكوبود والحكومة، وبصورة عاجلة وفي الوقت الحقيقي، مستعدتين لرفع أسعار المنتجين فور تحسن الأسعار في السوق الدولية”.
ولم يكن متحدث باسم مجلس القهوة والكاكاو في ساحل العاج، الجهة المنظمة للقطاع والمعروفة أيضاً باسم “سي سي سي”، متاحاً على الفور للتعليق على إعلان غانا.
وفي هذا السياق، كتب مكتب “هانزياتيك لمكتب تجارة الكاكاو والسلع” (Hanseatic Cocoa & Commodity Office) في مذكرة أن “مطالبة المنتجين المحليين في ساحل العاج بخفض كبير في أسعار الشراء من المزارعين تجعل مسألة اتباع المجلس للخطوة ذاتها مسألة وقت”.
وفي الأثناء، تتصاعد الضغوط، إذ واجه بعض المصدّرين في ساحل العاج صعوبة في الوفاء بعقود أُبرمت عند مستويات سعرية مرتفعة، ما ترك أكثر من 100 ألف طن من الحبوب بلا مشترين. كما لجأ بعض التجار إلى تنويع مصادر الكاكاو بعيداً عن المنطقة بعد تعرضهم لخسائر نتيجة تأجيل العقود، ومع ارتفاع حجم المحاصيل في أميركا الجنوبية.
ويقدّر باركمان أن غانا وساحل العاج تمتلكان معاً نحو 200 ألف طن من الكاكاو من المحصول الرئيسي، الذي ينتهي تقريباً في مارس، لا تزال بحاجة إلى البيع والتحوط. ومع هذه الكميات المتراكمة، وحبوب المحصول الأوسط التي لا تزال معروضة قبل نهاية الموسم في سبتمبر، قد تواصل الأحجام الضغط على الأسعار.
ولامست العقود المستقبلية في نيويورك يوم الجمعة مستوى 3652 دولاراً للطن، وهو أدنى مستوى منذ أكتوبر 2023.








