تشهد خريطة تقييمات الأسهم بالبورصة المصرية تحولًا ملحوظًا مع الارتفاعات القوية التي سجلتها السوق خلال العام الجاري، بعد سنوات مثّلت فيها مضاعفات الربحية المنخفضة إحدى أبرز نقاط الجذب للمستثمرين.
ويثير صعود مضاعفات الربحية تساؤلات حول مدى قدرة نمو أرباح الشركات على اللحاق بالارتفاعات السعرية، وما إذا كانت التقييمات الحالية تعكس تحسنًا حقيقيًا في أساسيات الشركات، أم أن جانبًا من الأسهم سبق نمو الأرباح ودخل بالفعل في نطاقات سعرية مرتفعة.
وتزامن ارتفاع أسعار الأسهم مع ثبات أسعار الفائدة وتحسن شهية المستثمرين للمخاطرة، إلى جانب نمو أرباح عدد من الشركات واستمرار تدفقات السيولة إلى السوق، ما دفع مضاعفات الربحية في عدد من القطاعات إلى مستويات أعلى مقارنة بالسنوات الماضية، مع استمرار وجود فروق كبيرة بين تقييمات القطاعات والأسهم.
وبحسب بيانات البورصة المصرية، تصدر قطاع الخدمات التعليمية قائمة القطاعات الأعلى من حيث مضاعف الربحية عند 38.3 مرة، يليه قطاع الرعاية الصحية والأدوية بنحو 31.16 مرة، ثم الأغذية والمشروبات والتبغ عند 30.93 مرة، والخدمات والمنتجات الصناعية والسيارات بنحو 26.61 مرة، والمقاولات والإنشاءات الهندسية عند 23.75 مرة.
في المقابل، جاءت البنوك بين القطاعات الأقل تقييمًا بمضاعف ربحية بلغ 4.42 مرة، تلاها قطاع الطاقة والخدمات المساندة عند 4.79 مرة، ثم السياحة والترفيه عند 11.25 مرة، والمنسوجات والسلع المعمرة عند 12.26 مرة، والموارد الأساسية عند 12.9 مرة، بينما سجل قطاعا الاتصالات والخدمات المالية غير المصرفية مضاعفي ربحية عند 13.51 و15.03 مرة على الترتيب.
التقييمات المرتفعة تتركز في أسهم محددة
قال عمرو الألفي، رئيس استراتيجيات الأسهم بشركة ثاندر، إن الصعود الذي شهدته البورصة المصرية خلال العام الجاري لم يكن مفاجئًا، إلا أن عودة الأسهم الصغيرة إلى صدارة الأداء مقابل الأسهم القيادية تعكس تنامي دور المستثمرين الأفراد في قيادة حركة السوق خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح أن تقييم السوق لا يمكن الحكم عليه من خلال متوسطات المؤشرات فقط، وإنما يتطلب تحليل كل سهم على حدة، عبر مقارنة مضاعف الربحية الحالي بمتوسطه التاريخي، إلى جانب معدلات نمو الأرباح المتوقعة وعائد توزيعات الأرباح، باعتبارها عوامل أساسية لتحديد القيمة العادلة.
وأضاف أن السوق يضم في الوقت الحالي أسهمًا ارتفعت تقييماتها إلى مستويات مبالغ فيها، مقابل أسهم أخرى لا تزال تتداول دون قيمها العادلة ولا تعكس قوة أساسياتها المالية.
الألفي: الفقاعات السعرية تتركز في أسهم بعينها لا السوق ككل
وأكد الألفي أن الأسهم المصرية ما زالت أرخص نسبيًا مقارنة بالأسواق الناشئة، إذ تتداول عند مضاعفات ربحية مستقبلية تتراوح بين 7 و8 مرات، مقابل 9 إلى 11 مرة في الأسواق الناشئة، مع ضرورة مراعاة الفروق في توقعات نمو الأرباح بين الأسواق.
وأشار إلى أن المفاضلة بين أسهم القيمة وأسهم النمو لا يمكن حسمها بصورة مطلقة، موضحًا أن النصف الأول من العام شهد انتقال جزء من السيولة إلى أسهم النمو، وهو ما انعكس في الأداء الأفضل لمؤشر EGX70 مقارنة بـEGX30.
وأضاف أن بعض أسهم القيمة تمتلك في الوقت نفسه مقومات نمو قوية، ما يجعل معيار قدرة الشركة على خلق قيمة اقتصادية أكثر أهمية من التصنيف التقليدي بين أسهم القيمة والنمو.
