تبدأ شركات صناعة السيارات الألمانية أعمق عملية إعادة هيكلة في تاريخها لوقف “النزيف” الناتج عن تدفق المنافسين الصينيين، في خطوة يحذر محللون من أنها قد تؤدي إلى انكماش “دائم” للقطاع الذي يشكل العمود الفقري لأكبر اقتصاد في أوروبا.
تستعد شركة “فولكس واجن” لتوسيع إجراءات خفض التكاليف عبر الاستغناء عن ما يصل إلى 100 ألف وظيفة خلال السنوات المقبلة، وإنهاء الإنتاج في أربعة مصانع داخل ألمانيا.
وحذرت شركة “بي إم دبليو” المستثمرين مؤخراً من أنها تعتزم إنفاق ما يصل إلى مليار يورو على تكاليف إعادة الهيكلة، وهي خطوة قال محللون إنها قد تؤدي إلى خفض ما يصل إلى 10 آلاف وظيفة وتقليص إنتاج السيارات في أوروبا بنسبة 15%.
وأبلغت شركة “مرسيدس-بنز” موظفيها في ألمانيا بأنها لن تصرف مكافآت الصيف، مع تسريعها إجراءات خفض التكاليف.
وكان نحو 5500 موظف قد قبلوا بالفعل الاستقالة الطوعية ضمن برنامج إعادة الهيكلة الحالي للشركة، بحسب ما نقلته صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية.
“مرسيدس-بنز” لن تصرف مكافآت الصيف
تعمل جميع شركات صناعة السيارات الأوروبية، من “ستيلانتس” و”رينو” إلى “فورد”، على تبسيط عملياتها خلال السنوات الأخيرة، لكن اختراق “بي واي دي” وعلامات صينية أخرى للسوق تسارع بشكل كبير هذا العام وسط تباطؤ حاد في الصين.
وأجبر ذلك شركات السيارات الألمانية على التراجع، رغم مقاومة قوية من نقاباتها ذات النفوذ.
قال هارالد هندريكسي، محلل “سيتي”، إن “الشيء الوحيد الذي يمكنك فعله هو خفض التكاليف، والخفض الكبير الوحيد للتكاليف هو التخلص من الطاقة الفائضة. وأغلى طاقة إنتاجية لديك في العالم بفارق كبير موجودة في ألمانيا”.
في مايو، فقدت “فولكس واجن” و”مرسيدس-بنز” و”ستيلانتس” و”رينو” حصصاً سوقية، رغم ارتفاع مبيعات السيارات الجديدة في أوروبا بنسبة 4% على أساس سنوي.
في المقابل، تجاوزت الحصة السوقية المجمعة لشركات “بي واي دي” و”شيري” وغيرها من شركات السيارات الصينية 10% للمرة الأولى، وفقاً للرابطة الأوروبية لمصنعي السيارات “آسيا”.
قال توماس بيسون، رئيس أبحاث السيارات في “كبل”، إن “كل لاعب أوروبي يخسر اليوم”.
وأضاف: “هذا وضع بالغ الصعوبة لشركات صناعة السيارات الأوروبية، لأن الشركات الصينية تتقدم في أوروبا بوتيرة أسرع بكثير من المتوقع، بينما تواصل الشركات الأوروبية فقدان أحجام مبيعاتها في الصين وتواجه أوضاعاً معاكسة للغاية في الولايات المتحدة، لا سيما بسبب الرسوم الجمركية”.
كانت “فولكس واجن”، التي تتخذ من فولفسبورغ مقراً لها، قد أعلنت بالفعل نيتها خفض 50 ألف وظيفة في ألمانيا بحلول نهاية 2030، لكن الخطة الأحدث قد تؤدي إلى تقليص عدد العاملين لديها بنحو 50 ألف وظيفة إضافية، وفقاً لشخص مطلع على الوضع.
وسيضع حذف 100 ألف وظيفة من قوة عاملة تضم نحو 625 ألف موظف الشركة بين أكبر عمليات خفض الوظائف على الإطلاق.
“بي إم دبليو” تعتزم إنفاق مليار يورو على الإصلاح المؤسسي
قال باتريك هومل، محلل “يو بي إس”: “أعتقد أنه حتى مع ذلك، يبقى من المشكوك فيه ما إذا كانوا سيتمكنون من التقدم على الموجة الصينية بحيث يستطيعون فعلياً استعادة بعض الربحية، بدلاً من مجرد إبطاء النزيف”.
وأضافت هيلينا فيسبرت، أستاذة اقتصاديات السيارات في جامعة أوستفاليا للعلوم التطبيقية في فولفسبورغ، أن حجم التخفيضات الجديدة المحتملة أظهر أن الأزمة التي تؤثر على “فولكس واجن” ونظيراتها وصلت إلى “بُعد جديد”.
وقالت إن “صناعة السيارات في ألمانيا تنكمش، وتفعل ذلك بطريقة مستمرة ودائمة”.
كانت “بي إم دبليو” شركة السيارات الأوروبية الوحيدة التي زادت مبيعاتها في القارة خلال مايو، لكن المجموعة صدمت المستثمرين هذا الشهر بخفض كبير لتوقعات أرباحها، أرجعته إلى تباطؤ السوق في الصين وتأثير الحرب الإيرانية.
تضمنت المراجعة بالخفض مخصصات لإجراءات إعادة هيكلة جديدة، مثل خفض الوظائف، سيتم تسجيلها في وقت لاحق من هذا العام.
منذ تحذيرها في منتصف يونيو، تراجعت أسهم “بي إم دبليو” بنسبة 13%، مع استعداد المستثمرين لمزيد من خفض التوقعات من جانب شركات سيارات أوروبية أخرى.
توسيع إعادة الهيكلة لوقف نزيف الأرباح أمام المنافسين الصينيين الجدد
وقال هومل: “كانت بي إم دبليو تُعد في نظر الجميع تقريباً أفضل منزل في حي صعب، وقد فقدت هذا الوضع مع تحذير الأرباح”.
كانت الشركة المصنعة، التي تتخذ من ميونيخ مقراً لها، قد أشارت بالفعل إلى أنها تتوقع خفض قوتها العاملة عالمياً هذا العام بنسبة تصل إلى 5%، وهو ما قد يعني ما يصل إلى 7700 موظف.
وقدر هومل أن المخصصات الأحدث قد ترفع هذا الرقم إلى نحو 10 آلاف.
رفضت “بي إم دبليو” التعليق على النطاق المخطط لإجراءات خفض التكاليف، فيما شدد الرئيس التنفيذي الجديد ميلان نيديلكوفيتش على حاجة الشركة إلى “تكثيف وتسريع” جهودها لتحقيق وفورات بشكل كبير.
كما تضررت “مرسيدس-بنز” بشدة من الانخفاض الحاد في المبيعات بالصين، وحذرت موظفيها من أن التصنيع في ألمانيا يضغط على القدرة التنافسية من حيث التكلفة.
وقدرت الشركة أيضاً أن إنتاجها سيتحسن فوراً بنسبة 15% إذا عاد عمالها إلى أسبوع عمل مدته 40 ساعة بدلاً من 35 ساعة، وهو النظام المطبق على نطاق واسع منذ عام 1995.
وقالت الشركة: “يجب أن نواصل خفض التكاليف بإلحاح شديد حتى نتمكن من الحفاظ على قدرتنا التنافسية السعرية. رغم كل جهودنا، فإن الوضع في ألمانيا اليوم حرج”.








