تواجه الاستثمارات الخاصة في القطاع الطبي تحديات متعددة تبدأ من تخصيص الأرض وحتى الحصول على رخصة التشغيل، في ظل تعدد جهات الولاية وتداخل الإجراءات واختلاف الاشتراطات بحسب طبيعة المنشأة، إلى جانب عدم وضوح مدد البت في بعض المسارات.
ومع اتجاه الدولة لتطوير منظومة تراخيص المنشآت الطبية والتحول إلى الإجراءات الإلكترونية، يترقب القطاع الخاص استكمال الإصلاحات، سواء من خلال تطوير التشريعات المنظمة للمنشآت الطبية غير الحكومية أو إعادة تنظيم آليات التنفيذ، إلى جانب ربط الجهات صاحبة الاختصاص، وتحديد مدد زمنية واضحة، وتصنيف المنشآت وفق طبيعة النشاط ومستوى المخاطر.
ويتزامن ذلك مع طرح وزارة الصحة والسكان 21 قطعة أرض مجهزة كمساحات متاحة للاستثمار المباشر في القطاع الصحي، على أن يتم التعامل معها بنظام حق الانتفاع وليس بيع الأراضي، بما يعكس توجه الدولة إلى جذب استثمارات جديدة للقطاع.
وترصد «البورصة» أبرز التحديات التي تواجه المستثمرين ومقدمي خدمات الرعاية الصحية، ومطالب القطاع الخاص بتطوير منظومة التراخيص، إلى جانب موقف وزارة الصحة من التعديلات التشريعية والإجراءات الإلكترونية التي تم تطبيقها خلال الفترة الماضية.
عبدالغفار: هدفنا الموازنة بين سهولة التشغيل وضمان سلامة المرضى
بداية، قال حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان، إن التعديلات التشريعية الخاصة بتطوير قانون المنشآت الطبية غير الحكومية لا تزال داخل الوزارة.
وأضاف لـ«البورصة» أن هدف “الصحة” من تطوير المنظومة ليس زيادة الإجراءات أو إطالة زمن الترخيص، وإنما تحقيق معادلة متوازنة بين سهولة الاستثمار وضمان سلامة المرضى.
وأوضح عبدالغفار، أن التحدي لا يتمثل في وجود اشتراطات للترخيص في حد ذاتها، وإنما في أن تكون هذه الاشتراطات واضحة ومعلنة ومتناسبة مع طبيعة الخدمة، وأن تتم مراجعتها ومعاينتها ضمن إطار زمني محدد وبآلية موحدة.
وأشار إلى أن مدة العام لا يمكن اعتبارها قاعدة عامة أو متوسطًا معتمدًا لمنظومة التراخيص، موضحًا أن بعض الملفات الفردية أو الحالات ذات الطبيعة الإنشائية والفنية المعقدة قد تمتد لفترات طويلة، لكن ذلك لا يعني أن جميع طلبات الترخيص تستغرق عامًا.
ولفت عبدالغفار، إلى أن القطاع الصحي شهد خلال الفترة من 2014 وحتى 2025 تنفيذ أكثر من 1255 مشروعًا باستثمارات تجاوزت 222 مليار جنيه، بما يعكس حجم التوسع الذي شهده القطاع والفرص المتاحة أمام الاستثمارات الجديدة.
أضاف أن أسباب تأخر بعض الطلبات لفترات طويلة، لا يمكن اختزالها في نقص الموظفين فقط، إذ توجد ملفات مستوفاة من البداية ويمكن التعامل معها بصورة أسرع، بينما تحتاج ملفات أخرى إلى استكمال مستندات أو تعديل اشتراطات فنية أو إعادة معاينة أو الحصول على موافقات مرتبطة بطبيعة النشاط.
وأطلقت وزارة الصحة في فبراير 2025 ، المنظومة الإلكترونية الموحدة لتراخيص وتكويد المنشآت الطبية غير الحكومية، بما يتيح تقديم طلبات الترخيص ومتابعتها إلكترونيًا، إلى جانب استخراج الترخيص وتجديده وتحويل الرخص الورقية السارية إلى رقمية وتعديل البيانات وإصدار بدل فاقد أو إلغاء الترخيص.
