بينما يستعد المتداولون في سوق النفط لسحب تاريخي من الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي في شكل قرض، يعمدون إلى التخلص من العقود ذات الآجال القريبة واقتناص إمدادات أرخص للتسليم في فترات لاحقة، تزامناً مع التزامات المقترضين بإعادة النفط إلى الحكومة.
تخطط دول حول العالم للإفراج عن كميات من احتياطيات الطوارئ النفطية، في وقت يخنق فيه الصراع في الشرق الأوسط الإمدادات ويدفع أسعار الطاقة إلى ارتفاع كبير. الدفعة الأولى من خطة أميركا للإفراج عن 172 مليون برميل، والمتوقع أن تستغرق 4 أشهر، ستكون في شكل قرض يتعين على الشركات سداده لاحقاً مُحملاً بالفائدة.
عقود النفط الأبعد أجلاً
انتهت مهلة تقديم العروض للدفعة الأولى عند الساعة الخامسة مساءً بالتوقيت المركزي في الولايات المتحدة أمس الثلاثاء. بدأ التجار في تعديل مراكزهم الاستثمارية تحسباً لكميات الخام المتدفقة المتوقعة نتيجة البرنامج، عبر بيع العقود القريبة المتزامنة مع فترة ارتفاع الإمدادات، وشراء العقود الأبعد أجلاً التي ستُعاد فيها البراميل إلى الحكومة.
سيجري تسليم النفط في أبريل ومايو المقبلين من العام الحالي، على أن تتم إعادته على مدى فترة ممتدة حتى سبتمبر 2028.
يُتداول خام “غرب تكساس الوسيط” في العقود الآجلة لعام 2027 حالياً بارتفاع يقارب دولاراً واحداً مقارنة مع إغلاق الجمعة الماضية، وبزيادة حوالي 5 دولارات مقارنة مع مستواه قبل أسبوع. في المقابل، انخفض عقد شهر أبريل، أقرب استحقاق، الذي ينتهي خلال أيام، بنحو دولارين للبرميل مقارنة بإغلاق الجمعة الماضية.
السحب من احتياطيات الطوارئ أسهم بالفعل في كبح بعض مكاسب عقود النفط الآجلة، بعدما كاد الخام الأميركي يلامس 120 دولاراً للبرميل لفترة وجيزة الأسبوع الماضي، وسط اضطراب الأسواق بسبب تعطل شحن النفط عبر مضيق هرمز، وهو ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه أكبر اضطراب في الإمدادات على الإطلاق.
قالت ريبيكا بابين، كبيرة متداولي عقود الطاقة لدى “سي آي بي سي برايفت ويلث غروب” (CIBC Private Wealth Group): “ما زالت سوق العقود (الآجلة) تميل إلى فكرة أن صناع السياسات لديهم أدوات لتخفيف حدة الصدمة، على الرغم من أن مؤشرات السوق المادية تظهر شحاً في الإمدادات”.
هذا الإفراج عن الاحتياطي هو الأبرز منذ أن سهلت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن عملية بيع قياسية بلغت 180 مليون برميل للمساعدة في خفض أسعار البنزين عقب غزو روسيا لأوكرانيا في 2022.
معاناة سوق النفط
كتب محللو “إنريجي أسبكتس” (Energy Aspects) في مذكرة: “الاختلاف الرئيسي هو أنه في تلك المرة لم يكن هناك تعطل فعلي في الإمدادات. هذا يجعل التداول بالتوازي مع هذا التدفق أكثر خطورة بكثير الآن، إذ أن ضغوط التحوط المرتبطة بالاحتياطي النفطي تتصادم مع سوق تعاني بالفعل من حالة عدم يقين حقيقية على جانب الإمدادات”.
أضاف المحللون أن انخفاض الفارق السعري بمقدار 3.50 دولار للبرميل بين عقود أبريل 2026 وديسمبر 2027 يمثل مؤشراً إضافياً على أن التجار يتهيأون لعملية الإفراج عن النفط.
لا تزال هناك تساؤلات عديدة حول الجوانب اللوجستية لعملية المقايضة. فمعظم الكميات ستكون من الخام عالي الكبريت، وهو نوع يمكن تكريره في أغلب المصافي الأميركية، ويستلزم إعادته إلى مواقع محددة قد تختلف أحياناً عن نقاط التسليم الأصلية. إضافةً إلى ذلك، تفرض القيود الشهرية على إعادة الكميات ومتطلبات المواقع مزيدًا من القيود على النفط المتاح، مما يجعل إعادة الكميات تتم تدريجيًا على مدى فترة زمنية، بدلًا من إعادتها دفعة واحدة.
ينطوي هذا الترتيب أيضاً على قدر من المخاطر، نظراً لارتباطه بسوق الخام عالي الكبريت الأقل سيولة، بحسب إيليا بوشويف، الشريك المدير في “بنتاثلون إنفستمنتس” (Pentathlon Investments) الذي يُدرس أيضاً في جامعة نيويورك. أوضح أن الحكومة تطلب فعلياً علاوة بنحو 20% -أي ما يعادل إعادة نحو 120 برميلاً مقابل كل 100 برميل مقترض- رغم أن منحنى خام غرب تكساس الوسيط يُظهر انحرافاً عكسياً بنحو 40%، وفق تقديراته.
أضاف بوشويف أن هذه الفجوة تترك مجالاً لتحقيق أرباح للمتداولين، لكنها تعكس أيضاً صعوبة التحوط في سوق الخام عالي الكبريت، حيث يكون الانحراف العكسي أقل وضوحاً، وتسعير العقود الآجلة أقل شفافية مقارنة مع خام غرب تكساس الوسيط.
تأثير التحوط
قد يؤدي احتمال ارتفاع الطلب في 2027، مع إعادة المقترضين النفط إلى الحكومة، إلى كبح عمليات التحوط القوية من جانب المنتجين، وهي ممارسة تُستخدم لتثبيت الأسعار المرتفعة للمبيعات المستقبلية، التي تحفزت بفعل وصول الأسعار إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات، بحسب مشاركين في السوق.
من المحتمل أن يحول آخرون تركيزهم إلى آجال أبعد. إذ تشير بيانات “إيجيس هيدجينغ سوليوشنز” (AEGIS Hedging Solutions)، التي تساعد نحو 350 منتجاً للنفط، إلى أن نحو 60% من عمليات التحوط في النفط منذ بداية الشهر وحتى 12 مارس تركزت على العام الحالي، مقارنة بنحو خُمس العمليات فقط على عام 2027، وفقاً لجاي ستيفنز، مدير تحليلات السوق في الشركة. ومع تجاوز متوسط أسعار عام 2027 لمستوى 70 دولاراً للبرميل للمرة الأولى منذ نحو 4 أعوام، تتوقع الشركة استمرار ارتفاع وتيرة التحوط.
اختتم ستيفنز: “ما زالت هناك تساؤلات كبيرة بشأن حجم النفط الذي سيتم الإفراج عنه فعلياً، وسرعة ذلك، وحجم الكميات التي سيتعين إعادتها في نهاية المطاف، وتوقيت ذلك. لكن بافتراض -على سبيل النقاش- أنه تم سحب 400 مليون برميل ثم تعويضها لاحقاً، فإن الأثر المحتمل على الطلب قد يكون كبيراً”.







