تُقيّد الاستثمارات الصينية الضخمة في دول الخليج دعم الرئيس شي جين بينغ لإيران، رغم بقاء الصين أحد أبرز الحلفاء الدبلوماسيين للجمهورية الإسلامية.
عززت الصين استثماراتها في الشرق الأوسط في أعقاب الجائحة. وسعت الشركات المتضررة من تباطؤ ثاني أكبر اقتصاد في العالم إلى الاستفادة من الفرص، في وقت دفعت فيه دول الخليج نحو تنويع اقتصاداتها بعيداً عن الوقود الأحفوري إلى التكنولوجيا الخضراء والسياحة؛ وهي قطاعات تتوافق بشكل وثيق مع نقاط قوة بكين. ومع تعثر دول نامية مثل زامبيا وسريلانكا في سداد ديونها، بدت الدول المدعومة باحتياطيات نفطية خياراً أكثر جاذبية.
أدى ذلك إلى نمو الاستثمارات ومشاريع البناء الصينية في الشرق الأوسط بأسرع وتيرة عالمياً خلال السنوات الأخيرة، ما جعل المنطقة من أبرز المستفيدين من مبادرة “الحزام والطريق”. كما باتت الصين تتفوق على الولايات المتحدة كممول في المنطقة، إذ قدمت نحو 2.34 دولار مقابل كل دولار قدمته واشنطن بين عامي 2014 و2023، وفق بيانات “إيد داتا”.
الآن، تهدد حرب متصاعدة أودت بحياة الآلاف وأربكت الأسواق العالمية الاستقرار الذي اعتمدت عليه الصين لتوسيع حضورها الاقتصادي. وبينما نسب دونالد ترامب إلى مسؤولين صينيين دوراً في إقناع إيران بالموافقة على هدنة لمدة أسبوعين، لا تزال هناك تساؤلات أوسع حول استدامة السلام في منطقة راكمت فيها الصين استثمارات ومشاريع بناء بقيمة نحو 270 مليار دولار خلال العقدين الماضيين، وفقاً لـ”متعقب الاستثمارات العالمية الصينية” التابع لمعهد “أميركان إنتربرايز”.
مخاطر متصاعدة تدفع الصين لموازنة مصالحها
قال جورج تشن، الشريك المسؤول عن وحدة شؤون الصين الكبرى في “ذي آسيا غروب”: “رهان الصين في الخليج مرتفع. هناك مخاطر على الأفراد، ومخاطر على الاستثمارات، ومخاطر على موارد الطاقة”. وأضاف أن بكين تحتاج الآن إلى “مساعدة إيران على خفض التصعيد، وفي الوقت نفسه طمأنة دول الخليج بأنها ستواصل التعاون معها”.
وأضاف أن ذلك قد يشكل على المدى الطويل “فرصة للصين لمضاعفة استثماراتها في الخليج نظراً لانخفاض تقييم الكثير من الأصول”.
هذا الأسبوع، عرض مندوب الصين لدى الأمم المتحدة فو تسونغ، في منشور على منصة “إكس”، رغبة بلاده في التقريب بين وجهتي النظر لكلا الطرفين في حرب تقسم المنطقة بشكل حاد. وأشار في منشوره إلى أن الضربات الأميركية والإسرائيلية تمثل “انتهاكاً واضحاً” للأعراف الدولية، داعياً إلى حماية “طرق الشحن والبنية التحتية للطاقة”، في انتقاد ضمني لطهران.
أصبحت المشاريع الصينية بالفعل في مرمى النيران؛ إذ تعرضت ثلاثة أصول للبنية التحتية ممولة من الصين في دبي وقطر وعُمان لهجمات إيرانية، فيما يقع 12 مشروعاً آخر في مناطق عالية المخاطر، ما يهدد التزامات تمويلية تُقدّر بنحو 4.66 مليار دولار، وفق تقديرات “إيد داتا”، وهو مختبر أبحاث في جامعة ويليام وماري الأميركية.
على الرغم من عدم تسجيل إصابات بين العمال الصينيين خارج إيران، يعمل آلاف منهم في منطقة حرب. وقبل اندلاع الصراع، كان نحو 370 ألف مواطن صيني يقيمون في الإمارات وحدها، وفق وكالة “شينخوا”. وتم إجلاء أكثر من 10 آلاف شخص من الشرق الأوسط، لكن كثيرين ممن أنفقوا أموالاً للانتقال قرروا البقاء.
جيمس وانغ، البالغ من العمر 40 عاماً، من بينهم. وصل إلى الإمارات الصيف الماضي، تاركاً وراءه ابناً يبلغ 11 عاماً. يعمل في موقع بناء، حيث يدير نحو 40 شخصاً، ويتقاضى حوالي 15 ألف يوان (2193 دولاراً) شهرياً -أي أكثر من ضعف ما كان سيحصل عليه في الصين؛ حيث أدى انهيار سوق العقارات إلى إضعاف الأجور. وفي مرحلة ما، كانت تنبيهات الغارات الجوية تصل إلى هاتفه تقريباً كل ساعة، ومع ذلك يقول إنه لا يعتزم المغادرة.