وتشمل المنظومة، إجراءات المراجعة والمعاينة وإظهار نتائجها وسداد الرسوم إلكترونيًا وصولًا إلى إصدار الرخصة الرقمية، إلى جانب وضع رمز QR على الرخصة بما يسمح للمواطن بالتحقق من قانونية المنشأة والتخصصات المرخص لها بالعمل فيها.
أكد عبدالغفار، أن إطلاق المنظومة لا يمثل نهاية التطوير، وإنما بداية لمرحلة تعتمد بصورة أكبر على البيانات وقياس الأداء والزمن الفعلي لكل خطوة.
وأوضح أن الاتجاه هو تجميع رحلة المستثمر قدر الإمكان في مسار موحد رقميًا، مع بقاء الاختصاصات الفنية للجهات صاحبة الولاية القانونية.
أشار عبدالغفار، إلى أن مديرية الصحة بقنا أصدرت خلال أبريل 2026 تراخيص لـ17 منشأة طبية خاصة، بالتزامن مع المرور على 182 منشأة للتأكد من الالتزام بالاشتراطات الصحية والقانونية.
وأضاف أن حملات الوزارة خلال يونيو 2026 بمحافظات قنا وأسوان والمنيا والجيزة أسفرت عن غلق وتشميع 27 منشأة طبية غير مرخصة، وضبط مخالفات تتعلق بانتحال صفة الممارسة الطبية.
أكد عبدالغفار، أن المعادلة ليست «إما الاستثمار أو الرقابة»، موضحًا أن الرقابة الجيدة تجعل الاستثمار الصحي أكثر استدامة، لأن المستثمر الجاد يحتاج إلى سوق واضحة القواعد، والمواطن يحتاج إلى خدمة آمنة، والدولة تستهدف زيادة الطاقة الاستيعابية للقطاع دون الإخلال بسلامة المرضى.
سمير: حل الأزمة قد يجذب استثمارات بـ8 مليارات دولار
وقال خالد سمير، وكيل غرفة مقدمي خدمات الرعاية الصحية باتحاد الصناعات، إن ملف تراخيص المنشآت الطبية شهد خطوات إصلاحية مهمة من جانب وزارة الصحة، خاصة في مجال تبسيط الإجراءات والتحول الرقمي، إلا أن أحد أبرز التحديات لا يزال مرتبطًا بتعدد الجهات الحكومية المشاركة في عملية الترخيص.
وأوضح أن المنشأة الطبية قد تحتاج، بجانب الموافقات الصحية، إلى التعامل مع المحليات ووزارة البيئة والحماية المدنية وغيرها، بحسب طبيعة النشاط وموقع المنشأة، وهو ما قد يؤدي إلى استيفاء المستثمر للاشتراطات الصحية مع استمرار عدم قدرته على بدء التشغيل لحين استكمال باقي الموافقات.
وأكد أن تأخر الترخيص لا يمثل عائقًا إداريًا فقط، وإنما يتحول إلى تكلفة اقتصادية مباشرة نتيجة استمرار تحمل الإيجارات وتكاليف التمويل والرواتب والصيانة والتأمين والمعدات ورأس المال دون تحقيق إيرادات.
وأشار سمير ، إلى أن حل منظومة التراخيص وتسهيل إجراءاتها يمكن أن يسهم في جذب استثمارات تصل إلى 8 مليارات دولار، لافتًا إلى وجود تحركات استثمارية جديدة في القطاع، من بينها بحث تحالف بين حسن علام القابضة ومسؤولي مجموعة رونيسانس القابضة التركية فرص ضخ استثمارات في الرعاية الصحية، من خلال مشروع مستشفى متكامل بالقاهرة بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص «PPP»، يستهدف مجمعًا طبيًا بسعة إجمالية تبلغ 4200 سرير.
الغندور: الفترة من تخصيص الأرض حتى التشغيل تستغرق 50 شهرًا
وقال محمد عبدالله الغندور، الرئيس التنفيذي ونائب رئيس مجلس إدارة مجموعة الغندور الطبية ورئيس لجنة الصحة بجمعية مستثمري مدينة العاشر من رمضان، إن المشكلة الأساسية في ملف تراخيص المنشآت الطبية ليست في وجود القوانين، وإنما في آلية تنفيذها وتعدد الإجراءات بين الجهات.
