فتحت صفقات الاستحواذ الأخيرة على شركات النقل والخدمات اللوجستية المدرجة في البورصة المصرية الباب أمام موجة محتملة من إعادة تقييم القطاع، في ظل دخول مستثمرين استراتيجيين يسعون للاستحواذ على حصص مؤثرة بشركات تعمل في أنشطة النقل والشحن والخدمات الملاحية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع عدد من الصفقات والعروض التي تستهدف شركات النقل والخدمات اللوجستية المدرجة في البورصة المصرية، إذ أعلنت شركة أفريكا جلوبال لوجيستيكس عن رغبتها في الاستحواذ على حصة لا تقل عن 75% من أسهم شركة إيجيترانس بسعر مبدئي يتراوح بين 11.25 و12.25 جنيه للسهم، كما أبدى الصندوق العربي للطاقة اهتمامه بالاستحواذ على نحو 20% من أسهم ماريدايف بسعر يتراوح بين 0.65 و0.72 دولار للسهم.
وفي الوقت ذاته، تواصل بلاكاسبيان الإماراتية التابعة لمجموعة موانئ أبوظبي مساعيها لزيادة حصتها في الإسكندرية لتداول الحاويات من خلال عرض للاستحواذ على النسبة المكملة للوصول إلى 90% من أسهم الشركة، وهو ما أعاد تسليط الضوء على القيمة الاستراتيجية لشركات النقل والخدمات اللوجستية المدرجة في السوق المصرية.
وأثارت العلاوات السعرية المرتبطة ببعض العروض الأخيرة تساؤلات حول مدى تعبير أسعار التداول الحالية عن القيمة الحقيقية لأصول شركات النقل، وما إذا كانت هذه الصفقات تمثل بداية تحول في نظرة المستثمرين للقطاع باعتباره أحد القطاعات الاستراتيجية المستفيدة من المتغيرات الإقليمية وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.
التدفقات النقدية والعقود أهم من الأصول
قال سيف الدين عوني، العضو المنتدب لشركة إيليت للاستشارات المالية، إن الاهتمام المتزايد بقطاع النقل واللوجستيات في مصر يأتي مدفوعًا بتحسن البيئة التشغيلية والاستثمارية والتشريعية، وهو ما عزز شهية المستثمرين للبحث عن فرص جديدة داخل القطاع.
وأضاف أن التعديلات التشريعية وتحسن المنصات التشغيلية والاستثمارية المرتبطة بالنقل والخدمات اللوجستية ساهمت في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة لنمو الأنشطة المختلفة، سواء في النقل البري أو البحري، إلى جانب استفادة القطاع من النشاط المتزايد للقطاعات الاقتصادية الأخرى التي تعتمد على الخدمات اللوجستية.
وأوضح عوني أن تقييم شركات النقل لا يعتمد فقط على قيمة الأصول المملوكة، وإنما يرتكز بصورة أكبر على قدرتها على توليد التدفقات النقدية، والحصول على العقود طويلة الأجل، والحفاظ على قاعدة العملاء.
عوني: التدفقات النقدية والعقود وعلاقات العملاء أساس تقييم بقطاع النقل واللوجستيات
وأشار إلى أن طبيعة النشاط القائم على العقود التشغيلية تجعل التدفقات النقدية المتوقعة عنصرًا محوريًا في تحديد القيمة العادلة للشركات، موضحًا أن السوق المصرية تشهد تفاوتًا في الفجوات بين القيم السوقية والقيم العادلة لعدد من الشركات، ما يتطلب دراسة كل حالة على حدة.
وأكد أن المنافسة في قطاع النقل واللوجستيات شديدة، وهو ما يفرض على المستثمرين إجراء فحص دقيق للشركات المستهدفة، مع التركيز على كفاءة الإدارة التنفيذية، ومستوى المخاطر، والقدرة على التعامل مع المتغيرات التشغيلية.
وأضاف أن القطاع يظل مرتبطًا بأداء القطاعات الاقتصادية الأخرى التي يخدمها، ما يعني أن تحسن بيئة الاستثمار والنشاط الاقتصادي ينعكس مباشرة على الطلب على خدمات النقل واللوجستيات.