وقال لـ”بلومبرج نيوز”: “تشهد هذه المنطقة طفرة ضخمة في البنية التحتية تشبه إلى حد كبير ما كانت عليه الصين قبل عشر سنوات. لا تزال هناك بالتأكيد فرص هنا. المسألة فقط ما إذا كنت سأتمكن من اللحاق بهذه الموجة قبل أن تنتهي”.
لحظة إنجاز
في عام 2023، برزت علاقات بكين مع طهران وروابطها التجارية مع دول الخليج إلى الواجهة، عندما توسطت الصين في تقارب بين السعودية وإيران، وهو إنجاز اعتُبر على نطاق واسع آنذاك دليلاً على تنامي نفوذ شي في المنطقة.
لكن منذ ذلك الحين، آثرت الصين الابتعاد عن الواجهة إلى حد كبير مع تجدد الصراع في الشرق الأوسط. فقد كشفت هجمات حماس في أكتوبر 2023، والتصعيد الذي تلاها حدود نفوذها؛ إذ اكتفت بكين بالدعوة إلى ضبط النفس وخفض التصعيد، مفضلة التركيز على ازدهار أعمالها.
رحبت السعودية، أكبر اقتصاد في المنطقة، بهذا الانخراط. فهي الآن أكبر متلقٍّ لنشاط البناء الصيني على مستوى العالم، خصوصاً في مجال الطاقة النظيفة، حيث تبني الشركات الصينية محطات طاقة شمسية وتوربينات رياح، وفقاً لديريك سيسرز، الباحث في معهد “أميركان إنتربرايز”. وقال: “المنطقة تقدّر الخبرة التقنية الصينية. الشركات الصينية قادرة على تنفيذ ما هو مطلوب”.
وفي الإمارات، تطور الشركات الصينية أكبر نظام لتخزين الطاقة بالبطاريات في العالم، بينما تبني في السعودية محطات للطاقة الشمسية ومراكز بيانات. كما كانت الإمارات ثالث أكبر سوق عالمية للسيارات الصينية العام الماضي.
لكن الحرب تهدد بتعقيد هذه العلاقات، وفقاً لشي غانغ تشنغ، الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية بجامعة تسينغهوا. وقال: لم يعد الخليج ذلك النوع من ‘منجم الذهب’ السهل الذي بدا عليه بالنسبة للصين سابقاً. ما تأثر لا يقتصر على الجانب المادي بل يمتد إلى النظرة العامة.
المشاريع مستمرة رغم المخاطر
ورغم المخاطر، تواصل العديد من مشاريع البناء في دول مثل إسرائيل والإمارات والسعودية أعمالها. ففي 7 مارس، وبعد ساعات من هجوم بطائرة مسيّرة قرب مطار دبي الدولي، وبعد أقل من ساعة من اعتراض موجة أخرى من الصواريخ، كتب عامل صيني على منصة “دوين”: “موقع البناء لا يزال يعمل بكامل طاقته”.
ينشر عمال صينيون مقاطع فيديو أثناء الاحتماء في ملاجئ القنابل ولقطات لتنبيهات ليلية عن هجمات وشيكة. ورغم المخاطر، قال عامل صيني في إسرائيل لديه أكثر من 40 ألف متابع إنه لا أحد من زملائه قبل عروض الإجلاء التي قدمتها السفارة الصينية. ونقل عن أحدهم قوله: “راتب سنة كاملة في الصين لا يساوي ما أكسبه هنا في شهر واحد”.
ومع تغير الوضع في الشرق الأوسط، قد تظهر فرص طويلة الأجل للصين. فقد أضعفت الضربات الإيرانية ضد حلفاء الولايات المتحدة مصداقية واشنطن، ما يمنح بكين فرصة للعب دور اقتصادي أكبر بعد انتهاء الصراع. وتشير تقارير إلى أن إيران بدأت بالفعل في تلقي بعض المدفوعات مقابل المرور عبر مضيق هرمز باليوان، ما يدعم العملة الصينية.
عندما تهدأ الأوضاع، يتوقع خبراء أن تظل الصين قوة اقتصادية رئيسية في المنطقة، لكن مع مخاطر واعتبارات أمنية لم تكن محسوبة سابقاً.
قال ويليام فيغيروا، الأستاذ المساعد في جامعة غرونينغن: “لا أتوقع أن نشهد أي تقليص كبير لاستثماراتها في المنطقة. تنظر بكين إلى الصراع الحالي كإعصار: شيء لا تملك قدرة كبيرة على التأثير فيه أو إيقافه، لذا فهي تركز ببساطة على تجاوزه ثم إعادة البناء بعد انتهائه”.








