يتحرك الجنيه المصرى لتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، عبر استراتيجية “تعدد العملات” ضمن اتفاقات ثنائية لتبادل العملات، بجانب تكتل “بريكس”، مستهدفًا خفض الطلب على العملة الخضراء، وتخفيف الضغط على الاحتياطي النقدي.
وتتشكل هذه التحركات في عدة مسارات أساسية، أولها مع الصين، إذ رفعت مصر سقف اتفاقية مبادلة العملات المحلية إلى 30 مليار يوان (نحو 4.4 مليار دولار)، ما يتيح تمويل الاستيراد المباشر باليوان والجنيه دون وسيط دولاري.
كما تتحرك مع روسيا، إذ اعتمد البنك المركزي الروسي الجنيه المصري ضمن سلة عملاته الرسمية، ما يسهل تسوية واردات القمح والسلع الاستراتيجية بالروبل والجنيه، بجانب استخدام آلية “الدرهم الإماراتي” كبديل تسييري.
ومع الهند، تُجرى مفاوضات متقدمة لتطبيق آلية التبادل المباشر (الروبية/الجنيه) لتمويل السلع الأساسية والمواد الخام.
رغم هذه الخطوات الطموحة، يظل نجاح الجنيه في مواجهة هيمنة الدولار مرهونًا بمعالجة عجز الميزان التجاري؛ فمصر تستورد من هذه الدول بأضعاف ما تصدره إليها، ما يفرض ضرورة جذب استثمارات مباشرة وتوطين الصناعة محلياً لتحقيق توازن حقيقي في تبادل العملات.
ورهن صناع مصريون، نجاح المنظومة يقاس بمرونة البنوك وسرعة التسوية وتوافر السيولة.
اليوان والروبل والروبية والدرهم..رباعي مواجهة “الأخضر”
أعاد تجديد اتفاقية مبادلة العملات بين البنك المركزى المصرى وبنك الشعب الصيني، ورفع قيمتها إلى 30 مليار يوان، تسليط الضوء على دور اتفاقيات المقايضة كأحد الأدوات التى تلجأ إليها الاقتصادات الناشئة لتنويع مصادر التمويل وتخفيف الضغوط على العملات الأجنبية.
وتأتى هذه الخطوة فى وقت تسعى فيه مصر إلى تعزيز مرونة إدارة النقد الأجنبي، ودعم استقرار سوق الصرف، وتقليص الاعتماد على الدولار فى جزء من معاملاتها التجارية والتمويلية، خاصة مع تنامى العلاقات الاقتصادية مع شركاء تجاريين رئيسيين مثل الصين والإمارات والهند.
ورغم اتساع نطاق هذه الاتفاقيات خلال السنوات الأخيرة، فإن الجدل لا يزال قائماً حول مدى قدرتها على إحداث تأثير ملموس فى الطلب على الدولار، وما إذا كانت تمثل تحولاً حقيقياً فى أنماط التجارة والتسويات المالية؟ أم أنها تظل أداة مساندة يقتصر دورها على تسهيل التبادل التجارى بالعملات المحلية؟
وجدد البنك المركزى المصرى وبنك الشعب الصينى خلال يونيو الحالي اتفاقية مبادلة العملات لمدة ثلاث سنوات إضافية قابلة للتجديد، مع رفع قيمتها إلى 30 مليار يوان، بما يعادل 203 مليارات جنيه، بهدف دعم الاستقرار المالى وتوفير السيولة بالعملات المحلية وتعزيز التبادل التجارى بين البلدين.
الأمر نفسه تكرر مع “الروبل” الروسي والروبية الهندية.
كما وقع البنك المركزى المصري ومصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، فى سبتمبر 2023 اتفاقية لمبادلة العملات تتيح للطرفين مقايضة الجنيه المصرى والدرهم الإماراتي بقيمة اسمية تصل إلى 42 مليار جنيه و5 مليارات درهم.
ويرى مصرفيون وخبراء اقتصاد تحدثوا لـ”البورصة”، أن اتفاقيات مبادلة العملات توفر متنفساً إضافياً لإدارة السيولة وتدعم حركة التجارة والاستثمار بين الدول الموقعة عليها، لكنها لا تمثل بديلاً للدولار الذى لا يزال يهيمن على الجزء الأكبر من التجارة والتمويل العالميين، فيما يبقى أثرها
الفعلى مرهوناً بحجم استخدامها فى المعاملات التجارية وقدرة الأسواق على تفعيلها بصورة أوسع.
«شوقي»: “المبادلة” تقلص الطلب على الدولار دون أن تحل محله
قال أحمد شوقي، الخبير المصرفي، إن قرار رفع قيمة اتفاقية مبادلة العملات مع الصين إلى 30 مليار يوان يعكس رغبة مشتركة من الجانبين فى توسيع الاستفادة منها بما يتناسب مع تنامى العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.
وأضاف أن الخطوة تحمل بُعدين رئيسيين؛ الأول يتعلق بالاحتياجات الفعلية الناتجة عن توسع التجارة والاستثمارات الصينية فى مصر، والثانى يرتبط باستراتيجية الصين الهادفة إلى تعزيز استخدام اليوان فى التجارة والتمويل الدوليين وتقليل الاعتماد على الدولار.
وأوضح شوقي، أن تأثير الاتفاقية يجب النظر إليه بواقعية، إذ يظل الدولار العملة الرئيسية للتجارة والتمويل الدوليين، ما يجعل دور الاتفاقية مكملاً للنظام النقدى القائم وليس بديلاً عنه.
