يشهد قطاع الشركات الناشئة في مصر، مرحلة جديدة من التنظيم المؤسسي مع بدء تفعيل «ميثاق الشركات الناشئة المصرية» الذي أطلقه الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، في فبراير الماضي، بهدف وضع إطار رسمي لتعريف الشركات الناشئة وتحديد معايير تصنيفها، بما يسهم في تعزيز قدرتها على جذب التمويل والاستثمارات وتسهيل تعاملها مع الجهات الحكومية والمؤسسات المالية.
وجاءت أولى خطوات تفعيل الميثاق من خلال تسليم شهادات التصنيف لعدد من الشركات والمشروعات الابتكارية، إذ حصلت 25 شركة ناشئة على الشهادات رسميًا، ضمن إجمالي 61 شركة تم اعتماد تصنيفها منذ إطلاق المبادرة، في خطوة تستهدف بناء قاعدة بيانات واضحة للشركات العاملة في منظومة ريادة الأعمال المصرية.
ويأتي الميثاق في وقت تشهد فيه بيئة الشركات الناشئة، نموًا متسارعًا مدفوعًا بالتوسع في مجالات التكنولوجيا المالية والتحول الرقمي والابتكار، إلى جانب تنامي دور هذه الشركات في توفير فرص العمل وتطوير حلول تكنولوجية تدعم مختلف القطاعات الاقتصادية.
وتراهن الحكومة ومجتمع ريادة الأعمال على أن يسهم الميثاق في معالجة أحد أبرز التحديات التي واجهت القطاع خلال السنوات الماضية، والمتمثل في غياب تعريف موحد للشركات الناشئة، وهو ما كان يحد من قدرتها على الاستفادة من برامج الدعم والتمويل، ويصعّب على المستثمرين والجهات التمويلية تقييمها وتصنيفها بصورة دقيقة.
ومع الحديث عن استثمارات متوقعة قد تصل إلى مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة لصالح الشركات الحاصلة على شهادة التصنيف، تتزايد التوقعات بأن يمثل الميثاق نقطة تحول في منظومة ريادة الأعمال المصرية، من خلال توفير بيئة أكثر وضوحًا وجاذبية للاستثمار، رغم استمرار الحاجة إلى استكمال الأطر التنفيذية والحوافز التمويلية التي تضمن ترجمة أهداف المبادرة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
عيد: وجود معايير محددة للتصنيف يؤسس مرجعية موحدة للجهات التمويلية
قال إبراهيم عيد، الرئيس التنفيذي للعمليات بشركة «فاليفاي» للحلول المالية، إن الميثاق يمثل خطوة مهمة نحو بناء بيئة أكثر تنظيمًا للشركات الناشئة، من خلال وضع تعريف رسمي ومعتمد لهذا النوع من الشركات، وهو ما يسهم في إزالة كثير من الالتباس الذي كان قائمًا بين الشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة التقليدية.
أضاف لـ”البورصة”، أن وجود تعريف واضح ومعايير محددة للتصنيف يؤسس مرجعية موحدة يمكن للجهات التمويلية الاعتماد عليها عند تقييم الشركات، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على كفاءة وسرعة اتخاذ القرارات الاستثمارية والتمويلية.
وأوضح عيد، أن المؤسسات المالية والمستثمرين كانوا يواجهون في بعض الأحيان تحديات تتعلق بتحديد طبيعة الشركات المتقدمة للحصول على التمويل، خاصة في ظل اختلاف نماذج الأعمال وغياب تعريف موحد للشركات الناشئة. ومن ثم فإن وجود تصنيف رسمي معتمد من شأنه أن يرفع مستوى الشفافية ويقلل درجة عدم اليقين المرتبطة بعمليات التمويل والاستثمار.
أشار عيد، إلى أن الشركات الحاصلة على شهادة التصنيف ستتمتع باعتراف رسمي يساعدها في التعامل مع الجهات التمويلية والتنظيمية المختلفة. كما يسهم في تسهيل إجراءات الحصول على الدعم والتمويل ويمنح المستثمرين صورة أكثر وضوحًا عن طبيعة هذه الشركات ومراحل نموها.
وتابع: “من أبرز التحديات التي تواجه المنظومة الجديدة حاليًا ضرورة بناء فهم موحد لمعايير التصنيف بين جميع الأطراف المعنية، بالإضافة إلى تسريع وتيرة تبني الميثاق داخل السوق مع الحفاظ على المرونة اللازمة لمواكبة التطورات السريعة التي يشهدها قطاع ريادة الأعمال”.
