يتجه عدد متزايد من الأمريكيين إلى السحب من محافظهم الاستثمارية لتمويل إنفاقهم، في تحول يعكس تزايد ارتباط الأوضاع المالية للأسر بتقلبات سوق الأسهم، وفقاً لبحث جديد.
وخلال الأشهر الثلاثة المنتهية في أبريل، حوّل 8.2% من الأفراد أموالاً من استثماراتهم إلى حساباتهم الجارية، مقارنة بـ4% خلال الفترة نفسها من عام 2019 و2.4% في 2015، بحسب تقرير حديث صادر عن معهد “جيه بي مورجان تشيس”.
وشمل البحث، الذي أجراه مركز الدراسات الاقتصادية التابع لـ”جيه بي مورجان تشيس”، أكثر من 20 مليون حساب جارٍ لدى “تشيس”، بعد إزالة البيانات التي تكشف هوية أصحابها.
ومثلت هذه التحويلات ما يعادل 6.8% من إجمالي الإنفاق عبر الحسابات الجارية التي شملتها الدراسة، ارتفاعاً من 3.5% في 2019 و2.3% في 2015، بحسب ما نقلته شبكة “سي إن بي سي” الإخبارية.
ورغم أن الفئات الأكبر سناً وذوي الدخول المرتفعة تقود هذا الاتجاه بصورة رئيسية، فإن الاعتماد على الأموال المستثمرة لتمويل الإنفاق أصبح أكثر انتشاراً بين جميع الفئات العمرية ومستويات الدخل التي تناولتها الدراسة.
وقال جورج إيكرد، مدير أبحاث الثروات والأسواق في المعهد، إن الأموال المحولة تأتي من حسابات الوساطة المالية وحسابات التقاعد على حد سواء.
التحويلات إلى الحسابات الجارية ترتفع إلى 8.2% في 3 أشهر مقابل 4% خلال 2019
وأوضح إيكرد أن ثروة الأسر المستثمرة في الأسهم ارتفعت مقارنة ببقية الاقتصاد، ما يعزز الترابط بين الأسواق المالية والاقتصاد الحقيقي، مضيفاً أن التدفقات التي يرصدها البحث تمثل دليلاً واضحاً على تنامي هذا الارتباط.
يأتي تصاعد عمليات السحب من الاستثمارات بعد سنوات من المكاسب القوية التي حققتها سوق الأسهم الأمريكية.
فبعدما تراجع مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” بنسبة 19.4% في عام 2022، عاد ليسجل مكاسب بلغت 24.2% في 2023، و23.3% في 2024، و16.4% في 2025، وفقاً لبيانات “ستاندرد آند بورز داو جونز للمؤشرات”. ومنذ بداية العام الجاري وحتى 28 سبتمبر، ارتفع المؤشر بنحو 12.2%.
ويسهم صعود أسعار الأسهم في تحفيز الإنفاق من خلال ما يعرف اقتصادياً بـ”أثر الثروة”، إذ تدفع زيادة قيمة الاستثمارات، الأسر إلى الشعور بتحسن أوضاعها المالية، ما يعزز استعدادها لزيادة الإنفاق.
في السياق نفسه، أظهر بحث منفصل أصدره “بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا” في 2 سبتمبر أن حساسية الاستهلاك تجاه تحركات سوق الأسهم ازدادت بشكل ملحوظ خلال العقود الثلاثة الماضية، في ظل ارتفاع ثروة الأسر مقارنة بحجم استهلاكها، وتنامي أهمية الأسهم ضمن أصولها المالية.
ويقدّر مؤلفو الدراسة أن أي هبوط حاد في سوق الأسهم قد ينعكس سلباً على إنفاق المستهلكين نتيجة تآكل ثروات الأسر، إذ قد يؤدي انخفاض افتراضي بنسبة 25% في مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” إلى تراجع الاستهلاك بنحو 3%.
ويكتسب هذا التأثير أهمية خاصة في الاقتصاد الأمريكي، إذ يمثل إنفاق المستهلكين نحو ثلثي النشاط الاقتصادي.
شكّلت حيازات الأسهم نحو ثلث إجمالي أصول الأسر خلال الربع الأول من 2026، بما يقارب ضعف حصتها المسجلة في مطلع العقد الثاني من الألفية، وفقاً لبحث معهد “جيه بي مورجان تشيس”.