صفقات إيجيترانس وماريدايف تكشف قيمة استراتيجية
من جانبه، قال محمد رضا، الرئيس التنفيذي لمجموعة سوليد كابيتال للاستشارات المالية، إن قطاع النقل والخدمات اللوجستية يعد من القطاعات المرشحة لإعادة النظر في تسعيرها، ليس فقط نتيجة تحسن الربحية، وإنما أيضًا مع ظهور مستثمرين استراتيجيين مستعدين لدفع أسعار أعلى للحصول على حصص مؤثرة داخل الشركات.
وأضاف أن صفقات الاستحواذ الأخيرة على شركتي «إيجيترانس» و«ماريدايف» تمثل اختبارًا عمليًا للقيمة الحقيقية لشركات النقل المدرجة، وتثير تساؤلات حول ما إذا كانت أسعار التداول السابقة تعكس بالفعل القيمة الاقتصادية والاستراتيجية لهذه الشركات.
وأوضح أن علاوة الاستحواذ لا تعني بالضرورة أن السهم كان مقومًا بأقل من قيمته العادلة بالنسبة نفسها، إذ إن المستثمر الاستراتيجي يدفع أيضًا مقابل السيطرة وتحقيق التكامل التشغيلي والاستفادة من شبكة العلاقات والأصول وفرص التوسع المستقبلية.
رضا: علاوات الاستحواذ قد تدفع المستثمرين لإعادة النظر في التقييم
وأشار إلى أن عرض شركة «أفريكا جلوبال لوجيستيكس» للاستحواذ على «إيجيترانس» بسعر مبدئي يتراوح بين 11.25 و12.25 جنيه للسهم، وبحد أدنى 75% من أسهم الشركة، يعكس رؤية استراتيجية لشركة تمتلك مقومات التحول إلى منصة لوجستية أكبر، خاصة مع خطط دمج شركة «نوسكو».
وفي المقابل، يرى رضا أن صفقة «ماريدايف» تمثل مؤشرًا أكثر وضوحًا من حيث حجم العلاوة السعرية، بعد إبداء الصندوق العربي للطاقة رغبته في الاستحواذ على نحو 20% من الشركة بسعر مبدئي يتراوح بين 0.65 و0.72 دولار للسهم، بعلاوة تصل إلى 57.3% مقارنة بمتوسط سعر السهم خلال الأشهر الستة السابقة.
وأكد أن هذه العلاوات تكشف عن وجود قيمة استراتيجية لا تظهر بالكامل في أسعار التداول، وقد ترتبط بالأصول أو العقود أو قاعدة العملاء أو فرص النمو والتوسع أو إمكانية دمج الشركة داخل شبكة إقليمية أكبر.
إعادة تقييم انتقائية للقطاع
ويرى رضا أن تأثير صفقات الاستحواذ لن يقتصر على الشركات المستهدفة فقط، بل قد يمتد إلى شركات النقل والخدمات اللوجستية الأخرى، إذا استمرت الصفقات وظهرت علاوات سعرية مماثلة.
وأوضح أن السوق لا يعيد تقييم قطاع كامل بسبب صفقة أو صفقتين، إلا أن تكرار العمليات يوفر مراجع سعرية جديدة للشركات المماثلة، ويشجع المستثمرين على تقييم الأصول من منظور استراتيجي وليس فقط وفقًا للأرباح الحالية أو مضاعفات الربحية التقليدية.
وأشار إلى أن الاهتمام المتزايد بأصول الموانئ والخدمات الملاحية يدعم هذه النظرة، لافتًا إلى أن شركة «الإسكندرية لتداول الحاويات» تعد من أبرز الشركات المرشحة للاستفادة من إعادة تقييم القطاع، في ظل اهتمام استثماري مباشر من مجموعة موانئ أبوظبي.
وأوضح أن شركة Black Caspian Logistics التابعة لمجموعة موانئ أبوظبي تقدمت بعرض للاستحواذ على النسبة المكملة للوصول إلى 90% من أسهم الإسكندرية لتداول الحاويات بسعر 27.47 جنيه للسهم، بزيادة 19.5% عن العرض السابق.