البنوك.. فرص انتقائية رغم المكاسب
وفيما يتعلق بالقطاع المصرفي، أوضح الألفي أن أسهم البنوك حققت مكاسب قوية خلال العامين الماضيين، إلا أن تقييمها يجب أن يستند إلى العلاقة بين مضاعف القيمة الدفترية والعائد على حقوق الملكية.
وأشار إلى أن بعض البنوك تستحق التداول بعلاوة سعرية نتيجة ارتفاع ربحيتها وسيولتها، بينما لا تزال بنوك أخرى تتداول عند قيمتها الدفترية أو أقل منها، وهو ما يبقي على فرص استثمارية انتقائية داخل القطاع.
ويرى الألفي أن قطاعي الرعاية الصحية والتعليم لا يزالان من أكثر القطاعات الواعدة، بدعم من النمو السكاني واستمرار الطلب على الخدمات، ما يعزز جاذبيتهما على المدى الطويل.
وتوقع أن تحقق الشركات المقيدة نموًا في الأرباح يتجاوز 10% خلال العام المقبل، بدعم من نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي وقدرة معظم الشركات على تمرير جانب من ارتفاع التكاليف إلى المستهلكين.
وأوضح أن نمو الأرباح قد يسهم في استقرار التقييمات الحالية ثم خفض مضاعفات الربحية تدريجيًا مع زيادة الأرباح، مؤكدًا أن السوق لا يشهد فقاعة سعرية على مستوى القطاعات.
وقال إن حالات المبالغة في التقييم تتركز داخل عدد محدود من الأسهم التي ترتفع بدافع الزخم والمضاربات دون وجود تطورات جوهرية تدعم هذا الصعود، مشددًا على ضرورة ربط تقييم السهم بأدائه التشغيلي وقيمته العادلة.
المتغيرات الاقتصادية أعادت تشكيل خريطة الأرباح
قال مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث بشركة أسطول القابضة، إن ارتفاع مضاعفات الربحية في عدد من قطاعات البورصة يعكس بصورة كبيرة تحسن أساسيات الشركات المستفيدة من المتغيرات الاقتصادية العالمية، إلى جانب الارتفاعات القوية في أسعار الأسهم.
وأوضح أن الأسواق مرت خلال السنوات الأخيرة بسلسلة من التطورات الاستثنائية، بدأت بتداعيات جائحة كورونا، مروراً بالتوترات الجيوسياسية وارتفاع التضخم وأسعار الفائدة عالميًا، وهو ما انعكس بصورة متفاوتة على أداء القطاعات الاقتصادية وتقييماتها.
وأضاف أن قطاعات مثل الأسمدة والبتروكيماويات كانت من أبرز المستفيدين من تلك المتغيرات، خاصة مع ارتفاع الأسعار العالمية لليوريا والأمونيا، ما دعم نتائج أعمال الشركات ورفع تقييماتها السوقية.
شفيع: تحسن أساسيات الشركات وراء جانب كبير من ارتفاع التقييمات
وأكد أن ارتفاع مضاعفات الربحية في هذه الحالات لم يكن نتيجة صعود الأسعار فقط، وإنما جاء مدفوعًا أيضًا بتحسن الأداء التشغيلي ونمو الأرباح.
وأشار شفيع إلى أن السوق المصرية لا تزال تتمتع بجاذبية استثمارية مقارنة بالعديد من الأسواق الناشئة، رغم ارتفاع مضاعفات الربحية خلال الفترة الأخيرة، موضحًا أن التقييمات الحالية لا تزال أقل من نظيراتها في عدد من الأسواق الإقليمية والناشئة.
أسهم القيمة تتصدر المشهد
وأوضح أن الاختيار بين أسهم القيمة وأسهم النمو يرتبط باستراتيجية كل مستثمر، إلا أن أسهم القيمة لا تزال تحافظ على جاذبيتها، باعتبارها تمثل شركات مستقرة ماليًا وتمتلك سجلًا واضحًا من تحقيق الأرباح، ما يجعلها أقل مخاطرة نسبيًا خلال فترات ارتفاع التقييمات.
وفي القطاع المصرفي، قال شفيع إن البنوك تظل من أكثر القطاعات جاذبية، بعدما استفادت خلال السنوات الماضية من دورة التشديد النقدي وارتفاع أسعار الفائدة، بما انعكس على نتائج أعمالها.
وأضاف أن معظم البنوك لا تزال تتداول عند مضاعفات قيمة دفترية أقل من مستوياتها العادلة، ما يشير إلى استمرار وجود فرص استثمارية داخل القطاع.
