بدأت شركات الطيران حول العالم في رفع أسعار الأمتعة والمقاعد، وخفض توقعات الأرباح، والتحدث علناً عن سبل التعاون مع المنافسين، في ظل اشتداد الضغوط الناجمة عن ارتفاع تكاليف الوقود المرتبطة بالحرب.
وخلال الأيام القليلة الماضية فقط، وصف أندرو نوسيلا، الرئيس التنفيذي التجاري في شركة “يونايتد إيرلاينز هولدينجز” (United Airlines Holdings Inc)، القطاع بأنه يمر بـ”مرحلة غير مسبوقة”، فيما بددت شركة “ألاسكا إير جروب” (Alaska Air Group Inc) أي آمال لدى المستهلكين في انخفاض أسعار التذاكر قريباً.
وعلى الجانب الأكثر تفاؤلاً، قال تيم كلارك، رئيس شركة “طيران الإمارات”، إن معظم الناس يتجاوزون الأزمات سريعاً، وإن الأوضاع ستعود إلى طبيعتها قريباً.
وسواء غلبت النظرة المتفائلة أو المتشائمة، فإن المؤكد أن الأسبوع الماضي سلط الضوء بشكل حاد على التحديات العديدة التي تواجه قطاع الطيران، ما يدفع التنفيذيين لاتخاذ قرارات مؤثرة لتحقيق الاستقرار في عملياتهم.
آفاق غامضة بعد رهانات على تحقيق الطيران أرباحاً قياسية
وتزداد الأمور تعقيداً مع تدخل الرئيس الأمريكي بتغيير موازين المنافسة علناً، عبر الترويج لخطة إنقاذ محتملة بقيمة 500 مليون دولار لشركة “سبيريت أفييشن هولدينجز” (Spirit Aviation Holdings Inc) المتعثرة، في الوقت الذي ينتقد فيه صفقات محتملة أخرى، بما في ذلك اندماج جرى بحثه بين “يونايتد” و”أمريكان إيرلاينز جروب” (American Airlines Group Inc). ولا يقل أهمية عن ذلك حالة عدم اليقين الناتجة عن تصريحات دونالد ترامب المتقلبة بشأن الحرب مع إيران.
وفي المجمل، يتجه القطاع نحو أشهر من عدم الاستقرار في وقت كان يُفترض أن يشهد طلباً قوياً، مع توقعات أولية بتحقيق أرباح قياسية تبلغ 41 مليار دولار ونقل 5.2 مليار مسافر.
وكانت شركات الطيران قد استثمرت بكثافة في تطوير منتجاتها، من تحديث المقصورات إلى صالات الانتظار وخدمات الاتصال على متن الطائرات، مع رهانها على استمرار الإنفاق على تجربة السفر الفاخر.
لكن الحماسة التي دفعت القطاع خلال الأشهر الأولى من العام تراجعت الآن لتحل محلها حالة من فقدان الوضوح بشأن الاتجاه المستقبلي.
“أمريكان إيرلاينز” تواجه تكاليف إضافية بـ4 مليارات دولار
قال بوب جوردان، الرئيس التنفيذي لشركة “ساوث ويست إيرلاينز” (Southwest Airlines Co): “لا يمكن معرفة جميع الطرق التي قد يتأثر بها القطاع بثقة”، مشيراً إلى “حالة عدم يقين اقتصادية وجيوسياسية كبيرة”. وأضاف: “لا يمكنني التنبؤ بدقة بمسار أسعار الوقود، وبالتالي لا يمكن التنبؤ بدقة بأسعار التذاكر”.
في المستقبل القريب، تتجه الأسعار للارتفاع. إذ يُعوّل على المستهلكين لاستيعاب مليارات الدولارات الإضافية من تكاليف وقود الطائرات، ما يدفع الشركات لفرض رسوم إضافية ورفع تكاليف الأمتعة واختيار المقاعد.
وقال ويليام ماكغي، زميل أول في شؤون الطيران والسفر لدى مشروع “أمريكان إيكونوميك ليبرتيز”: “شركات الطيران لا تدع أي أزمة تمر دون استغلالها”.
وأفادت “أمريكان إيرلاينز” بأنها تواجه تكاليف إضافية مرتبطة بالوقود تصل إلى 4 مليارات دولار حتى نهاية العام، وستسعى إلى تمرير أكبر قدر ممكن منها إلى المستهلكين.
وقال سكوت كيربي، الرئيس التنفيذي لـ”يونايتد”، إن أسعار التذاكر ارتفعت بالفعل بنحو 15% إلى 20%، ومن غير المرجح أن تعود بالكامل إلى مستوياتها السابقة حتى بعد تراجع حدة الحرب.
