يحتاج المستثمرون في الوقت الراهن إلى اتخاذ قرار واحد فقط: هل يحتفظون بأسهم شركات أشباه الموصلات أم لا؟
كل ما عدا ذلك يبدو تفصيلاً ثانوياً. فمؤشر “فيلادلفيا لأشباه الموصلات” يتفوق على مؤشر “إس آند بي 500” بفارق 57 نقطة مئوية منذ بداية العام، حتى بعد التصحيح الحاد الذي شهده الأسبوع الماضي.
وفي المقابل، فقدت رهانات استثمارية أخرى كانت تحظى بشعبية في السابق – من العملات المشفرة إلى شركات الحوسبة السحابية العملاقة والمعادن النفيسة – الكثير من بريقها. حتى إنه يكاد يبدو أن الاستثمار في أصول أخرى غير شركات الرقائق مضيعة للوقت.
رهان الرقائق بين التفاؤل والحذر
يضع التراجع الأخير في الأسواق المستثمرين أمام مفترق طرق لافت. فمن جهة، قد يتيح هذا الهبوط الفرصة لاقتناص الأسهم عند تراجعها، إذا ما صدقت رؤية منتقي الأسهم الشهير غافين بيكر، الذي راهن مبكراً على شركتي “إنفيديا” و”سبيس إكس”.
ومن جهة أخرى، يتوقع المتشائمون تحولاً نحو أسهم أقل سعراً من خارج موجة الذكاء الاصطناعي، مثل شركات الرعاية الصحية أو التكنولوجيا الاستهلاكية. فعلى سبيل المثال، دعا مايكل بيري، الذي ذاع صيته بعد فيلم “ذا بيغ شورت” (The Big Short)، إلى اقتناص الفرص في سوق هونج كونج. فكيف لنا إذاً أن ننظر الآن إلى موجة صعود أسهم شركات الرقائق؟
يرى لويس-فنسنت غاف، من شركة “غافيكال ريسيرش” (Gavekal Research)، أن موجة الصعود في أسهم شركات الرقائق ليست سوى رهان على الاقتصاد الكلي، وتعكس توقعات بدخول الاقتصاد مرحلة ازدهار تضخمي. فصناعة أشباه الموصلات تُعد من أكثر الصناعات تأثراً بالدورات الاقتصادية، كما أنها من أكثرها اعتماداً على الإنفاق الرأسمالي المكثف.
تأثرت معنويات السوق بالفعل بهذه النظرة المتفائلة. فبحسب أحدث استطلاع لمديري الصناديق أجراه “بنك أوف أميركا”، يتوقع 41% من المشاركين أن يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة ازدهار، وهي أعلى نسبة منذ فبراير 2022، في حين هبطت توقعات التضخم إلى أدنى مستوياتها منذ يناير 2025. كما يرى 61% من المشاركين أن عمالقة الحوسبة السحابية لن تُقدم على خفض إنفاقها الرأسمالي خلال العام الجاري.
رهان الندرة ومخاطر التقلبات
بناءً على ذلك، فإن أي تراجع في التفاؤل حيال الاقتصاد الكلي، سواء بسبب تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران أو اقتراب مجلس الاحتياطي الفيدرالي من رفع أسعار الفائدة، سيجعل أسهم أشباه الموصلات الأكثر تعرضاً للبيع. فهذه الأسهم تُصنَّف ذات “بيتا” عالية، ما يعني أن تقلباتها تكون أشد من تقلبات السوق الأوسع.
تعكس موجة صعود أسهم الرقائق رهاناً على الندرة أيضاً. إذ يتسابق المستثمرون إلى الشركات التي تتمتع بـ”خندق اقتصادي” حصين، أو ميزة تنافسية يصعب على المنافسين تقليدها، أملاً في أن تتيح لها هذه الأفضلية اقتناص حصة أكبر من الأرباح مع الطفرة غير المسبوقة في الطلب خلال عصر الذكاء الاصطناعي.