إمام: الشركات الناشئة تتطلع إلى تسهيل الإجراءات الحكومية وتحسين فرص جذب الاستثمارات
وقال إبراهيم إمام، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «آي سبلاي»، إن حصول شركته على شهادة الانضمام إلى الميثاق يمثل خطوة مهمة في مسار تنظيم قطاع الشركات الناشئة في مصر، خاصة أن هذه الشهادة تمنح الشركات اعترافًا رسميًا بطبيعة نشاطها ونموذج أعمالها.
وأوضح لـ”البورصة”، أن الشركات الناشئة تتطلع إلى عدد من المزايا المرتبطة بالميثاق، في مقدمتها تسهيل الإجراءات الحكومية، وتحسين فرص جذب الاستثمارات، وتوفير آليات أكثر مرونة للحصول على التمويل المصرفي.
أضاف إمام، أن شركته استوفت متطلبات الانضمام إلى الميثاق باعتبارها شركة تكنولوجية تعتمد على الابتكار والنمو السريع، وهما من المعايير الأساسية التي يقوم عليها التصنيف الجديد.
وأشار إلى أن أحد أبرز العوامل التي شجعت العديد من الشركات على الانضمام إلى الميثاق هو ما تم الإعلان عنه سابقًا بشأن خطط لاستثمار نحو مليار دولار في الشركات الحاصلة على التصنيف خلال السنوات الخمس المقبلة، إلى جانب التوجه نحو تسهيل حصول هذه الشركات على التمويل من البنوك والمؤسسات المالية.
ولفت إلى أن الشركات الناشئة في مراحلها الأولى غالبًا ما تواجه تحديات كبيرة في الحصول على التمويل التقليدي، نتيجة عدم امتلاكها سجلات مالية طويلة أو أصولًا كافية يمكن استخدامها كضمانات، وهو ما يجعل توفير آليات تمويل مناسبة أحد أهم العوامل المطلوبة لدعم نمو هذا القطاع.
أكد إمام، أن أهم ما تحقق حتى الآن من خلال الميثاق يتمثل في وضع تعريف رسمي واضح للشركات الناشئة داخل السوق المصرية، بما يميزها عن المشروعات الصغيرة والمتوسطة التقليدية التي تختلف في طبيعة النشاط وآليات النمو وأهداف التوسع.
وأوضح أن الشركات الناشئة تعتمد في الأساس على التكنولوجيا والابتكار والنمو المتسارع كنموذج عمل رئيسي، وهو ما يتطلب أدوات تمويل وتنظيم مختلفة عن تلك المستخدمة مع الشركات التقليدية.
وقال باسم محمود، الرئيس التنفيذي لمنصة «بانك إن بوكس» المتخصصة في تكنولوجيا البنوك والمدفوعات الرقمية، إن «ميثاق الشركات الناشئة المصرية» يمثل خطوة إيجابية نحو تعزيز بيئة ريادة الأعمال في مصر، خاصة أنه يعكس اهتمام الدولة بدعم الابتكار والتكنولوجيا وبناء اقتصاد رقمي أكثر تنافسية.
وأوضح لـ”البورصة”، أن شركته كانت من أوائل الشركات التي تم اختيارها ضمن الميثاق، كما أنها تعد أول شركة متخصصة في مجال تكنولوجيا البنوك والمدفوعات الرقمية تحصل على هذا التصنيف.
أضاف أن اللقاءات التي جمعت ممثلي الشركات الناشئة بالجهات الحكومية المختلفة، أظهرت وجود اهتمام حقيقي بتطوير بيئة الأعمال وتحسين الظروف المحيطة بريادة الأعمال، بما يتوافق مع التجارب الناجحة في عدد من الأسواق الإقليمية والعالمية.
وأشار إلى أن الميثاق من شأنه تعزيز ثقة المستثمرين وصناديق رأس المال المخاطر في الشركات الحاصلة على التصنيف، لأنه يوفر إطارًا أكثر وضوحًا فيما يتعلق بالتنظيم والتقييم والاعتماد، وهو ما قد ينعكس إيجابًا على فرص جذب التمويل والاستثمار.
كما توقع أن يسهم الميثاق في تسهيل وصول الشركات الناشئة إلى برامج الدعم والتمويل المختلفة سواء داخل مصر أو على المستوى الإقليمي، خاصة مع تزايد اهتمام المستثمرين بالاستثمار في الشركات القائمة على التكنولوجيا والابتكار.
ووصف محمود، التجربة حتى الآن بأنها إيجابية ومشجعة، مشيرًا إلى أنها تعكس وجود توجه فعلي لدعم قطاع الشركات الناشئة من خلال التعاون بين الجهات الحكومية ورواد الأعمال للوصول إلى نموذج عملي يلبي احتياجات السوق.