وأضاف: “كلما طال أمد الأزمة، زادت احتمالية استمرار ارتفاع الأسعار”.
إلغاء الخطوط احتمال قائم بعد ذروة السفر الصيفي
ومع انتهاء ذروة السفر الصيفي، من المرجح أن تعيد الشركات النظر بجدية في الطاقة التشغيلية، وتلغي المزيد من المسارات التي أصبحت غير مربحة.
وقالت “يونايتد”، ومقرها في شيكاغو، إنها تتوقع تعويض ما يصل إلى 100% من تكاليف الوقود المرتفعة بحلول نهاية العام عبر رفع الأسعار. من جهته، قال إد باستيان، الرئيس التنفيذي لشركة “دلتا إيرلاينز” (Delta Air Lines Inc)، خلال مؤتمر الإعلان عن الأرباح إن الشركة ستدرس مدى قدرتها على “الاحتفاظ بقوة التسعير” حتى بعد تراجع تكاليف الوقود.
ويكمن الجانب الإيجابي الوحيد حالياً في استمرار قوة الحجوزات مع اقتراب ذروة موسم السفر الصيفي، رغم ظهور مؤشرات ضعف.
وقالت “يونايتد” إن الطلب لا يزال مرناً حالياً، لكنه قد لا يستمر مع ارتفاع الأسعار. شركات الطيران تخفض توقعات الأرباح وكما فعلت “أمريكان إيرلاينز” بعد أيام، خفضت “دلتا” توقعاتها للأرباح السنوية.
وقال روبرت إيسوم، الرئيس التنفيذي لـ”أمريكان”، إن الطلب لا يزال قوياً حالياً، ويتوقع نمواً في خانة العشرات في الإيرادات خلال الربع الجاري، رغم تقليص بعض الرحلات الأقل ربحية. ومع ذلك، خفضت الشركة توقعاتها السنوية، وأشارت إلى احتمال تسجيل خسارة بنهاية العام.
ويأتي هذا التحول في وقت تسعى فيه “أمريكان” و”ألاسكا إير” إلى إبرام اتفاقيات لتقاسم الإيرادات وشراكات استراتيجية أخرى، بحسب ما أفادت به “بلومبرج”.
كما كانت “أميركان” محور تكهنات بشأن اندماج محتمل مع “يونايتد”، حيث طرح كيربي الفكرة خلال اجتماع مع ترمب في فبراير، وفقاً لأشخاص مطلعين. غير أن “أميركان” والرئيس المعروف بدعمه للأعمال رفضا الفكرة، معتبرين أنها ستقلص المنافسة. وبعد أيام، فاجأ ترمب القطاع مجدداً بقوله إنه يدرس شراء الحكومة لشركة “سبيريت” بدلاً من تركها للإفلاس.
وقال آرت ويتون، مدير دراسات العمل في كلية العلاقات الصناعية والعمالية بجامعة كورنيل: “الإدارة الحالية لا تسهل التخطيط طويل الأجل، ما يجبر الرؤساء التنفيذيين لشركات الطيران على اتخاذ قرارات سريعة”.
ويشمل ذلك الإدارات التنفيذية العليا حول العالم، حيث ظهرت مؤشرات على قيام دول آسيوية بتخزين وقود الطائرات، فيما حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن أوروبا قد تستنزف إمداداتها خلال أسابيع.
“لوفتهانزا” تخفض النشاط وطيران الإمارات تتوقع عودة سريعة
وتقوم شركة “دويتشه لوفتهانزا” (Deutsche Lufthansa AG)، أكبر مجموعة طيران في أوروبا، بخفض نحو 20 ألف رحلة من جدولها الصيفي، واعتماد نماذج تسعير مشابهة لشركات الطيران منخفض التكلفة عبر بيع تذاكر دون أمتعة.
وكما في كل أزمة، هناك دائماً من يدعو إلى التهدئة. ففي قطاع الطيران، يلعب هذا الدور تيم كلارك من “طيران الإمارات”، التي تضررت بشدة من الصراع.
وتعمل أكبر شركة طيران في العالم حالياً بنحو 65% فقط من طاقتها، بعد تقليص شبه كامل للرحلات نتيجة عزوف المسافرين عن منطقة الخليج. لكن كلارك يرى أنه بمجرد إعادة فتح مضيق هرمز، لن يستغرق تعافي الأعمال سوى شهر إلى شهرين.
وقال كلارك خلال مؤتمر في برلين: “الناس ذاكرتهم قصيرة”، مضيفاً أنه بمجرد توقف القتال وعودة قدر من الاستقرار، “ستعود الأمور إلى طبيعتها”.