ولا تكشف الدراسة أوجه استخدام الأسر للأموال بعد تحويلها إلى الحسابات الجارية، إذ قد تتجه لتغطية النفقات المنزلية أو المشتريات الترفيهية والسلع الفاخرة. لكن إيكرد يؤكد أن هذه الأموال لا تبقى في الحسابات على هيئة مدخرات، بل تنتقل سريعاً إلى الإنفاق.
وقال إيكرد إن التدفقات القادمة من الاستثمارات يجري إنفاقها، في حين يظل حجم الأموال التي يحتفظ بها الأفراد في حساباتهم الجارية لأغراض السيولة مستقراً، ما يعني أن الأموال المحولة من الاستثمارات تتجه بصورة مباشرة إلى تمويل الإنفاق.
الفئات الأكبر سناً وذوو الدخول المرتفعة يتصدرون موجة السحب لتمويل الإنفاق اليومي
وبين الأفراد المنتمين إلى أعلى 10% من حيث الدخل، أجرى 20.3% عمليات سحب صافية من حساباتهم الاستثمارية خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في أبريل 2026، مقابل 6.6% خلال الفترة نفسها من عام 2015، بحسب بحث معهد “جيه بي مورجان تشيس”. وفي المقابل، ارتفعت النسبة بين أصحاب الدخول الأقل من المتوسط إلى 4.1% من 1.1%.
وبدت هذه التحولات أكثر وضوحاً بين الأمريكيين الأكبر سناً. فمن بين الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً أو أكثر وينتمون إلى أعلى 10% من حيث الدخل، أجرى 37.3% عمليات سحب صافية من حساباتهم الاستثمارية في 2025، ارتفاعاً من 24.5% في 2019.
كما عادل حجم الأموال المسحوبة من الاستثمارات 14.9% من إنفاق هذه الفئة في 2025، مقارنة بـ8% في 2019، ما يعكس تنامي الاعتماد على المحافظ الاستثمارية في تمويل الإنفاق.
ويرجح البحث أن يكون التحول طويل الأجل بعيداً عن أنظمة التقاعد التقليدية، والتوسع في الاعتماد على خطط الاشتراكات المحددة مثل “401(k)”، أحد العوامل التي تسهم في زيادة عمليات السحب من الحسابات الاستثمارية.
لكن الاتجاه لا يقتصر على الفئات الأكبر سناً، إذ يتزايد أيضاً لجوء المدخرين الأصغر سناً إلى سحب أموال من حساباتهم الاستثمارية واستخدامها في الإنفاق.
فمن بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و44 عاماً وتقل دخولهم عن المتوسط، أجرى 7.1% عمليات سحب صافية من حساباتهم الاستثمارية خلال 2025، مقابل 2.9% في 2019، وفقاً لبحث معهد “جيه بي مورجان تشيس”.
وفي الفئة العمرية نفسها، ارتفعت نسبة الساحبين بين من تتراوح دخولهم بين الشريحة المئوية الـ50 والـ90 إلى 14.3% من 7.3%، بينما صعدت بين أعلى 10% من حيث الدخل إلى 24.2% من 15.8%.
في الوقت نفسه، يكشف البحث عن حركة معاكسة لدى شريحة أخرى من الأفراد، إذ تتزامن زيادة عمليات السحب من الاستثمارات مع ارتفاع التحويلات إلى الحسابات الاستثمارية.
فبين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و44 عاماً، ارتفعت نسبة المستثمرين الصافين إلى 16.6% في 2025، مقارنة بـ8.5% في 2019، ما يعكس تزايد حركة الأموال من الحسابات الاستثمارية وإليها.
ورغم أن الأفراد الأكبر سناً يظلون أكثر ميلاً إلى الإنفاق من استثماراتهم بحكم الأنماط المعتادة لدورة الحياة، خلص البحث إلى أن تنامي التدفقات في الاتجاهين يعكس تحول الحسابات الاستثمارية إلى عنصر أكثر حضوراً وتأثيراً في الحياة المالية للأفراد بمختلف مراحلها.







