نظمت الجمعية العلمية للتشريع الضريبي، بالتعاون مع الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، ندوة موسعة لمناقشة آليات تطبيق الحزمة الثانية من التيسيرات الضريبية، بمشاركة وزارة المالية ومصلحة الضرائب المصرية، إلى جانب نخبة من خبراء التشريع الضريبي والمحاسبة، بهدف استعراض فلسفة التعديلات الجديدة، وشرح آليات تنفيذها، وفتح حوار مباشر مع المجتمع الضريبي حول أبرز التحديات العملية، بما يدعم الامتثال الطوعي ويحد من المنازعات الضريبية ويحسن مناخ الاستثمار.
قال هشام الحموي، أستاذ ورئيس قسم المحاسبة بكلية التجارة بجامعة القاهرة ومستشار وزارة المالية، إن نجاح حزمة التيسيرات الضريبية لا يتوقف على إصدار التشريعات، وإنما يرتبط بحسن تطبيقها، بما يحقق الهدف الأساسي منها المتمثل في إنهاء المنازعات الضريبية وتعزيز الثقة بين الممول والإدارة الضريبية.
وأوضح أن قرار مد العمل بلجان إنهاء المنازعات للمرة الخامسة أو السادسة يعكس نجاحها في تسوية النزاعات، مشيراً إلى أنها أصبحت تمثل آلية فعالة لحسم العديد من الملفات التي تعذر إنهاؤها عبر المسارات التقليدية.
أضاف الحموي، أن باب التقدم بطلبات إنهاء المنازعات سيُفتح فور التصديق على القانون ونشره، لافتاً إلى أن اللجان، في إطار تطبيق القانون رقم 160، نجحت في تسوية منازعات حققت حصيلة بلغت نحو 10 مليارات جنيه، منها 8 مليارات جنيه في ضرائب الدخل و2 مليار جنيه في ضريبة القيمة المضافة، رغم أن إجمالي الضرائب محل النزاع كان يقترب من 50 مليار جنيه.
وأشار إلى أن إحدى الحالات التي تمت تسويتها بالتوازي مع حزمة التيسيرات الأخيرة أسفرت وحدها عن تحصيل 5.4 مليار جنيه بعد تقديم الممول إقرارات ضريبية معدلة، وهو ما يعكس دور التيسيرات في تشجيع الالتزام الطوعي وزيادة الحصيلة الضريبية.
وذكر الحموي، أن التعديلات الجديدة استهدفت معالجة عدد من الإشكاليات التطبيقية التي ظهرت منذ صدور قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005، ومن أبرزها إعادة تنظيم آلية احتساب الأرباح الرأسمالية للأسهم غير المقيدة بالبورصة، بما يراعي تكلفة التمويل وأثر التضخم، إلى جانب استبعاد التصرفات العقارية بين الأصول والفروع من نطاق الضريبة، وتبسيط قواعد خصم الديون المعدومة من خلال ضوابط أكثر مرونة.
وشدد على أن نجاح الإصلاح الضريبي يمثل مسؤولية مشتركة بين الإدارة الضريبية والممولين، مؤكداً أن التطبيق السليم يتطلب تقديم الشركات والمحاسبين بيانات وإفصاحات دقيقة، خاصة فيما يتعلق بالقروض الموجهة للمشروعات القومية وعمليات شراء وبيع الأسهم غير المقيدة.
وأكد على أهمية استمرار الحوار بين وزارة المالية والمجتمع الضريبي، موضحاً أن المناقشات المباشرة مع الخبراء والمحاسبين تسهم في رصد التحديات العملية، واقتراح الحلول التي تدعم تطوير المنظومة الضريبية وتعزز الثقة بين الدولة والممولين.
صديق: النصوص يجب تقييمها عند التطبيق وليست قبل صدورها
وقال رمضان صديق، عميد كلية الحقوق بجامعة حلوان الأسبق ومستشار وزارة المالية وأستاذ التشريعات الضريبية والاقتصادية، إن الحزمة الجديدة من التيسيرات الضريبية تمثل تحولًا في فلسفة السياسة الضريبية، وتعكس إدراكًا بأن بعض النصوص القائمة لم تعد تتناسب مع المتغيرات الاقتصادية أو كشفت الممارسة العملية عن الحاجة إلى تطويرها.
وأوضح أن التشريع الضريبي بطبيعته “تشريع متحرك” يتطلب مراجعة مستمرة، مؤكدًا أن تقييم أي نص قانوني لا يكون قبل صدوره، وإنما بعد التطبيق العملي وما يكشفه من تحديات وثغرات تستدعي التدخل التشريعي.
أضاف أن الحزمتين الأولى والثانية من التيسيرات جاءتا استجابة مباشرة لتوصيات الجمعيات العلمية والمتخصصين، وهو ما يعكس تطورًا في منهج إعداد التشريعات من خلال توسيع دائرة الحوار مع المجتمع الضريبي والاستفادة من الخبرات الفنية.
