في وقتٍ تسعى فيه فنزويلا لاستعادة حضورها الكامل في السوق النفطية ببراميل نفطها الثقيل، تقترح دراسة صادرة عن مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية “كابسارك” حلاً لواحدة من أقدم الثغرات في بنية أسواق النفط العالمية: غياب مؤشر مرجعي لقياس وضع سوق لهذا النوع من الخامات.
وتقول الدراسة، التي نشرتها دورية “إنرجي إيكونوميكس” هذا الشهر بعد نشرها على موقع “كابسارك”، إن “أوبك” وصنّاع السياسات البترولية في الدول المصدّرة قد يستوحون من المؤشر إشارات على تعرّض السوق لضغط، مبنية على رصد اختلالات في مراكز تخزين النفط الثقيل الكبرى.
تنطلق الدراسة، التي أعدّتها جنيفر كونسيدين وفيليب غالكن وكارلو أندريا بولينو وعبدالله الدايل من مفارقة أن الخامات الثقيلة والثقيلة جداً تشكل من 50% الى 70% من احتياطيات النفط العالمية، الا أن حصتها لا تتجاوز 15% من الإنتاج العالمي، نظراً لصعوبة استخراجها وتكريرها.
“ثغرة حقيقية”
يرى وائل مهدي، خبير أسواق النفط السعودي والمؤلف المشارك لكتاب “أوبك في عالم النفط الصخري”، أن عدم وجود مؤشر لقياس وضع سوق الخامات الثقيلة يشكل “ثغرة حقيقية”، إذ أن مراجع التسعير العالمية كنفط برنت وغرب تكساس الوسيط هما مؤشران عاليا السيولة لكنهما يعكسان في الأساس قيمة الخامات الأخف، ولا يلتقطان دائماً اقتصادات البراميل الأثقل والأعلى محتوى من الكبريت”.
ويضيف أن الخام الثقيل “يظل ذا أهمية استراتيجية لمنظومة التكرير العالمية”، إذ استثمرت مصافٍ معقدة كثيرة “مليارات الدولارات في وحدات التكسير الهيدروجيني ونزع الكبريت خصيصاً لمعالجة اللقيم الأثقل”.
لم تستطع أي من النوعيات الثقيلة مثل “مايا” المكسيكي و”غرب كندا المختار” و”أورالس” الروسي و”كاستيا” الكولومبي و”ميري” الفنزويلي، أن تكرّس نفسها مرجعاً سعرياً عالمياً، بسبب انحصار شرائها من قبل مصافٍ متخصصة، وبسبب التباين الكبير بينها في اللزوجة والكثافة ومحتوى الكبريت وغياب عقود آجلة خاصة بها.
كما أن عدداً من منتجيها -روسيا وفنزويلا وإيران والعراق- كان أو ما زال عرضة لعقوبات أميركية تحدّ من بيع نفطه.
لذا يعمد المتداولون إلى تسعير الخام الثقيل على أساس الخامات القياسية الخفيفة والمتوسطة كبرنت ومتوسط نفطي عُمان/دبي وغرب تكساس الوسيط. على سبيل المثال، يُتداول حالياً خام غرب كندا المختار بسعر يقل بنحو 14 دولاراً للبرميل عن غرب تكساس، بحسب بيانات بلومبرغ.
خصوصية دورة النفط الثقيل الاقتصادية
يشير مهدي إلى أن قيمة الخام الثقيل تخضع لمحرّكات مستقلة عن دورة برنت؛ “من هوامش التحويل في المصافي، وأسعار زيت الوقود عالي الكبريت، وكلف نزع الكبريت، وقيود الأنابيب والموانئ، والعقوبات، وأسعار الشحن”. و يضيف على سبيل المثال أن “وقوع اضطراب في فنزويلا أو المكسيك أو العراق قد يؤدي إلى شدّ سوق الخام الثقيل، حتى حين يبدو الوضع النفطي العالمي مريحاً”.
