أكد حسن جبري، رئيس شعبة صناعة الأسمنت باتحاد الصناعات المصرية، أن الصناعة تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة تداعيات الحرب، واصفًا الوضع بأنه «مأساة لوجستية» تؤثر على سلاسل الإمداد وتكلفة الإنتاج.
وأوضح جبري، خلال حلوله ضيفا على الكاتب الصحفي، حسين عبدربه رئيس مجلس الإدارة ورئيس تحرير جريدة «البورصة»، فى حلقات بودكاست البورصة عن «اقتصاد الحرب»، أن ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة تكلفة السولار بنحو 17%، إلى جانب تقلبات سعر الصرف، كانت من أبرز العوامل الضاغطة.
ولفت إلى أن تراجع الطلب في مارس، بنحو 20%، أسهم في امتصاص جزء من هذه الزيادات، ما حال دون انعكاسها الكامل على الأسعار.
كما حذر جبري، من تداعيات استمرار الحرب على إمدادات الفحم، الذي يمثل نحو 70% من تكلفة الإنتاج، موضحًا أن الاعتماد على الاستيراد والنقل البحري يربط وفرة الفحم باضطرابات الشحن وارتفاع تكلفة التأمين، في وقت تمتلك فيه الشركات مخزونًا يتراوح بين شهرين و4 أشهر فقط، ما قد يضغط على الإنتاج ويدفع الأسعار للارتفاع مع عودة الطلب، خاصة في ظل عدم وضوح القدرة على تأمين الإمدادات مستقبلًا.
.. وإلى نص الحوار
عبدربه: كيف يصف حسن جبري تأثير الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل؟
جبري: الحرب مثلت حدثًا عالميًا مؤثرًا امتدت تداعياته لفترة طويلة، وهي “مأساة لوجستية” على جميع المستويات.
والتأثيرات على مصر ليست ميدانية مباشرة، لكنها اقتصادية غير مباشرة، نتيجة تسارع الأحداث منذ نهاية فبراير، إذ بدأت العمليات بشكل مفاجئ نسبيًا واستمرت أسابيع خلافًا للتوقعات الأولية التي رجّحت انتهاءها خلال أيام.
عبدربه: ما أبرز تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي؟
جبري: التطورات العسكرية أدت إلى اضطرابات حادة في إمدادات الطاقة عالميًا، إلى جانب تأثير مباشر على حركة النقل البحري، خاصة عبر مضيق هرمز، مع ارتفاع كبير في تكلفة التأمين في البحر الأحمر والبحر المتوسط، وهو ما انعكس في النهاية على زيادة التكاليف.
وهذه العوامل، إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة تكلفة السولار في مصر بنحو 17%، فضلًا عن تقلبات سعر الصرف، شكلت ضغوطًا اقتصادية مباشرة على قطاع الأسمنت وغيره من القطاعات الصناعية.
عبدربه: كيف أثر انخفاض الطلب على السوق؟
جبري: انخفاض الطلب خلال الفترة الماضية لعب دورًا مهمًا في امتصاص آثار الحرب، خصوصا خلال النصف الثاني من شهر رمضان الذي يشهد بطبيعته هدوءًا في السوق، ثم فترة الأعياد، إضافة إلى موجة من سوء الأحوال الجوية.
عبدربه: ما حجم تراجع الطلب ؟
جبري: الطلب في مارس 2026 وهو شهر الحرب، تراجع بنحو 20% مقارنة بشهر فبراير، وهو انخفاض طبيعي في هذا التوقيت، لكنه حال دون ظهور التأثير الحقيقي لزيادة التكاليف في السوق.
عبدربه: ماذا لو لم ينخفض الطلب؟
جبري: في حال تزامن ارتفاع التكاليف مع طلب طبيعي، لكانت الأزمة ظهرت بشكل أكثر حدة ووضوحًا في الأسعار.
عبدربه: ما المخاطر المستقبلية لاستمرار الحرب؟
جبري: استمرار الحرب لفترة أطول سيؤدي إلى أزمة حقيقية في إمدادات الفحم، مع العلم أن صناعة الأسمنت تعتمد عليه بشكل أساسي، إذ يمثل نحو 70% من تكلفة إنتاج الطن، والفحم مستورد ويتم نقله عبر السفن، ما يجعله مرتبطًا بشكل مباشر بظروف النقل البحري وتكلفة التأمين.
عبدربه: ما حجم المخزون الحالي من الفحم؟
جبري: الشركات تحتفظ حاليًا بمخزون يغطي التشغيل بين شهرين وأربعة أشهر في أفضل الأحوال. ومع استمرار الأزمة سيبدأ هذا المخزون في التراجع، ما قد يؤدي إلى صعوبة في الإنتاج.
وحال انخفاض معروض الفحم، ومع عودة الطلب لمستويات متوسطة، قد تضطر الشركات إلى رفع الأسعار، ليس فقط بسبب التكلفة الحالية، ولكن بسبب عدم وضوح القدرة على تأمين الإمدادات مستقبلًا.
عبدربه: ماذا عن وضع صادرات الأسمنت حاليًا؟
جبري: تعتمد صناعة الأسمنت بشكل شبه كامل على النقل البحري، إذ يتم شحن كميات كبيرة تتراوح بين 50 و70 ألف طن في الشحنة الواحدة.
وبالنسبة للأداء خلال الربع الأول من العام الحالي، فتظهر الأرقام تراجع حجم صادرات الأسمنت إلى 1.9 مليون طن مقابل 2.6 مليون طن خلال الفترة نفسها من العام الماضي، كما انخفضت صادرات الكلينكر إلى 1.3 مليون طن مقارنة بنحو 2 مليون طن في الفترة نفسها من العام السابق.
