كشف تقرير حديث صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، أن مصر نجحت خلال السنوات الماضية في جذب استثمارات أجنبية مباشرة في عدد من القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الطاقة المتجددة والبنية التحتية والصناعة، لكن تعظيم العوائد الاقتصادية لهذه الاستثمارات يتطلب تعزيز ارتباط الشركات الأجنبية بالاقتصاد المحلي ورفع إنتاجية الشركات المصرية.
أكد التقرير، أن مصر أصبحت واحدة من أبرز الوجهات العالمية للاستثمار في قطاع الطاقة المتجددة خلال العام الماضي، إذ استحوذت على 10.6% من إجمالي الاستثمارات العالمية الجديدة في الطاقة المتجددة خلال السنوات الأخيرة. وبذلك جاءت مصر في المركز الثاني عالمياً بعد المملكة المتحدة التي استحوذت على نحو 13.9% من هذه الاستثمارات.
وأشار إلى أن مصر تمكنت أيضاً من جذب 9.9% من الاستثمارات العالمية في تصنيع معدات الطاقة المتجددة خلال الفترة بين 2019 و2023، ما يضعها ضمن عدد محدود من الدول المرشحة للعب دور أكبر في سلاسل الإمداد العالمية المرتبطة بالطاقة النظيفة.
أضاف التقرير، أن الاستثمارات الأجنبية في مصر تأتي بشكل رئيسي من آسيا وأوروبا ودولة الإمارات العربية المتحدة، لكنها تتمركز جغرافياً في عدد محدود من المحافظات.
وأوضح أن 7 محافظات فقط تستحوذ على نحو 90% من مشروعات الاستثمار الأجنبي الجديدة، كما تستحوذ على 80% من الوظائف التي تولدها هذه الاستثمارات.
ووفق التقرير، فإن هذا التركز الجغرافي قد يؤدي إلى تعميق الفجوات التنموية بين المناطق المختلفة، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتنقل وفرص العمل في المناطق البعيدة عن مراكز الاستثمار.
وأشار إلى أن أحد التحديات الرئيسة يتمثل في ضعف الروابط الإنتاجية بين الشركات الأجنبية والشركات المحلية، موضحا أن العديد من الاستثمارات الأجنبية تعمل داخل مناطق اقتصادية أو صناعية منفصلة نسبياً عن الاقتصاد المحلي، وهو ما يحد من انتقال المعرفة والتكنولوجيا إلى الشركات المصرية.
أكد التقرير، أن تعزيز هذه الروابط يمكن أن يسهم في زيادة الإنتاجية ونقل التكنولوجيا وتطوير سلاسل القيمة المحلية، كما أن مشاركة الشركات المصرية الصغيرة والمتوسطة في سلاسل التوريد الخاصة بالشركات متعددة الجنسيات لا تزال محدودة.
ويتركز جزء كبير من الاستثمارات الأجنبية في مصر، في قطاعات منخفضة نسبياً في كثافة المهارات مثل الطاقة، والبناء، والنفط والغاز، مشيرا إلى أن بعض القطاعات الصناعية مثل المنسوجات والمعادن تجذب أيضاً استثمارات أجنبية، لكنها تعتمد بدرجة كبيرة على العمالة منخفضة المهارات.
في المقابل، يمثل قطاع الصناعات الكيميائية أحد الاستثناءات، إذ يجمع بين حجم كبير من الاستثمار الأجنبي ومستوى أعلى من المهارات المطلوبة في سوق العمل.
وتوفر الشركات الأجنبية في مصر، برامج تدريب رسمي للعاملين بمعدلات أعلى بكثير مقارنة بالشركات المحلية.
ويعكس هذا التفاوت، قدرة الشركات متعددة الجنسيات على نقل المهارات والتكنولوجيا إلى القوى العاملة المحلية، لكن الاستفادة من هذه المهارات لا تنتشر بشكل كافٍ في الاقتصاد المحلي.
وأشار التقرير إلى أن الحكومة نفذت خلال السنوات الماضية إصلاحات تشريعية وتنظيمية لتحسين مناخ الاستثمار، أبرزها قانون الاستثمار لعام 2017، والذي أزال معظم القيود المفروضة على الملكية الأجنبية وقدم حوافز ضريبية وغير ضريبية للمستثمرين، خاصة في المناطق الأقل نمواً.
أضاف أن الاقتصاد المصري سجل نمواً قوياً نسبياً خلال العقود الأخيرة، إذ بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي نحو 4.3% سنوياً بين عامي 2000 و2023، وهو معدل يفوق متوسط النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا البالغ نحو 3.3%.
لكن نمو دخل الفرد لم يواكب الزيادة السكانية، إذ تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بمتوسط المنطقة، من 45.2% إلى نحو 41% خلال الفترة نفسها.
ولفت التقرير، إلى أن تحسين إنتاجية العمالة يمثل تحدياً رئيسياً للاقتصاد المصري، خاصة في ظل النمو السكاني السريع الذي بلغ نحو 2.1% سنوياً بين 2013 و2023، وهو ما يزيد الضغوط على سوق العمل والاقتصاد.
أشار التقرير إلى أن تأثير الاستثمار الأجنبي على تمكين المرأة في سوق العمل لا يزال محدوداً، موضحا أن معظم الاستثمارات الأجنبية تتجه إلى قطاعات يهيمن عليها الرجال مثل النفط والتصنيع وتكنولوجيا المعلومات، وهي قطاعات تشهد معدلات مشاركة منخفضة للنساء.
كما لفت إلى أن القيود الاجتماعية والاقتصادية، مثل صعوبة التنقل وتكاليف السكن والعمل في المدن الكبرى، قد تقلل من قدرة النساء على الاستفادة من فرص العمل التي توفرها الشركات الأجنبية.
أوصى التقرير بضرورة الانتهاء من إعداد وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للاستثمار الأجنبي المباشر للفترة 2025-2030، على أن تكون مدعومة بآليات واضحة للمتابعة والتقييم لضمان تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية.
كما أوصى التقرير بإطلاق برامج لدعم الروابط بين الشركات الأجنبية والموردين المحليين، مثل برامج تطوير الموردين، وتوافر قواعد بيانات للشركات الصغيرة والمتوسطة.
وخلص التقرير إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر يمكن أن يلعب دوراً محورياً في دعم التحول الاقتصادي في مصر، خاصة إذا تم توجيهه نحو القطاعات المعرفية والتصديرية وربطه بشكل أكبر بالشركات المحلية.
وأشار إلى أن تعزيز قدرات الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير المهارات البشرية يمثل عناصر أساسية لتعظيم العوائد الاقتصادية للاستثمار الأجنبي وتحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولاً واستدامة.