ويرى شفيع أن قطاعات الأدوية والخدمات الصحية والخدمات اللوجستية توفر فرصًا جيدة، إلى جانب بعض شركات الصناعات الثقيلة مثل مصر للألومنيوم، في ظل وجود فجوة بين قيمها السوقية والقيم العادلة.
وأوضح أن نتائج أعمال شركات الأسمدة قد تواجه تباطؤًا نسبيًا خلال النصف الثاني من العام مع تغير بعض العوامل التي دعمت أرباحها سابقًا، بينما يتوقع استمرار الأداء القوي للشركات المستفيدة من ارتفاع أسعار النفط، مثل أموك والقلعة، إلى جانب استمرار تحسن نتائج شركات الرعاية الصحية والأدوية والقطاع المصرفي.
طه: البنوك والأسمدة ما زالت توفر فرصًا استثمارية
وقالت سلمى طه، رئيس قسم البحوث بشركة نعيم للوساطة المالية، إن مضاعف الربحية الوسيط لنحو 80 شركة رابحة في البورصة المصرية يبلغ حاليًا نحو 13.5 مرة، وهو مستوى يقترب من متوسط الأسواق الناشئة الذي يتراوح بين 12 و16 مرة.
وأوضحت أن ذلك يعني أن السوق لم يعد يتمتع بخصم التقييم الكبير الذي كان يميزه خلال السنوات الماضية، إلا أنه في الوقت نفسه لا يمكن وصفه بأنه مرتفع التقييم بصورة عامة.
وأشارت إلى أن ارتفاع مضاعفات الربحية مقارنة بعام 2023 يعكس في جانب منه تحسنًا حقيقيًا في أساسيات الشركات، مدفوعًا بإعادة تسعير الأصول والإيرادات عقب تحركات سعر الصرف، إلى جانب الأداء القوي للبنوك خلال فترة ارتفاع أسعار الفائدة واتساع هوامش العائد.
وأضافت أن الشركات ذات الإيرادات الدولارية، خاصة العاملة في قطاعات الأسمدة والتصدير، استفادت كذلك من انخفاض قيمة الجنيه، ما دعم قدرتها على تحقيق نمو في الإيرادات والأرباح.
أسهم سبقت أرباحها
ولفتت طه إلى أن بعض الأسهم ارتفعت تقييماتها بوتيرة تجاوزت نمو أرباحها، مدفوعة بتوقعات متفائلة أو عوامل مضاربية، وهو ما يزيد احتمالات تعرضها لإعادة تسعير إذا لم تتحقق توقعات النمو.
وتوقعت استمرار نمو أرباح الشركات خلال العام المقبل، بما قد يؤدي إلى تراجع مضاعفات الربحية تدريجيًا، إلا أن ذلك سيظل مرتبطًا بمسار خفض أسعار الفائدة، وأداء الشركات خلال النصف الثاني من العام، واتجاهات سعر الصرف، إلى جانب تطورات أسعار الطاقة والمواد الخام في ظل الأوضاع الإقليمية.
وأكدت طه عدم وجود فقاعة سعرية على مستوى السوق ككل، لكنها أشارت إلى وجود مبالغة واضحة في تقييم بعض الأسهم الصغيرة والمضاربية التي تتداول عند مضاعفات ربحية تتجاوز 25 مرة دون مبررات تشغيلية كافية.
البنوك والأسمدة في صدارة الفرص
ورجحت استمرار جاذبية أسهم القيمة خلال المرحلة الحالية، وفي مقدمتها القطاع المصرفي، الذي لا تزال بعض أسهمه تتداول عند مضاعفات ربحية منخفضة تتراوح بين 3.6 و5.9 مرة.
وأوضحت أن القطاع يستفيد من التوسع الائتماني وإمكانية تحسن التصنيف الائتماني لمصر، مع بقاء وتيرة خفض أسعار الفائدة عاملًا مؤثرًا في ربحية البنوك خلال الفترة المقبلة.
وأضافت أن فرص الاستثمار ما زالت قائمة في شركات الأسمدة والشركات ذات الإيرادات الدولارية، إلى جانب بعض شركات العقارات الكبرى، مع ضرورة الانتقاء داخل كل قطاع.
وأشارت إلى أن أسهم النمو، خاصة العاملة في التكنولوجيا المالية والخدمات، يمكن أن تظل جاذبة إذا كانت تقييماتها مدعومة بنمو فعلي ومستدام في الأرباح.