وعلى مستوى السوق المحلي، سجلت المبيعات 13.35 مليون طن خلال الربع الأول 2026، مقابل 21.71 مليون طن في الفترة نفسها من العام الماضي. فيما بلغ إجمالي إنتاج الأسمنت 15.4 مليون طن خلال الربع الأول 2026، مقارنة بـ15.7 مليون طن، وارتفع إنتاج الكلينكر إلى 15.6 مليون طن مقابل 14.9 مليون طن.
عبدربه: كيف أثرت التكلفة على التصدير؟
جبري: بلا شك، فإن ارتفاع تكلفة التأمين وقلة توافر السفن، أديا في بعض الحالات إلى فقدان الجدوى الاقتصادية للتصدير، إذ أصبحت تكلفة النقل توازي أو تتجاوز سعر المنتج نفسه.
عبدربه: ما الأسواق الأكثر تأثرًا؟
جبري: الأسواق الأفريقية هي الأكثر تأثرا، خاصة غرب أفريقيا، والتي تُعد من أهم الأسواق لمصر، إذ تأثرت بشكل كبير، بينما استمر التصدير البري بشكل محدود إلى ليبيا والسودان.
حسين عبدربه يحاور حسن جبري في بودكاست البورصة
عبدربه: ما حجم صادرات مصر من الأسمنت والكلينكر؟
جبري: مصر صدرت نحو 20 مليون طن من الأسمنت والكلينكر خلال عامي 2024 و2025، لكن مؤشرات 2026، خاصة خلال مارس، تظهر تراجعًا واضحًا، إذ تأثر التصدير بشكل شبه كامل .
عبدربه: ما طبيعة تخزين الأسمنت والكلينكر؟
جبري: الأسمنت لا يُخزن لفترات طويلة، إذ يحتاج إلى إعادة اختبار كل 6 أسابيع، بينما يمكن تخزين “الكلينكر” لفترات طويلة.
عبدربه: كيف تتم عملية الإنتاج والتصدير؟
جبري: المصانع تنتج الكلينكر أولًا، ثم تقوم بطحنه لإنتاج الأسمنت عند وجود طلب، أو يتم تصديره كمنتج وسيط، خاصة إلى الدول الأفريقية التي تمتلك طاقات طحن ولا تمتلك أفران إنتاج.
عبدربه: ما وضع السوق المحلي؟
جبري: السوق المحلي لايزال يشهد نموًا، مدفوعًا بالزيادة السكانية، والمشروعات القومية، والتوسع العمراني، إلى جانب مشروعات الطرق والكباري والعاصمة الإدارية.. وبالطبع تأثر بتحويلات المصريين العاملين بالخارج.
عبدربه: ما دور هذه التحويلات؟
جبري: تحويلات المصريين بالخارج تلعب دورًا مهمًا في دعم قطاع البناء، إذ يتم توجيه جزء كبير منها إلى إنشاء العقارات، ما يعزز الطلب على الأسمنت.
عبدربه: ما توقعات نمو الاستهلاك في 2026؟
جبري: استهلاك مصر من الأسمنت شهد نموًا، مع توقعات بزيادة تتراوح بين 5% و8% خلال 2026، وهو معدل إيجابي قادر على استيعاب الطاقات الإنتاجية الجديدة، سواء من الرخص الجديدة أو توسعات المصانع القائمة.
عبدربه: هل الاتجاه للوقود البديل جديد؟
جبري: لا.. الاتجاه نحو الوقود البديل لم يكن نتيجة حرب إيران فقط، بل بدأ منذ سنوات في إطار التوجه العالمي نحو الاستدامة، لكنه أصبح الآن ضرورة ملحة.
والوقود البديل يعتمد على المخلفات بأنواعها، مثل البلاستيك والورق والمخلفات الزراعية والصناعية، إذ يتم جمعها وإعادة تدويرها واستخدامها كوقود داخل المصانع.
عبد ربه: ما مدى اعتماد الشركات عليه؟
جبري: بعض الشركات في مصر وصلت إلى استخدام أكثر من 50% من احتياجاتها من الوقود البديل، فيما اتجه نحو 60% من الشركات إلى هذا الحل بدرجات متفاوتة، وبالطبع زيادة الاعتماد على الوقود البديل تقلل الحاجة لاستيراد الفحم، وتخفف الضغط على الدولار، وتعزز الاستدامة البيئية.
عبدربه: كيف أثرت حالة عدم اليقين على المستثمرين؟
جبري: حالة عدم اليقين الناتجة عن الحرب دفعت العديد من المستثمرين إلى إعادة حساباتهم، حيث يفضل البعض التريث قبل تنفيذ المشروعات، أو تعديل حجمها لتناسب الظروف الحالية.
وأي اضطراب اقتصادي يدفع المستثمرين إلى تأجيل قرارات البناء أو تقليل حجم المشروعات، وهو ما يؤثر بشكل غير مباشر على الطلب.
عبدربه: هل هناك تنسيق مع الحكومة؟
جبري: بالتأكيد يوجد تواصل مستمر بين الشركات والجهات الحكومية، مثل وزارة الاستثمار وهيئة التنمية الصناعية، من خلال جمع بيانات حول المخزون والتحديات، للمساعدة في وضع تصور للفترة المقبلة، والحل الجذري الوحيد هو انتهاء الحرب.
لكن حتى حال توقف الحرب فورًا، فإن عودة الأوضاع إلى طبيعتها ستستغرق ما بين 3 و6 أشهر، والأزمة الحالية تمثل تحديًا كبيرًا، لكنها في الوقت نفسه تفرض على الصناعة التكيف، والاعتماد بشكل أكبر على الموارد المحلية، وتبني استراتيجيات أكثر استدامة في المستقبل.





حسين عبدربه يحاور حسن جبري في بودكاست البورصة


