سجلت مصر، طفرة كبيرة فى قيمة صفقات الدمج والاستحواذ خلال الربع الأول من عام 2026، لتصبح واحدة من أبرز الأسواق نشاطًا فى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، بعدما قفزت قيمة الصفقات المنفذة إلى نحو 4 مليارات دولار، مقارنة بنحو 50 مليون دولار فقط خلال الفترة نفسها من العام الماضى، بنمو 80 ضعفًا، فى مؤشر يعكس تصاعد اهتمام المستثمرين الإقليميين والدوليين بالأصول المصرية خلال الأشهر القليلة الماضية.
وبحسب تقرير صادر عن “إس آند بى جلوبال ماركت انتيليجانس”، حول نشاط الدمج والاستحواذ فى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، جاءت مصر ضمن أكبر 10 أسواق فى المنطقة خلال الربع الأول من العام الحالي، رغم تراجع عدد الصفقات المنفذة إلى 8 صفقات فقط، مقابل 11 صفقة خلال الفترة المقارنة من عام 2025.
ويعكس الأداء المصري خلال الفترة الأخيرة ، تحولًا واضحًا فى طبيعة الصفقات المنفذة داخل السوق المحلية، إذ اتجه المستثمرون نحو تنفيذ عمليات أكبر حجمًا وأكثر تركيزًا من حيث القيمة، بدلًا من زيادة عدد العمليات الصغيرة أو المتوسطة، وهو ما أسهم فى تحقيق قفزة غير مسبوقة فى إجمالى قيمة الصفقات المنفذة داخل السوق المصرية.
وأشار التقرير، إلى أن مصر احتلت المركز التاسع بين أكبر أسواق الدمج والاستحواذ فى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا من حيث قيمة الصفقات خلال الربع الأول من 2026، لتسجل واحدًا من أعلى معدلات النمو الإقليمية فى قيمة العمليات المنفذة خلال الفترة محل الرصد.
ويأتى هذا الأداء فى وقت تعمل فيه الحكومة على تسريع تنفيذ برنامج الطروحات العامة، وزيادة مساهمة القطاع الخاص فى الاقتصاد، إلى جانب الاستمرار فى جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصة بعد التغيرات الاقتصادية والنقدية الأخيرة التى أعادت تسعير العديد من الأصول المصرية، وجعلتها أكثر جذبًا للمستثمرين الاستراتيجيين وصناديق الاستثمار الإقليمية والدولية.
كما أسهمت الإصلاحات الاقتصادية والتحركات الحكومية الرامية إلى تحسين مناخ الاستثمار فى تعزيز اهتمام المستثمرين بالسوق المصرية، خاصة فى القطاعات المرتبطة بالصناعة والطاقة والبنية التحتية والخدمات المالية والخدمات اللوجستية، وهى القطاعات التى شهدت اهتمامًا متزايدًا من جانب المستثمرين خلال الفترة الأخيرة.
ويرى متعاملون فى سوق الاستثمار، أن ارتفاع قيمة الصفقات فى مصر رغم تراجع عددها يعكس تغيرًا فى استراتيجية المستثمرين، مع تفضيل تنفيذ صفقات نوعية تستهدف أصولًا استراتيجية ذات عوائد طويلة الأجل، بدلًا من التوسع فى تنفيذ عدد كبير من العمليات الأقل حجمًا وتأثيرًا.
كما يعكس هذا الاتجاه تنامى ثقة المستثمرين فى قدرة الاقتصاد المصرى على تحقيق معدلات نمو مستقرة خلال السنوات المقبلة، خاصة مع استمرار الدولة فى تنفيذ مشروعات قومية كبرى فى مجالات النقل والطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية، إلى جانب التوسع فى مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة.
وأشار التقرير، إلى أن سوق الدمج والاستحواذ فى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بشكل عام ، شهد نموًا قويًا فى قيمة الصفقات خلال الربع الأول من 2026، إذ ارتفعت القيمة الإجمالية للعمليات بنسبة 89% على أساس سنوى، مدفوعة بالأداء القوى للسوق الإسرائيلية وبعض الصفقات الكبرى فى قطاع الخامات والمعادن والطاقة.
وفى المقابل، تراجع عدد الصفقات المنفذة على مستوى المنطقة من 292 صفقة فى الربع الأول من 2025 إلى 215 صفقة فقط خلال الفترة نفسها من العام الحالي، وهو ما يعكس استمرار الاتجاه نحو تنفيذ صفقات أكبر حجمًا وأكثر تأثيرًا على مستوى الأسواق الإقليمية.
وبلغت القيمة الإجمالية لصفقات الاندماجات والاستحواذات فى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا خلال الربع الأول من العام الحالى نحو 44.5 مليار دولار، مقابل 27.9 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضى، فى ظل تنفيذ عدد محدود من العمليات الكبرى التى رفعت القيمة الإجمالية للسوق رغم تراجع عدد الصفقات.
