ذكرت وكالة (بلومبرج) الأمريكية اليوم الأربعاء أن حكومات العالم تتسابق لتأمين إمدادات المغذيات الزراعية الأساسية قبيل موسم الزراعة الربيعي، في ظل تعطل تدفقات السلع بسبب الحرب في الشرق الأوسط ما يعمّق المخاوف من اندلاع أزمة غذاء عالمية.
وأوضحت الوكالة الأمريكية – في تقرير لها – أن الأسمدة تجسد الترابط الوثيق بين أسواق الطاقة والغذاء، إذ تعتمد عملية إنتاجها على الغاز الطبيعي فيما تُعد عنصرًا حاسمًا لضمان إنتاج المحاصيل الأساسية مثل القمح والذرة والأرز؛ وتلعب منطقة الشرق الأوسط دورًا محوريًا في هذا القطاع بفضل احتياطياتها المعدنية وتوافر الغاز اللازم للتصنيع.
ومع الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، توقفت الشحنات إلى حد كبير، في وقت تتواصل فيه الضربات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل على البنية التحتية للطاقة، ما أدى إلى شلل في أحد أهم ممرات تجارة السلع عالميًا.
ودفع هذا الوضع أسعار اليوريا – الأكثر استخدامًا بين الأسمدة النيتروجينية – إلى الارتفاع الحاد مع تزايد المخاطر على إمدادات الفوسفات..ويتركز جزء كبير من المخزونات العالمية في منطقة الخليج ، ما زاد من حالة القلق في الاقتصادات الزراعية الكبرى.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة ، بدأت دول رئيسية اتخاذ إجراءات عاجلة ؛ إذ قلّصت الصين وروسيا صادرات بعض المغذيات الزراعية بينما خففت الولايات المتحدة قيود الشحن لتسهيل الإمدادات المحلية.
كما تسعى الهند، أكبر مستورد لليوريا عالميًا، إلى تأمين احتياجاتها عبر مناقصات جديدة، في حين عززت دول أوروبية مثل اليونان وفرنسا الدعم المالي للمزارعين، وأطلقت غانا برنامجًا مجانيًا لتوزيع الأسمدة.
وقال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي : “إن حكومته تقف إلى جانب المزارعين”.. مؤكدًا ضرورة عدم تحميلهم تبعات الأزمات العالمية.
وأشار التقرير إلى أن ارتفاع أسعار الأسمدة يهدد بدفع تكاليف الغذاء إلى الارتفاع مجددًا، في وقت كانت فيه الضغوط التضخمية على السلع الزراعية بدأت تتراجع بعد سنوات من الصدمات، من جائحة كورونا إلى العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا والظروف المناخية القاسية.
وكان قد حذّر محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي من عودة الضغوط السعرية، في ظل استمرار التحديات أمام صناع السياسة النقدية.
وفي المقابل .. تتصاعد المنافسة العالمية على الإمدادات المتاحة؛ إذ رفعت الولايات المتحدة بعض العقوبات عن الأسمدة الفنزويلية لتخفيف الضغط على المزارعين، بينما تسعى كولومبيا للوصول إلى الإمدادات نفسها وتدرس الاستحواذ على أصول إنتاجية رئيسية.
وكثفت البرازيل مشترياتها من المغرب ودول الخليج، وتعمل على مشاريع مشتركة في مجال الأسمدة والطاقة مع بوليفيا إلى جانب إقرار تخفيضات ضريبية لدعم مدخلات الإنتاج.
ويشير محللون إلى أن الأزمة الحالية قد تكون أكثر خطورة من تداعيات العملية العسكرية الروسية لأوكرانيا في 2022، نظرًا لحجم الإمدادات المعرضة للخطر، إذ تمثل المنطقة أكثر من ثلث صادرات اليوريا عالميًا ونحو ربع صادرات الأمونيا إضافة إلى نحو نصف تجارة الكبريت المستخدم في إنتاج الفوسفات.
وعلى عكس أزمة 2022، التي أُعيد خلالها توجيه الإمدادات الروسية، فإن إغلاق مضيق هرمز يشكل عائقًا ماديًا مباشرًا أمام حركة الشحن العالمية.
وتواجه الهند ضغوطًا خاصة، حيث تعتمد صناعة الأسمدة فيها بشكل كبير على الغاز، وقد اضطرت بعض المصانع إلى الإغلاق بسبب نقص الإمدادات، ما دفع الحكومة للبحث عن واردات من الصين واعتماد أنواع بديلة من الأسمدة.
وفي إفريقيا، تتزايد المخاوف مع تأخر الإمدادات، خاصة في الدول التي تعتمد على الاستيراد، فيما أعربت دول غرب إفريقيا عن قلقها بشأن حماية محاصيل التصدير مثل الكاكاو والقطن.
وإذا استمر النزاع حتى منتصف العام الجاري، فقد تتعرض هوامش أرباح المزارعين لضغوط حادة في دول كبرى مثل الولايات المتحدة والبرازيل والهند ، ما يزيد من احتمالات انتقال الأزمة إلى أسعار الغذاء عالميًا.
وفي حين قد تتمكن الدول الغنية من دعم مزارعيها عبر الحوافز والإعانات، تواجه الدول الفقيرة قيودًا مالية تحدّ من قدرتها على التدخل، ما يفاقم مخاطر انعدام الأمن الغذائي، خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء وأجزاء من جنوب آسيا.
وكانت الأمم المتحدة قد حذّرت بالفعل من احتمال تسجيل مستويات قياسية للجوع هذا العام، مع تزايد خطر تعرض عشرات الملايين لانعدام الأمن الغذائي إذا استمر النزاع.
ويرى خبراء أن استمرار الأزمة لفترة أطول قد يؤدي إلى تداعيات “كارثية”، في ظل اعتماد العالم على استقرار مواسم الزراعة وتدفق الإمدادات لضمان الأمن الغذائي العالمي.