وأوضح أن لجنة الصحة بجمعية المستثمرين بالعاشر من رمضان تقدر مدة ترخيص العيادات أو المعامل، في حالة المنشآت البسيطة والمباني المستوفية، بنحو شهرين إلى 4 أشهر، بينما تتراوح مدة ترخيص مراكز الأشعة بين 4 و8 أشهر نتيجة تعدد المسارات الرقابية.
أضاف أن المستشفى الجديد قد يحتاج من 8 إلى 14 شهرًا من اكتمال المبنى وحتى الحصول على رخصة التشغيل، بينما تصل الدورة الكاملة من تخصيص الأرض وحتى التشغيل الفعلي إلى متوسط 50 شهرًا.
وأوضح أن المشكلة الأكبر بالنسبة للمستثمر ليست فقط طول الفترة، وإنما عدم القدرة على التنبؤ بها، لأن المدة غير المحددة يصعب إدخالها في دراسات الجدوى وخطط التمويل والتعاقدات.
وأشار الغندور، إلى أن منظومة الحريق من أبرز البنود التي ترفع تكلفة إنشاء وتجهيز المستشفيات، وتشمل الرشاشات وخزانات وطلمبات الحريق وأنظمة الإنذار وضغط السلالم وتصريف الدخان وفواصل الحريق ومصادر الطوارئ.
أضاف أن المساحات الخدمية وغير المنتجة تمثل بدورها تكلفة على المستثمر، موضحًا أن المساحة المنتجة في المستشفى قد تتراوح بين 55% و65% من إجمالي المسطح المبني.
وأكد أن تأخر التشغيل يؤدي إلى تحمل المستثمر تكاليف دون تحقيق إيرادات، تشمل فوائد التمويل والرواتب والإيجارات والحراسة والصيانة والتأمين والإهلاك، فضلًا عن تكلفة الفرصة البديلة.
وتابع: “أحد الحلول يتمثل في تحويل الموافقات التي لا توجد بينها تبعية فنية إلى إجراءات متوازية بدلًا من تتابعها، إلى جانب إجراء معاينات مشتركة بدلًا من تعدد الزيارات”.
وطالب الغندور بوضع مسار قانوني واضح لتوفيق أوضاع المنشآت الصحية القائمة، خاصة المباني التي أُنشئت قبل تطبيق بعض الأكواد والاشتراطات الحالية.
وأشار إلى إمكانية الاستفادة من تجارب سابقة في وضع أكواد خاصة بالمباني القائمة، مستشهدًا بقراري وزير الإسكان رقمي 525 و526 لسنة 2019 بشأن بعض المنشآت القائمة.
كما دعا إلى السماح بالحلول الهندسية المكافئة في الحالات التي يتعذر فيها التطبيق الحرفي للاشتراطات على مبنى قائم، بشرط تحقيق مستوى السلامة المطلوب من خلال حلول فنية معتمدة.
وطالب بأن يتضمن المسار الجديد كودًا للمباني القائمة، ومهلة واضحة لتوفيق الأوضاع، وآلية للتعامل مع الحالات التي يستحيل فيها التطبيق الحرفي لبعض الاشتراطات.
أكد الغندور، ضرورة تصنيف المنشآت الطبية وفق مستوى المخاطر وطبيعة النشاط، بحيث تختلف الاشتراطات والإجراءات بين العيادات والمعامل ومراكز الأشعة والمستشفيات والمنشآت التي تقدم خدمات عالية الخطورة.
واقترح أن يعتمد التصنيف على مستوى المخاطر السريرية وحجم المنشأة، بما يسمح بتحديد حزمة اشتراطات واضحة ومدة معيارية للبت ودورية التفتيش والجهة المختصة بالترخيص لكل فئة.
قال الغندور، إن عدم وجود تمييز قانوني بين المستثمر المصري والأجنبي لا يمنع وجود تأثير عملي لعدم وضوح مدد وإجراءات الترخيص.