وبحسب التقرير، حلت الكونغو الديمقراطية فى المركز الثانى بقيمة صفقات بلغت 9 مليارات دولار من خلال صفقتين فقط، مدعومة بتنفيذ أكبر صفقة استحواذ فى المنطقة خلال الربع الأول، والمتمثلة فى استحواذ تحالف من المستثمرين على شركة “كاموتو كوبر كومبانى” العاملة فى قطاع الخامات والمعادن.
ولفت التقرير، إلى أن قائمة أكبر الأسواق نشاطًا فى المنطقة شملت كلًا من الإمارات العربية المتحدة بقيمة صفقات بلغت 1.51 مليار دولار عبر 33 صفقة، ثم كينيا بقيمة 910 ملايين دولار، والسعودية بقيمة 750 مليون دولار من خلال 17 صفقة.
وأوضح التقرير أن القطاعات الصناعية وقطاعات الخامات والمرافق كانت الأكثر جذبًا للصفقات خلال الربع الأول من العام، كما كانت القطاعات الوحيدة التى تجاوز متوسط قيمة الصفقات بها حاجز المليار دولار، بما يعكس استمرار تركيز المستثمرين على القطاعات المرتبطة بالطاقة والبنية التحتية والموارد الطبيعية.
وأظهرت بيانات التوزيع القطاعي للصفقات، أن قطاع الصناعات سجل صفقات بقيمة 10.9 مليار دولار خلال الربع الأول من 2026، مقارنة بنحو 3.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، مستفيدًا من تنفيذ عدد من الصفقات الكبرى المرتبطة بالنقل والطاقة والخدمات الصناعية.
وبحسب التقرير، ارتفعت قيمة الصفقات فى قطاع الخامات إلى 9.5 مليار دولار، مقارنة بنحو 1.5 مليار دولار خلال الربع الأول من 2025، مدفوعة بالطلب المتزايد على الأصول المرتبطة بالمعادن والموارد الطبيعية.
وسجل قطاع الطاقة أيضًا نموًا ملحوظًا، بعدما ارتفعت قيمة الصفقات المنفذة به إلى نحو 1.2 مليار دولار، مقارنة بنحو 300 مليون دولار فقط خلال الفترة المقابلة من العام الماضي، فى ظل زيادة اهتمام المستثمرين بمشروعات الطاقة التقليدية والمتجددة.
كما سجل قطاع تكنولوجيا المعلومات صفقات بقيمة 1.1 مليار دولار خلال الربع الأول من العام، مقارنة بنحو 800 مليون دولار خلال الفترة نفسها من 2025، ما يعكس استمرار اهتمام المستثمرين بقطاعات التكنولوجيا والتحول الرقمى فى المنطقة.
أشار التقرير إلى أن بعض القطاعات شهدت تراجعًا ملحوظًا فى نشاط الصفقات، خاصة القطاع المالي الذى انخفضت قيمة العمليات المنفذة به إلى نحو 200 مليون دولار فقط، مقابل 3.4 مليار دولار خلال الربع الأول من العام الماضى، بالإضافة إلى تراجع نشاط قطاع الخدمات الاستهلاكية والقطاع العقارى.
كما أشار التقرير، إلى أن الأسواق الإقليمية تشهد حاليًا تحولًا واضحًا فى طبيعة الاستثمارات، مع تركيز متزايد على القطاعات المرتبطة بالتحول الصناعى والطاقة والتكنولوجيا والخامات، بالتزامن مع سعى الحكومات لجذب استثمارات أجنبية مباشرة وتوسيع دور القطاع الخاص فى النشاط الاقتصادى.
لفت التقرير إلى صفقة استحواذ بنك Nedbank Group Limited الجنوب أفريقى على مجموعة “إن سى بى إيه جروب” الكينية بقيمة 900 مليون دولار، ضمن الصفقات البارزة التى شهدتها المنطقة خلال الربع الأول من العام الجارى.
ويرى محللون، أن استمرار الزخم فى سوق الاندماجات والاستحواذات المصرية خلال الفترات المقبلة سيظل مرتبطًا بعدة عوامل، فى مقدمتها استقرار سوق الصرف، واتجاهات أسعار الفائدة، وسرعة تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية، فضلًا عن قدرة الاقتصاد على الحفاظ على معدلات نمو مستقرة وجاذبة للاستثمارات الأجنبية.
كما يتوقع أن تستفيد مصر خلال الفترة المقبلة من زيادة اهتمام المستثمرين بقطاعات البنية التحتية والطاقة المتجددة والصناعة والخدمات اللوجستية، خاصة فى ظل الموقع الجغرافى الاستراتيجى للدولة واتساع قاعدة الاستهلاك المحلية، إلى جانب استمرار تنفيذ مشروعات قومية كبرى تدعم النشاط الاقتصادى وتعزز جاذبية السوق أمام المستثمرين الإقليميين والدوليين.







