تزايدت المخاوف من تداعيات تعطل صادرات الحبوب الحيوية من منطقة البحر الأسود، في ظل تصاعد الهجمات الروسية والأوكرانية على السفن والمنشآت المينائية، ما يهدد بتقليص الإمدادات العالمية ورفع أسعار الغذاء.
وتوقعت دوائر بحثية أن ترتفع أسعار الغذاء عالميًا بنحو 12% خلال العام الجاري، مع استمرار اضطرابات حركة التجارة في المنطقة.
وشهدت أسعار القمح العالمية ارتفاعًا في الأسابيع الأخيرة، لكنها لا تزال أدنى من مستوياتها في بداية عام 2022.
وقالت كبيرة الاقتصاديين المتخصصين في الأسواق الناشئة في مؤسسة «أوكسفورد إيكونوميكس»، تاتيانا أورلوفا: «اطلعت على تقديرات تشير إلى أن صادرات الحبوب الروسية انخفضت إلى 40% من طاقتها التصديرية المعتادة في أغسطس».
وقالت صحيفة «الجارديان» إن تصاعد حدة الصراع جعل هذا المسطح المائي هو الأخطر عالميًا بالنسبة للشحن التجاري، ويأتي ذلك برغم الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، حيث لا تزال السفن تتعرض للاستهداف في مضيق هرمز، والبحر الأحمر، وخليج عدن.
ونقلت الصحيفة عن تقديرات أعدتها «نقابة البحارة الأتراك»، أن ما لا يقل عن 23 شخصًا لقوا مصرعهم في يوليو نتيجة هجمات استهدفت 35 سفينة في البحر الأسود.
واستمرت الهجمات على السفن حتى شهر أغسطس، ودفع تصاعد الحرب في أوكرانيا رئيس «المنظمة البحرية الدولية»، وهي وكالة معنية بالشحن تابعة للأمم المتحدة، إلى إدانة تدهور الأمن البحري في جميع أنحاء العالم، ما حال دون تصدير كييف للحبوب.
وتقول الصحيفة إن التصعيد الأخير امتد إلى البحر الأسود وبحر آزوف، المرتبط بالبحر الأسود عبر مضيق كيرتش، وطال ميناء نوفوروسيسك الروسي على البحر الأسود، وهو أحد الموانئ الرئيسية لصادرات النفط والحبوب الروسية، ما يعطل تدفقات حيوية إلى الأسواق العالمية.
ويحذر محللون في شركة «فانجارد»، المتخصصة في معلومات المخاطر البحرية، من أن الملاحة في المنطقة باتت معرضة لتهديدات متزايدة؛ حيث أصبحت السفن التجارية أكثر عرضة للهجمات نظرًا للموانئ التي تزورها، ونشاطها التجاري، والبضائع التي تحملها.
كما امتدت الهجمات لتشمل مناطق أبعد من الموانئ ومداخلها المباشرة، ما يزيد من المخاطر التي تهدد السفن في مساحة أوسع من البحر الأسود.
وتذكر الصحيفة أن الوضع البحري المتأزم في البحر الأسود قاد إلى انخفاض كبير في صادرات الحبوب الروسية والأوكرانية، ما يثير مخاوف من أن يؤدي هذا الاضطراب إلى تفاقم آثار صدمات أسعار الغذاء الأخرى، والإضرار بالدول التي تعتمد على استيراد القمح، والشعير، والذرة.
وتُعد روسيا أكبر مُصدر للحبوب في العالم، حيث تصدر معظم إنتاجها إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خصوصًا إلى تركيا ومصر، بينما تحتل أوكرانيا المرتبة الخامسة عالميًا.
وكانت روسيا قد علقت حركة الملاحة في بحر آزوف في يوليو، إثر موجة من هجمات الطائرات المسيرة الأوكرانية، قبل أن تقرر تحويل بعض صادرات الحبوب إلى طرق بديلة، مثل بحر قزوين، وبحر البلطيق، والمحيط الهادئ.
ومع ذلك، يُشحن أكثر من 70% من صادرات الحبوب الروسية المنقولة بحرًا من موانئ البحر الأسود، و20% أخرى من بحر آزوف، حسب تحليل أجرته مؤسسة «أوكسفورد إيكونوميكس».
ووجدت أوكرانيا، التي شهدت حصادًا وفيراً ومبكراً من الحبوب هذا العام، نفسها عاجزة عن تصدير كميات كبيرة عبر موانئها على البحر الأسود؛ فقد صدرت كييف ثلث الكمية التي كان بإمكانها تصديرها -حوالي 1.4 مليون طن- عبر النقل البحري، والسكك الحديدية، والنقل النهري، والطرق البرية، وفقًا لتصريحات أدلى بها أخيراً وزير الغذاء الأوكراني.
ومع ذلك، يرى محللون أن الاضطراب الأخير في صادرات الحبوب المنقولة بحرًا من المرجح أن يدفع الأسعار إلى الارتفاع، وأن يفاقم صدمات أخرى في الإمدادات الغذائية، بما في ذلك الحرب الإيرانية، وانخفاض إنتاجية الحبوب الأوروبية بعد موجة الحر الشديدة التي شهدها الصيف، وتطور ظاهرة «النينو» المناخية بوتيرة متسارعة.
وتوقعت مؤسسة «أوكسفورد إيكونوميكس» ارتفاع أسعار الغذاء العالمية بنحو 12% هذا العام، وبنسبة 4.8% إضافية في عام 2027.
ورأت المؤسسة أنه على عكس عام 2022، حين فوجئت العديد من الدول المستوردة الرئيسية للأغذية بالغزو الروسي لأوكرانيا، فإن «العديد من الدول لديها مخزون من الحبوب».
وأضافت أورلوفا: «هذا من شأنه أن يساعد، وبالتالي يكون هناك استعداد أفضل لمثل هذه الصدمة. لكن من الواضح تمامًا أن أسعار المواد الغذائية ستتأثر».
وأعلنت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، أن أسعار الغذاء العالمية سجلت في أغسطس 2026 أعلى مستوياتها منذ أواخر عام 2022، متأثرة بسوء الأحوال الجوية وتعطل الإمدادات نتيجة الحرب في الشرق الأوسط ومنطقة البحر الأسود.