وأشار صديق، إلى أن وضع حد أقصى لمقابل التأخير بحيث لا يتجاوز أصل الضريبة المستحقة، يعد من أبرز التعديلات، بعد سنوات من المطالبات بمعالجة تضخم مقابل التأخير إلى مستويات تفوق أصل الدين الضريبي.
أضاف أن تعديل الضريبة على التعاملات في الأوراق المالية المقيدة بالبورصة أنهى حالة عدم الاستقرار التي صاحبت هذا الملف خلال السنوات الماضية، موضحًا أن استبدالها بضريبة دمغة مخففة يسهم في تعزيز استقرار سوق المال وإزالة حالة عدم اليقين أمام المستثمرين.
وأوضح أن تعديلات قانون رسم تنمية موارد الدولة عالجت عددًا من الإشكاليات التطبيقية، من بينها توحيد رسم المغادرة وتبسيط آلية احتساب الرسم على الأسمنت، كما يستهدف قانون أيلولة نسبة من أرباح الشركات المملوكة للدولة ضمان حصول الخزانة العامة على نصيبها من الأرباح مع الحفاظ على حقوق مساهمي القطاع الخاص.
وفيما يتعلق بالمساهمة التكافلية لصالح منظومة التأمين الصحي الشامل، أوضح صديق أنها تمثل من الناحية القانونية ضريبة إضافية، لأن العبرة بجوهر الالتزام وليس بمسماه، لكنه رحب بتعديل القانون واعتبارها من التكاليف واجبة الخصم، استجابةً لمطالب المجتمع الضريبي.
وأشار إلى أن تعديلات قانون الضريبة على القيمة المضافة ركزت على إنهاء الخلافات التطبيقية، من خلال النص صراحة على خضوع الأجهزة الطبية للسعر الضريبي المخفض، وتقليص مدة رد الضريبة، وحسم الجدل بشأن المقصود بالمكاتب الإدارية، إلى جانب إعفاء الخدمات المالية التي تقدمها هيئة البريد، ومعالجة أوضاع بعض الصناعات بما يسمح بخصم ضريبة المدخلات ويخفف العبء الضريبي الفعلي.
ووصف قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 بأنه من أفضل التشريعات الضريبية التي صدرت في مصر، لكنه شدد على أن نجاح أي قانون يرتبط بمدى توافقه مع الواقع العملي، مؤكدًا أن التيسيرات الحالية تمثل خطوة مهمة على طريق الإصلاح، حتى وإن لم تحقق جميع طموحات المجتمع الضريبي، لأنها تؤسس لمنظومة أكثر استقرارًا وعدالة وقابلية للتطوير.
محروس: لا تغيير فى قواعد خصم العوائد المدينة ومزايا لمشروعات البنية التحتية
وقال رجب محروس، مستشار رئيس مصلحة الضرائب المصرية، إن حزمة التشريعات الضريبية الجديدة جاءت استجابة للمقترحات التي طرحها المجتمع الضريبي، وتهدف إلى معالجة عدد من الإشكاليات التي ظهرت خلال التطبيق العملي للقوانين الحالية، موضحًا أن الحزمة تضم سبعة قوانين، بينها قانون جديد خاص برسم أيلولة نسبة من أرباح الشركات المملوكة للدولة، إلى جانب مد العمل بقانون إنهاء المنازعات، وإجراء تعديلات على عدد من القوانين الضريبية.
وأوضح أن قانون الأيلولة يفرض رسمًا بنسبة 5% على صافي أرباح الشركات المملوكة بالكامل للدولة، و4% على الشركات التي تتجاوز فيها مساهمة الدولة 50%، مع احتساب الرسم على حصة الدولة فقط.
أضاف محروس، أن تعديلات قانون الضريبة على الدخل ركزت على معالجة مشكلات تطبيقية، أبرزها تبسيط قواعد خصم الديون المعدومة، من خلال تقليص مدة اتخاذ الإجراءات الجادة اللازمة لخصم الدين من 18 شهرًا إلى 12 شهرًا، ورفع الحد الأقصى للديون التي يجوز اعتبارها معدومة دون استكمال تلك الإجراءات من 5 آلاف إلى 10 آلاف جنيه، بشرط ألا تتجاوز 1% من رصيد العملاء، بما يخفف الأعباء عن الشركات، خاصة في قطاع التمويل الاستهلاكي.
ونفى وجود تغيير في القواعد الأساسية لخصم العوائد المدينة، وإنما تم منح معاملة خاصة للمشروعات الأساسية ومشروعات البنية التحتية التي يصدر بتحديدها قرار من رئيس مجلس الوزراء، مع ترك تفاصيل وآليات التطبيق للائحة التنفيذية.