أضاف أن أحد أهم الأهداف التي يسعى إليها الميثاق، هو تقليل الوقت والإجراءات المطلوبة للتعامل مع الجهات المختلفة، بما يسمح لرواد الأعمال بالتركيز على تنمية أعمالهم وتطوير منتجاتهم وخدماتهم بدلاً من الانشغال بالإجراءات الإدارية والتشغيلية المعقدة.
أكد محمود، أن جذب الكفاءات المتخصصة والاحتفاظ بها يمثل أيضًا تحديًا مهمًا للشركات الناشئة، خاصة في القطاعات التكنولوجية التي تشهد منافسة قوية على الكوادر البشرية المؤهلة.
كما أن التطورات المتسارعة في التكنولوجيا تفرض على الشركات الناشئة مواصلة الاستثمار في الابتكار وتطوير المنتجات بشكل مستمر للحفاظ على قدرتها التنافسية.
بهجت: المستثمرون لا يغيرون قرارات التمويل بناءً على الميثاق وحده
وقال سيف بهجت، مدير الشراكات بشركة “سند بارتنرز” المتخصصة في الاستثمار بالشركات الناشئة ومتعددة القطاعات، إن القيمة الحقيقية لميثاق الشركات الناشئة لا تُقاس بما يتضمنه من بنود، وإنما بمدى تطبيقها على أرض الواقع.
وأوضح ،”البورصة”، أن الميثاق يمثل خطوة إيجابية نحو الاعتراف الرسمي بوجود قطاع مستقل للشركات الناشئة يختلف في طبيعته واحتياجاته عن الشركات التقليدية، مشيرًا إلى أن أهميته بالنسبة للمستثمرين ترتبط بقدرته على تبسيط الإجراءات وتسريعها.
أضاف بهجت:” إذا لم يتحول الميثاق إلى قرارات تنفيذية ملزمة لجميع الجهات الحكومية والرقابية، فسيظل وثيقة استرشادية لا تعالج التحديات الأساسية التي تواجه المستثمر الباحث عن الأمان القانوني وسرعة الإنجاز”.
وأكد أن الميثاق، في صورته الحالية، لا يؤثر بشكل جوهري على قرارات التمويل والاستثمار، موضحًا أن المستثمرين لا يعتمدون في قراراتهم على حصول الشركة على شهادة أو انضمامها إلى ميثاق معين، بل يركزون على مؤشرات الأداء الأساسية، مثل حجم السوق المستهدف، والنتائج المالية، وكفاءة فريق العمل، ومرونة الهيكل القانوني للشركة.
أشار بهجت، إلى أن الميثاق قد يمثل عنصرًا داعمًا للشركات الناشئة إذا ارتبط بحوافز حقيقية، مثل الإعفاءات الضريبية أو التسهيلات الجمركية التي تنعكس إيجابًا على الأداء المالي، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن المقومات الاستثمارية الأساسية التي تجذب رؤوس الأموال.
ولفت إلى أن أبرز ما حققه الميثاق حتى الآن يتمثل في معالجة الفجوة المعرفية المتعلقة بمفهوم الشركات الناشئة، من خلال تقديم تعريف موحد لها أمام الجهات الحكومية المختلفة، التي كانت تتعامل معها في السابق باعتبارها شركات تجارية أو مقاولات تقليدية.
أضاف أن الميثاق، أسهم في فتح قنوات للحوار بين القطاعين العام والخاص، وساعد جزئيًا في تسهيل بعض إجراءات التأسيس الإلكتروني، إلى جانب الاعتراف المبدئي ببعض أدوات التمويل الحديثة مثل السندات القابلة للتحويل.
وتابع: “الميثاق نجح في معالجة بعض الجوانب الإدارية والتنظيمية، لكنه لم يتمكن حتى الآن من معالجة التحديات الهيكلية الأعمق التي تواجه بيئة الاستثمار في الشركات الناشئة”.
ويستهدف «ميثاق الشركات الناشئة المصرية» ، الشركات حديثة التأسيس التي تتميز بالابتكار والمرونة والقدرة على تحقيق معدلات نمو مرتفعة، وتسعى إلى تطوير منتجات أو خدمات أو نماذج أعمال جديدة تعتمد على التكنولوجيا كعنصر أساسي في نشاطها.
وتتولى لجنة متخصصة تضم ممثلين عن الجهات الحكومية وصناديق رأس المال المخاطر والمستثمرين الملائكيين ومجتمع ريادة الأعمال دراسة طلبات الشركات الراغبة في الحصول على شهادة التصنيف، وفق مجموعة من المعايير التي تستهدف ضمان وصول المزايا والدعم إلى الشركات التي تستوفي شروط الابتكار والنمو.