وأضاف أن تداول سهم الشركة عند مستويات تفوق سعر العرض يعكس أن السوق بدأ بالفعل في منح قيمة أعلى للأصول اللوجستية والاستراتيجية، حتى خارج نطاق أسعار الاستحواذ المعلنة.
وقال إن هذه التطورات تشير إلى تحول تدريجي في طريقة تقييم شركات النقل، من اعتبارها شركات خدمات تحقق أرباحًا دورية فقط، إلى النظر إليها باعتبارها مالكة لأصول استراتيجية يصعب تكرارها، وهو ما قد يدعم منحها مضاعفات تقييم أعلى خلال الفترة المقبلة.
ورجح أن تستفيد شركات مثل الإسكندرية لتداول الحاويات والقناة للتوكيلات الملاحية وماريدايف وإيجيترانس من هذا الاتجاه، وإن بدرجات متفاوتة وفقًا لطبيعة النشاط والأصول والفرص المتاحة لكل شركة.
محدودية الشركات المدرجة تدعم فرص إعادة التسعير
بدوره، قال مصطفى شفيع، مدير إدارة البحوث بشركة أسطول القابضة، إن قطاع النقل واللوجستيات أصبح من أكثر القطاعات الواعدة في السوق المصرية، في ظل تصاعد اهتمام المستثمرين العالميين بالاستحواذ على شركات تعمل في هذا المجال.
وأضاف أن تمثيل القطاع داخل البورصة المصرية لا يزال محدودًا، وهو ما يجعل أي صفقة استحواذ أو تقييم جديد مؤثرًا بصورة أكبر على نظرة المستثمرين للقطاع بالكامل.
وأوضح أن عرض الاستحواذ على «إيجيترانس» يعكس اهتمامًا متزايدًا بإمكانات القطاع، خاصة مع تزايد أهمية مصر كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية.
وأشار إلى أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة، واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، رفعت من أهمية الممرات اللوجستية المصرية، وأعادت تسليط الضوء على موقع مصر الاستراتيجي.
ولفت إلى أن بعض التطورات الأخيرة، ومنها استخدام مسارات بديلة لنقل الطاقة والبضائع عبر الأراضي والموانئ المصرية، عززت من جاذبية القطاع أمام المستثمرين الدوليين.
وأضاف أن تقييم شركات النقل واللوجستيات لا يعتمد فقط على النتائج المالية، وإنما يتأثر أيضًا بالمتغيرات الاقتصادية والسياسية العالمية، وطبيعة المناطق التي تعمل بها الشركات ومدى استفادتها من التحولات الجارية في حركة التجارة العالمية.
وأكد شفيع أن محدودية عدد شركات النقل واللوجستيات المدرجة في البورصة المصرية تجعل من الصعب إجراء مقارنات واسعة داخل القطاع، وهو ما يمنح صفقات الاستحواذ الحالية أهمية مضاعفة باعتبارها مؤشرات سعرية جديدة يمكن الاستناد إليها في تقييم الشركات المشابهة.
شفيع: محدودية الشركات المدرجة تجعل أسهم النقل مرشحة لإعادة التسعير
وأوضح أن شركات مثل «الإسكندرية لتداول الحاويات» و«القناة للتوكيلات الملاحية» تُدرج أحيانًا ضمن قطاع النقل، رغم اختلاف طبيعة نشاطها عن شركات الخدمات اللوجستية المباشرة، ما يزيد من محدودية الخيارات المتاحة أمام المستثمرين الراغبين في التعرض لهذا القطاع داخل البورصة.
ويرى شفيع أن استمرار التغيرات في خريطة التجارة العالمية والإقليمية، إلى جانب الموقع الجغرافي المتميز لمصر، سيدعم تدفق المزيد من الاستثمارات وصفقات الاستحواذ إلى قطاع النقل واللوجستيات خلال السنوات المقبلة.
وأضاف أن هذه المتغيرات قد تقود إلى إعادة تسعير تدريجية لشركات القطاع، خاصة تلك التي تمتلك أصولًا استراتيجية أو عقودًا طويلة الأجل أو فرصًا واضحة للنمو والتوسع، في وقت يتزايد فيه اهتمام المستثمرين الإقليميين والدوليين بالقطاع.