وأوضح أن المستثمر الأجنبي يحتاج إلى تحديد موعد واضح لبدء التشغيل عند إعداد النموذج المالي للمشروع، وبالتالي فإن عدم القدرة على التنبؤ بالمدة قد تدفعه إلى اختيار أسواق أخرى يستطيع فيها تحديد الجدول الزمني والتكاليف بصورة أكبر.
أشار الغندور، إلى إمكانية الاستفادة من المادة 20 من قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017، الخاصة بالموافقة الواحدة للمشروعات ذات الطابع الاستراتيجي، وتوسيع نطاق الاستفادة منها في المشروعات الصحية وفق ضوابط محددة.
وأكد أن الهدف ليس إلغاء الرقابة أو الاشتراطات، وإنما إعادة تنظيمها بما يسمح ببدء التشغيل في وقت معلوم، مع تعزيز الرقابة خلال مرحلة التشغيل.
سعيد: يجب وضع سقف زمني واضح للبت في طلبات الترخيص
وقالت إيرين سعيد، عضو لجنة الشئون الصحية بمجلس النواب، إن اللجنة لم تتلق حتى الآن تعديلات تشريعية تتعلق بقوانين تراخيص المنشآت الطبية.
أضافت أن بعض مقدمي الخدمة قد يستغرقون سنوات في إجراءات إنشاء وترخيص منشآت متخصصة، مثل مراكز الغسيل الكلوي، وهو ما يؤخر دخول منشآت جديدة إلى الخدمة.
وطالبت بوضع سقف زمني واضح للجهات المختصة للبت في طلبات الترخيص، بحيث يعرف مقدم الخدمة موعدًا محددًا للحصول على القرار بدلًا من ترك الطلبات لفترات انتظار مفتوحة.
أكدت سعيد، أن أزمة التراخيص لا تحتاج بالضرورة إلى مشروع قانون جديد، من وجهة نظرها، معتبرة أن جانبًا كبيرًا من المشكلة تنفيذي ويمكن التعامل معه من خلال تطوير الإجراءات وتحديد المسئوليات والمدد الزمنية.
نادر: الاستحواذ على منشأة قائمة أسهل من البدء من الصفر
وقالت شيرين نادر، استشارية الحضانات وحديثي الولادة ومديرة وحدة الحضانات بالمستشفى السعودي الألماني، إن اشتراطات العلاج الحر تتطلب مواصفات محددة للمكان، تشمل وجود مدخل يسمح بدخول سيارة الإسعاف، ومخرج للطوارئ، وأجهزة مكافحة الحريق وأنظمة الإنذار، إلى جانب اشتراطات التخلص من النفايات الطبية والتعقيم وغيرها.
وأوضحت أن إجراءات الترخيص قد تستغرق عامًا أو أكثر في بعض الحالات، وهو ما يجعل الاستحواذ على منشأة قائمة خيارًا أكثر سهولة، خاصة إذا كانت تعمل ولديها تراخيص سارية.
أضافت نادر، أن المستثمر في هذه الحالة يستطيع التركيز على التجديدات والتوسعات وشراء الأجهزة الجديدة، بدلًا من بدء دورة الترخيص بالكامل من الصفر.
كامل: نقص الكوادر المؤهلة يطيل الإجراءات
وقالت مؤمنة كامل، رئيس مجلس إدارة مجموعة معامل «المختبر»، إن طول المدة اللازمة لاستخراج التراخيص يمثل أحد أصعب التحديات التي تواجه المنشآت الطبية.
وأضافت أن من بين مشكلات المنظومة، نقص أعداد العاملين المؤهلين للتعامل مع إجراءات الترخيص، إلى جانب الحاجة إلى رفع كفاءة العاملين على المنظومة وتسريع استخراج التراخيص.
وأكدت ضرورة مراعاة اختلاف قدرات المنشآت وطبيعة الخدمات التي تقدمها عند وضع متطلبات الترخيص، موضحة أن المستشفى القادر على إجراء جراحات المخ والأعصاب لا يمكن أن يكون متطلبات الترخيص الخاصة به مماثلة لمنشأة لا تقدم هذا النوع من الخدمات.








