قفزت السعودية أربع مراتب في قائمة أكبر الاقتصادات جذباً للاستثمار الأجنبي المباشر، لتحتل المركز الثالث عشر عالمياً في 2025، بعدما استقطبت تدفقات بنحو 33 مليار دولار، مقارنةً مع 21 مليار دولار في العام السابق، في مؤشر جديد على تحوّل المملكة إلى وجهة أكثر حضوراً في خريطة رأس المال العالمي.
هذا التقدم السعودي يأتي ضمن موجة أوسع من صعود اقتصادات الخليج في “تقرير الاستثمار العالمي 2026” الصادر عن “أونكتاد”، إذ ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الشرق الأوسط من 92 مليار دولار إلى نحو 111 مليار دولار، مدعومةً بالأداء القوي في الاقتصادات الخليجية، خصوصاً السعودية والإمارات، وبمشاريع الطاقة والبنية التحتية واستراتيجيات التنويع الاقتصادي.
ولا يقتصر هذا التحسن على ارتفاع قيمة التدفقات، بل يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة الاستثمارات الوافدة إلى المملكة. إذ باتت 90% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة تتركز في القطاعات غير النفطية، مقابل 10% فقط في المشاريع النفطية، بالتزامن مع إنشاء أكثر من 700 شركة مقار إقليمية لها في العاصمة الرياض، ما يعزز مكانة المملكة مركزاً إقليمياً للمال والأعمال.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في إطار “رؤية 2030″، التي تستهدف تقليص الاعتماد على النفط، وزيادة مساهمة القطاع الخاص، واستقطاب رؤوس الأموال إلى قطاعات تشمل الصناعة، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والتقنية، والطاقة المتجددة.
لكن التقرير يضع هذه المكاسب ضمن بيئة أكثر تعقيداً. فتصاعد التوترات الجيوسياسية بسبب حرب إيران منذ فبراير هذا العام، واتساع أثرها إلى المنطقة، قد يضغطان على قرارات المستثمرين، خصوصاً في قطاعات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية. ورغم أن الموقع الجغرافي للخليج يمنحه ميزة كممر يربط آسيا وأوروبا وأفريقيا، فإن ارتفاع المخاطر السياسية قد يؤخر تنفيذ بعض المشاريع المعلنة أو يرفع كلفة التمويل والتأمين.
تنامي دور السعودية على الساحة الدولية
في المقابل، لا تتحرك السعودية فقط كوجهة للاستثمارات، بل كلاعب خارجي عبر صندوق الاستثمارات العامة والشركات المملوكة للدولة. ولفت تقرير “أونكتاد” إلى تنامي دور الشركات الخليجية متعددة الجنسيات المملوكة للدولة في الطاقة والبنية التحتية والاتصالات، مشيراً إلى أن شركات مثل “أكوا” و”stc” وسّعت حضورها الدولي في السنوات الأخيرة، مقتربةً من عتبة الإدراج ضمن كبار المستثمرين العالميين، واقترابها من دخول قائمة أكبر 100 شركة متعددة الجنسيات في الاقتصادات النامية.
كما برز صندوق الاستثمارات العامة في صفقات دولية كبرى، من بينها الصفقة المقترحة للاستحواذ على شركة “إلكترونيك آرتس” الأميركية عبر أداة استحواذ خاصة يقودها الصندوق، بقيمة 50 مليار دولار، بما يعكس توجهاً سعودياً لاستخدام رأس المال السيادي لبناء نفوذ استثماري عالمي في قطاعات جديدة.
محلياً، تعزز المملكة أدوات جذب الاستثمار عبر حوافز أكثر انتقائية. ووفق التقرير، أطلقت السعودية برنامجاً يغطي ما يصل إلى 35% من الاستثمار الأولي في أنشطة صناعية مختارة، في محاولة لتوجيه رأس المال نحو قطاعات ذات أولوية. كما تواصل إصلاحات متصلة بملكية الأراضي، وتيسير الإجراءات، وتعميق المحتوى المحلي، وزيادة توظيف السعوديين في القطاع الخاص.
وتشير الأرقام إلى أن السعودية باتت أقرب إلى تحويل خطط التنويع إلى تدفقات فعلية، لاسيما مع نمو الاستثمار الأجنبي في قطاعات غير نفطية. غير أن اختبار المرحلة المقبلة لن يكون فقط في جذب رؤوس الأموال، بل في تحويلها إلى مشاريع منتجة، وفرص عمل، وسلاسل إمداد محلية، وسط عالم أكثر تقلباً وتنافساً على الاستثمار.