أشار محروس، إلى إعادة تنظيم قواعد الضريبة المستقطعة من المنبع على عوائد القروض والسلفيات لغير المقيمين، مع استمرار تطبيق اتفاقيات منع الازدواج الضريبي، إلى جانب معالجة مشكلة الازدواج الضريبي في توزيعات الأرباح بين الشركات القابضة والتابعة، بحيث تخضع الضريبة عند مستوى الشركة التابعة فقط.
وأضاف أن الحزمة تضمنت اعتبار المساهمة التكافلية من التكاليف واجبة الخصم، وإعادة تنظيم المعاملة الضريبية للأوراق المالية، مع استمرار تطبيق قواعد الائتمان الضريبي على الأرباح والتوزيعات الواردة من الخارج، كما أبقت على ضريبة الدمغة على عمليات الاستحواذ التي تتجاوز 33% من الأسهم، مع السماح بخصم الضريبة المسددة على العمليات السابقة.
وأوضح أن تعديلات قانون رسم تنمية موارد الدولة على الأسمنت لا تتضمن أي زيادة في العبء الضريبي، وإنما تستهدف مواءمة النصوص مع التطبيق العملي، فيما شملت تعديلات قانون الضريبة على القيمة المضافة تقليص مدة رد الرصيد الدائن إلى أربع فترات ضريبية، وثلاث فترات فقط للمشروعات المنضمة لمنظومة التيسيرات، إلى جانب إعفاء مستلزمات إنتاج مرشحات الغسيل الكلوي من الضريبة، ومد فترة تعليق الضريبة على الآلات والمعدات والأجهزة الطبية إلى أربعة أعوام.
واختتم محروس، بالتأكيد على أن نجاح الحزمة الجديدة يرتبط بحسن التطبيق، مشيرًا إلى أن مصلحة الضرائب تعمل على إعداد لائحة تنفيذية واضحة، وتنظيم برامج توعية وورش عمل للممولين والمحاسبين، بما يضمن توحيد التطبيق وتحقيق أهداف الإصلاح الضريبي.
رتيب: الهندسة التشريعية والمالية للتعديلات تعالج الملفات المتشابكة
وقال رابح رتيب، رئيس الجمعية العلمية للتشريع الضريبي، إن الندوة استهدفت إتاحة منصة للحوار المباشر بين واضعي التشريعات والخبراء والممارسين، بالتزامن مع مناقشة البرلمان لحزمة القوانين الجديدة، بما يضمن توضيح فلسفة التعديلات والرد على الاستفسارات العملية.
وأشار إلى أن الحزمة الضريبية الجديدة تعكس ما وصفه بـ”الهندسة التشريعية والمالية” للتعديلات، لما تتضمنه من معالجة لعدد كبير من الملفات الضريبية المتشابكة، مؤكدًا أن نجاح الإصلاحات يرتبط بحسن التطبيق واستمرار التواصل مع المجتمع الضريبي، والاستفادة من الملاحظات التي يطرحها المحاسبون والخبراء.
عبدالخالق: نجاح التعديلات مرهون بوضوح اللائحة التنفيذية وتوحيد التفسير بين مأموريات
وقال سعيد عبدالخالق، عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، إن حزمة التيسيرات الضريبية تمثل خطوة إيجابية نحو بناء علاقة أكثر توازنًا بين الإدارة الضريبية والممولين، وتعكس توجهًا واضحًا نحو معالجة المشكلات العملية التي أفرزها التطبيق، بدلاً من الاكتفاء بإجراء تعديلات تشريعية شكلية.
وأكد أن نجاح التعديلات سيظل مرهونًا بسرعة إصدار اللائحة التنفيذية، ووضوح التعليمات التطبيقية، وتوحيد التفسير بين مأموريات الضرائب، حتى تتحول النصوص القانونية إلى تيسيرات حقيقية يشعر بها الممولون على أرض الواقع.
فوزى: الإصلاحات تستهدف الحد من المنازعات وتحقيق اليقين الضريبى
وقال عرفان فوزي، أمين عام الجمعية العلمية للتشريع الضريبي، إن تنظيم الندوة يأتي في إطار الدور العلمي الذي تضطلع به الجمعية لتعزيز الحوار بين الجهات الحكومية والمجتمع الضريبي، ونقل الرؤى الفنية للمتخصصين إلى صناع القرار بما يسهم في تطوير التشريعات وتحسين آليات تطبيقها.
وأضاف أن الحزمة الثانية من التيسيرات الضريبية تعكس نهجًا جديدًا يقوم على الشراكة والاستماع إلى آراء الممارسين والخبراء، مؤكدًا أن نجاح أي إصلاح ضريبي لا يقاس فقط بجودة النصوص القانونية، وإنما بمدى وضوحها وقابليتها للتطبيق العملي، وقدرتها على الحد من المنازعات وتحقيق اليقين الضريبي.






