“على امتداد جنوب آسيا، اعتمد نحو ربع سكان العالم، على مدى قرون، على الإيقاع السنوي المنتظم لأمطار الرياح الموسمية”
إن كنت تظنّ أن سلاسل الإمداد العالمية تعافت الآن بعدما عاد النفط للتدفق من الخليج العربي من دون عوائق للمرة الأولى منذ أربعة أشهر، يجدر بك أن تلقي نظرة إلى ما يحدث على الضفة الأخرى من بحر العرب.
فأحد أهم مدخلات سلسلة قيمة من نوع آخر يتعرض لاضطراب في وقت تشتد الحاجة إليه: أمطار الرياح الموسمية في الهند.
قد يبدو تشبيه الطقس بأحد مكوّنات منظومة صناعية أمراً غريباً، لكنه واقع تعيشه الهند منذ آلاف السنين.
فوصول الرياح الموسمية الجنوبية الغربية في يونيو يتسم بانتظام لافت، إلى درجة يتيح تنظيم التقويم الزراعي وفق مبدأ “الإنتاج في الوقت المناسب”.
وبينما لم يحظَ الأوروبيون إلا بوقت محدود للاستعداد لموجة الحر التي تجتاح القارة حالياً، كان تأخر وصول الأمطار إلى مومباي لنحو أسبوعين كافياً لإثارة عاصفة من العناوين الصحفية القلقة.
الجفاف يضرب قلب الزراعة في الهند
هذا القلق مفهوم.
فعادةً ما يكون يونيو موسم الزراعة الرئيسي لمحاصيل “الخريف” التي تعتمد على الأمطار، مثل الأرز والقطن والدخن، لكن على المزارعين أن ينتظروا زخات المطر الأولى قبل الشروع في بذر حقولهم.
ومع اقتراب يونيو من نهايته، بدأ شح الأمطار يربك الاقتصاد الزراعي الهندي البالغة قيمته 300 مليار دولار، بالقدر نفسه الذي قد يؤدي فيه نقص الرقائق الإلكترونية إلى شلّ مصنع لإنتاج السيارات.
ويُتوقع أن تزيد ظاهرة “إل نينيو” الفائقة، التي تتشكل فوق المحيط الهادئ، الأوضاع سوءاً.
تركزت أشد آثار موجة الجفاف في وسط الهند وهضبة الدكن التي تُعدّ القلب الزراعي للبلاد، وتمتد من ولايات راجستان وغوجارات وماهاراشترا وكارناتاكا غرباً، إلى أوتار براديش وماديا براديش وتشهاتيسغاره وتيلانغانا في عمق البلاد.
تنتج هذه المنطقة نحو 90% من محصولي فول الصويا وقصب السكر في الهند، و80% من القطن، و70% من الفول السوداني والبقوليات، مثل العدس والحمص.
كما تشكل مركزاً رئيسياً لإنتاج الفواكه والخضراوات، ما يجعلها ذات تأثير كبير في أسعار المواد الغذائية في الأسواق بمختلف أنحاء الهند.
شحّ أمطار الهند.. تهديد أكبر من إغلاق هرمز
خذ منطقة ناشيك على سبيل المثال؛ هذه المنطقة الزراعية الواقعة إلى الشمال الشرقي من مومباي تُعدّ عاصمة زراعة البصل في الهند.
ويحظى هذا المحصول بحساسية سياسية كبيرة، إذ إن ارتفاع أسعاره يستنزف إنفاق الأسر، وقد كان في بعض الأحيان سبباً في إسقاط حكومات.
عادةً ما يؤدي ضعف الرياح الموسمية إلى قفزات في أسعار البصل خلال أغسطس وسبتمبر مع تقلص المعروض، لم تتجاوز الأمطار التي هطلت في ناشيك هذا الشهر 16% من متوسطها طويل الأجل.