وأشار إلى أن أبرز المستفيدين من الاتفاقية هم مستوردو المعدات والآلات ومدخلات الإنتاج من الصين، إلى جانب مشروعات البنية التحتية والطاقة المتجددة والشركات الصينية العاملة فى مصر، خاصة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
ولفت إلى أن حجم التجارة بين مصر والصين بلغ نحو 20.8 مليار دولار خلال عام 2025، فى حين لا تتجاوز الصادرات المصرية إلى الصين مليار دولار، ما يعنى أن الاستفادة المباشرة من الاتفاقية ستتركز بصورة أكبر فى تمويل الواردات القادمة من الصين.
«الدماطي»: التوسع فى التسويات بالعملات المحلية يواكب تحولات النظام العالمي
وقالت سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية، إن التوسع فى استخدام العملات المحلية فى التجارة والتسويات المالية يمثل أحد الاتجاهات الرئيسية التى تتبناها الاقتصادات الناشئة وعدد من دول مجموعة بريكس، بهدف تقليل الاعتماد على الدولار كعملة وسيطة.
وأضافت أن تنفيذ المعاملات التجارية بالعملات المحلية يمنح البنوك المركزية مرونة أكبر فى إدارة احتياطيات النقد الأجنبي، كما يسهم فى تسهيل حركة التجارة والاستثمار بين الدول المرتبطة باتفاقيات المقايضة.
وأشارت الدماطي، إلى أن هذه الآليات تساعد على تنويع مكونات الاحتياطى النقدي وتقليل مخاطر تقلبات أسعار الصرف، خاصة بالنسبة للدول التى تواجه ضغوطاً على موارد النقد الأجنبي.
وتوقعت أن تشهد الروبية الهندية حضوراً أكبر فى المعاملات التجارية خلال الفترة المقبلة، مع اقتراب بدء تنفيذ اتفاق التبادل التجارى بين مصر والهند بالعملات المحلية، فى ظل وصول المفاوضات الفنية بين البنكين المركزيين إلى مراحل متقدمة وارتفاع حجم التبادل التجارى بين البلدين إلى نحو 6 مليارات دولار.
«نافع»: الاعتماد على المقايضة لا يوقف تراجع قيمة العملة المحلية
من جانبه، قال مدحت نافع، عضو اللجنة الاستشارية للاقتصاد الكلى التابعة لمجلس الوزراء، إن اتفاقيات مقايضة العملات تمثل حلولاً جزئية للتعامل مع أزمات نقص العملات الأجنبية، لكنها لا تعالج الاختلالات الهيكلية المرتبطة بعجز الميزان التجارى أو ميزان المدفوعات.
وأوضح أن الاعتماد على المقايضة لا يوقف تراجع قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، كما لا يلغى الدور المحوري للدولار فى النظام المالى العالمي.
أضاف نافع، أن عمليات التسوية بالعملات المحلية تظل مرتبطة بصورة غير مباشرة بالدولار، باعتباره العملة المرجعية الأساسية لتسعير العملات عالمياً، إذ يتم تحديد أسعار صرف العملات المختلفة استناداً إلى قيمتها أمام الدولار.
«متولي»: الأثر الاقتصادى يرتبط بالاستخدام الفعلى وليس بالقيمة المعلنة
وقال على متولي، محلل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بإحدى شركات الاستشارات فى لندن، إن أهمية الاتفاقية مع الصين تنبع من كونها أحد أكبر الشركاء التجاريين لمصر، ما يتيح تسوية جزء من المعاملات التجارية باليوان بدلاً من الدولار ويخفف جانباً من الطلب على العملة الأمريكية.
لكن هذا التوجه لا يلغى الحاجة إلى الدولار فى تغطية التزامات استراتيجية تشمل واردات الطاقة والقمح وخدمة الدين الخارجى ومدفوعات الشحن والتأمين وغيرها من المعاملات الدولية.
أضاف متولي، أن قيمة الاتفاقية تبدو كبيرة اسماً، لكنها تظل محدودة مقارنة بإجمالى الواردات المصرية التى تتجاوز 100 مليار دولار سنوياً، فضلاً عن الاحتياجات التمويلية الخارجية للاقتصاد.
وأكد أن الأثر الحقيقى لاتفاقيات المقايضة يرتبط بمعدلات الاستخدام الفعلى لها داخل السوق، وليس بالقيم المعلنة، مشيراً إلى أنها قد تدعم استقرار سوق الصرف على المدى القصير، لكنها لا تمثل ضمانة لاستقرار طويل الأجل ما لم يصاحبها توسع فى استخدامها وتعزيز آليات تنفيذها.
ولفت متولي، إلى أن نجاح هذه الاتفاقيات يتطلب وجود طلب حقيقى من المستوردين والمصدرين على التعامل بالعملات المحلية، إلى جانب توفير أدوات تمويل وتسوية فعالة داخل القطاع المصرفى وتطوير آليات إدارة مخاطر تقلبات أسعار الصرف.
وأكد أن كثيراً من الشركات لا تزال تفضل التعامل بالدولار بسبب سهولة التسعير والتسييل واعتماد سلاسل الإمداد العالمية عليه، ما يجعل التوسع فى استخدام العملات المحلية مرتبطاً بمدى قدرة الحكومات والقطاع المصرفى على توفير حوافز تشغيلية وتجارية تدعم هذا التوجه.