ويُعد قطاع رقائق ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية (DRAM) مثالاً واضحاً على ذلك، إذ تهيمن عليه ثلاث شركات فقط هي “سامسونج إلكترونيكس”، و”إس كيه هاينكس” (SK Hynix) و”مايكرون تكنولوجي” (Micron Technology)، وقد انضمت جميعها إلى نادي الشركات التي تجاوزت قيمتها السوقية تريليون دولار خلال العام الجاري.
هل تصمد تحصينات شركات الرقائق؟
في الوقت نفسه، على المستثمرين التساؤل ما إذا كانت هذه التحصينات عصية بالفعل على الاختراق. فعلى سبيل المثال، هل تستطيع شركة “تشانغشين ميموري تكنولوجيز” (ChangXin Memory Technologies)، المعروفة اختصاراً بـ”سي إكس إم تي” (CXMT)، أن تشكل تهديداً وجودياً لهيمنة الشركات الثلاث على سوق رقائق الذاكرة الديناميكية ذات الوصول العشوائي (DRAM)؟ وماذا عن مخاطر تدخل الجهات التنظيمية المعنية بمكافحة الاحتكار؟
ففي الأسبوع الماضي، داهمت السلطات الكورية الجنوبية مكاتب شركات “مونتاج تكنولوجي” (Montage Technology) الصينية، و”رينيساس إلكترونيكس” (Renesas Electronics) اليابانية، و”رامبوس” (Rambus) الأميركية، على خلفية مزاعم تثبيت الأسعار. وتورّد الشركات الثلاث منتجات واجهات الذاكرة إلى “سامسونغ إلكترونيكس” و”إس كيه هاينكس”.
أدى انتشار الخبر إلى هبوط سهم “مونتاج تكنولوجي”، المدرج في هونج كونج، بنسبة 23%. وأكدت الشركة، في إفصاح تنظيمي، أنها تتعاون بشكل كامل مع السلطات الكورية الجنوبية، مشيرةً إلى أنه لم تُوجَّه إليها أي اتهامات بارتكاب مخالفات.
هل أصبح نجاح الرقائق أكبر تحدياتها؟
أخيراً، لا تقل السيولة أهمية عن التقييمات في تداولات رقائق الذكاء الاصطناعي. ويتجلى ذلك بوضوح في حالة شركة “إس كيه هاينكس”، إذ جرى تداول شهادات الإيداع الأميركية الخاصة بها، المدرجة في الولايات المتحدة، بعلاوة قاربت 50% مقارنةً بأسهمها المدرجة في سيول في إحدى الفترات. ورغم أن السهمين يمنحان المستثمرين انكشافاً على الشركة نفسها، يبقى السؤال: أيهما يعكس القيمة العادلة لـ”إس كيه هاينكس”؟
وتبرز هذه المفارقة أهمية مراقبة السيولة عن كثب. فالمستثمرون بحاجة إلى متابعة تدفقات الأموال باستمرار، ولا سيما تحركات المستثمرين الأفراد، الذين بات تنامي دورهم يعيد رسم ملامح السوق ويقلب كثيراً من قواعدها الراسخة. فهل بدأ هؤلاء في البيع؟ وإن لم يفعلوا، فهل اتجهوا إلى تعزيز عمليات التحوط؟ هذه الإشارات لا تقل أهمية عن التطورات المتسارعة التي يشهدها قطاع أشباه الموصلات.
يبقى السؤال حول ما إذا كان ينبغي الاستثمار في أسهم شركات أشباه الموصلات محور النقاش الأبرز الذي يجب أن يشغل مديري الأصول هذا العام، لا سيما أولئك الذين تأخروا في الانضمام إلى هذه الموجة، ما أدى إلى تخلف أدائهم عن مؤشرات السوق.
لكن حسم هذا القرار ليس بسهل. فبعد هذه الموجة القوية من الصعود، تبقى احتمالات التعثر قائمة، إذ يمكن أن تسير أمور كثيرة على غير ما يشتهيه المستثمرون. ويبدو أن الرهان على أسهم شركات الرقائق بدأ يتحول إلى ضحية نجاحه.