ومن شأن رفع العقوبات الأميركية عن فنزويلا، صاحبة أكبر احتياطي نفطي في العالم، أن يمنح المؤشر دفعة، إذ إن أغلب خامها ثقيل. وكانت واشنطن قد بدأت تخفيف تلك العقوبات بعد اعتقال القوات الأمريكية الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو في يناير.
مقاربة مبنية على المخزون
نوعية المؤشر الذي أعدَته دراسة “كابسارك” قياسي، كمؤشر التضخم أو مؤشر البورصة، وليس سعراً للبرميل، أي أنه لا يصلح أساساً تعاقدياً لتسعير الشحنات، بل مرجعاً استرشادياً لوضع السوق، من حيث أنه يقيس درجة الضغط عند أربعة مراكز تخزين رئيسية –قرطاخنة في إسبانيا، وهيوستن في الولايات المتحدة، وفادينار في الهند، وداليان في الصين.
يعتمد المؤشر، بحسب الدراسة، على مقارنة سعر البرميل الموجود في كل من مراكز التخزين الأربعة وسعر أرخص برميل مماثل يمكن شحنه إلى الموقع نفسه مع احتساب كلفة النقل، ليتم بعد ذلك تجميع القيم الأربع في رقم عالمي واحد.
يدلُ ارتفاع المؤشر أن البراميل المخزَّنة صارت أغلى مما يمكن جلبه، بما يفتح نافذة مراجحة تدفع مشغّلي المصافي إلى الشراء من الخارج بدلاً من السحب من مراكز التخزين . ويرى الباحثون أن ارتفاع الطلب هذا قد يبرّر تخفيفاً لقيود الإنتاج المفروضة على منتجي الخام الثقيل داخل “أوبك” مثل فنزويلا والعراق، من دون أن يؤدي ذالك الى اختلال في السوق كون العدد الأكبر من المصافي في العام معيرَ لتكرير النوعيات الأخف.
“مؤشر باشيه المتسلسل لتخزين الخام الثقيل”
ترى الدراسة أن في وسع منظمة “أوبك” و و وكالة الطاقة الدولية رصد شحّ سعات التخزين والاختلالات الإقليمية في الإمداد من خلال المؤشر التي أطلقت عليه إسم “PHSIC”، أي مؤشر باشيه المتسلسل لتخزين الخام الثقيل، نسبةً إلى هيرمان باشيه، الاقتصادي الألماني الذي استُخدمت منهجيته في الدراسة.
و أضافت أنه “بإمكان “أوبك” و تحالف “أوبك+” الأوسع، الذي تقوده السعودية و روسيا، أن تستشهد بالمؤشر علناً، على غرار استشهاد البنوك المركزية بمعدلات التضخم، لتبرير قراراتها والتنبيه إلى ضرورة الحذر” من شح في أسواق النفط الثقيل.
قامت الدراسة في هذا الاطار بصياغة فقرة تحاكي أسلوب أوبك الاعلامي، تقول فيها على سبيل المثال: “تشير الضغوط الصعودية الأخيرة في مؤشر “PHSIC” إلى ضغط على سلاسل الإمداد الإقليمية، وستواصل مجموعة أوبك+ متابعة هذه التطورات عن كثب”.
أحد المؤشرات التي تعتمد عليها “أوبك” حالياً في تقييمها لأوضاع السوق هي مستوى المخزونات التجارية لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بالرغم من أنها لا تأخذ بعين الأعتبار مخزونات الصين والهند وسائر الاقتصادات غير الأعضاء في آسيا التي باتت تستحوذ على الجانب الأكبر من نمو الطلب.
لذا يرى مهدي أن إعداد مؤشر ذا مصداقية “قد يمنح المنتجين والمصافي والمتداولين رؤية أوضح لما إذا كان الخام الثقيل يتجه نحو ندرة بنيوية أم وفرة، وتستفيد منه دول الخليج و خاصةً السعودية التي تصدّر طيفاً واسعاً من الخامات”.