قبل بضعة أشهر، كان القلق الرئيسي في القطاع الزراعي الهندي ينصب على احتمال أن تؤدي الحرب في مضيق هرمز إلى تعطيل إمدادات اليوريا، وهي مادة أولية لصناعة الأسمدة تعتمد الهند في إنتاجها بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي القادم من الخليج، غير أن تلك المخاوف كانت مبالغاً فيها، كما أشرنا آنذاك.
في المقابل، أمطار الرياح الموسمية أكثر أهمية للاقتصاد الزراعي، وهي باتت شحيحة.
“إل نينيو” تنذر بأضعف رياح موسمية منذ 11 عاماً
لا تزال التفاعلات بين العوامل المتعددة التي تؤثر في الرياح الموسمية الهندية غير مفهومة بالكامل، لكن من المستبعد أن تكون ظاهرة “إل نينيو”، التي أُعلن عن تشكلها قبل أسابيع قليلة، السبب الرئيسي وراء تأخر هطول الأمطار هذا العام.
لكن مع تقدم العام، يُتوقع أن تدفع هذه الظاهرة الرياح الموسمية إلى تسجيل أضعف أداء منذ 11 عاماً، ما يعني أن المحاصيل التي صمدت رغم تأخر الزراعة ستواجه ضغوطاً جديدة بسبب الجفاف خلال موسم نموّ الزرع.
ولن تقتصر تداعيات ذلك على المزارع الهندية، إذ سيؤدي تراجع إنتاج المحاصيل الأساسية المستخدمة في زيوت الطهي والسكر والقطن ومصادر البروتين منخفضة التكلفة إلى تغذية موجة التضخم، التي بلغت بالفعل أعلى مستوياتها منذ مطلع عام 2025.
وقد حذر بنك الاحتياطي الهندي بالفعل من أن الأحوال الجوية غير الاعتيادية هي أحد المخاطر التي تهدد توقعاته للاقتصاد.
تجارة الغذاء العالمية في مواجهة مناخ أكثر تطرفاً
لكن مواجهة تداعيات هذه الأزمة قد يوسّع من نطاق تأثيرها.
فبعد تأخر هطول الأمطار والفيضانات التي ضربت بداية موسم 2023، لجأت نيودلهي إلى تهدئة سوق الأرز المحلية بحظر الصادرات، ما أدى إلى تعطيل تجارة عالمية تعتمد على الهند لتوفير نحو 40% من إمداداتها.
وتزداد الآن التوقعات بأن تمتد هذه القيود إلى صادرات السكر.
ومع ذلك، لم يعد الاقتصاد الهندي بالقدر نفسه من الهشاشة أمام الكوارث الطبيعية أو تلك التي يتسبب بها الإنسان.
فقد ساعدت مخزونات الأسمدة في البلاد على تجاوز تداعيات حرب إيران، كما ارتفعت مخزونات الأرز في المستودعات بنحو النصف منذ فرض حظر التصدير في عام 2023، ما أمّن إمدادات وفيرة من هذا المحصول الحيوي. وينطبق الأمر نفسه إلى حد كبير على القمح.
كذلك أسهم التوسع في شبكات الري والتقدم في العلوم الزراعية وتحسن الخدمات اللوجستية، في جعل منظومة الغذاء في الهند أقدر على الصمود في مواجهة الصدمات.
لكن كل هذه التطورات لا تكاد تواكب اتساع نطاق الأضرار التي يسببها مناخ يزداد سوءاً بلا هوادة.
فعلى امتداد جنوب آسيا، اعتمد ما يقرب من ربع سكان العالم، على مدى قرون، على الإيقاع السنوي المنتظم لأمطار الرياح الموسمية.
إلا أن الاحترار العالمي حدّ من قدرة التنبؤ بوصول الرياح الموسمية وزاد من احتمال أن يؤدي اضطرابها إلى موجات جفاف، أو أن تتسبب، عندما تصل، في فيضانات مدمرة.
ومع تشكل ظاهرة “إل نينيو” الفائقة خلال الأشهر المقبلة، سنشعر جميعاً بأثر ذلك.








