عندما تنشئ الدولة منظومة قومية لتتبع الدواء، وتتحمل الشركات والمصانع والمخازن والصيدليات تكاليف والتزامات ضخمة لتنفيذها، فمن الطبيعي أن يكون السؤال الأول: ما الهدف الحقيقي من هذه المنظومة؟
هل الهدف مجرد معرفة أن عبوة دواء انتقلت من المصنع إلى الموزع، ثم إلى المخزن، ثم إلى الصيدلية؟ أم أن الهدف الحقيقي هو التأكد من أن العبوة التي تتحرك داخل هذه السلسلة عبوة أصلية وآمنة ومشروعة من الأساس؟
لأن هناك فارقًا جوهريًا بين تتبع حركة المنتج وبين التحقق من أصالة المنتج. وإذا كانت منظومة التتبع لا تستطيع توفير حماية فعالة ضد الغش والتقليد، فإن السؤال يصبح واجبًا: إذا كانت لا تعمل لمصلحة المواطن، ولا لمصلحة موارد الدولة السيادية… فلمصلحة من تعمل؟
ما معنى أن نتتبع دواءً مغشوشًا؟
لنتصور ببساطة أن شخصًا استطاع نسخ بيانات أو هوية عبوة دواء أصلية ووضعها على عبوات مغشوشة.
إذا كانت المنظومة تستطيع قراءة هذه البيانات وتسجيل حركتها، لكنها لا تستطيع اكتشاف أن الهوية تم نسخها أو تكرارها أو استخدامها بصورة غير مشروعة، فما الذي حققناه؟ لقد تتبعنا العبوة بالفعل، لكننا ربما تتبعنا عبوة مغشوشة.
وهنا تصبح المشكلة واضحة: معرفة أين ذهب المنتج لا تكفي إذا لم نعرف أولًا ما هو المنتج الذي نتتبعه، وهل هويته أصلية أم مستنسخة أو متلاعبًا بها؟
ولهذا لا ينبغي اختزال منظومة التتبع في كود مطبوع وقاعدة بيانات تسجل حركة هذا الكود. التتبع الحقيقي يجب أن يرتبط بالتحقق من الهوية، وكشف التكرار ومحاولات الاستنساخ والتلاعب، وإتاحة آليات تحقق فعالة عبر سلسلة الإمداد.
المواطن هو الغاية الأولى
في الدواء تحديدًا، القضية ليست اقتصادية فقط. نحن لا نتحدث عن حقيبة مقلدة أو قطعة غيار مزيفة، نحن نتحدث عن صحة إنسان وربما حياته.
فالدواء المغشوش قد لا يحتوي على المادة الفعالة المطلوبة، أو قد يحتوي عليها بتركيز غير صحيح، أو قد يكون مجهول المصدر أو ظروف التصنيع والتخزين.
والمريض لا يملك معملًا يستطيع من خلاله تحليل كل عبوة يشتريها؛ لذلك فإن إحدى أهم القيم التي ينتظرها المواطن من منظومة التتبع هي أن تساعده وسلسلة الإمداد والجهة الرقابية على الوثوق في هوية الدواء وأصالته.
فإذا لم يتحقق ذلك، فأين المواطن من المنظومة؟
والدولة أيضًا تخسر
الغش والتقليد لا يسرقان المواطن والشركة فقط، بل يعتديان على الاقتصاد الرسمي للدولة.
الشركة الشرعية تتحمل تكلفة المصنع والعمالة والمواد الخام والتسجيل والجودة والتأمينات والضرائب والرسوم والرقابة والالتزام بالاشتراطات القانونية والتنظيمية، أما المنتج غير المشروع فيستطيع العمل خارج جانب كبير من هذه الالتزامات.
وبالتالي فإن كل عبوة مغشوشة تحصل على حصة من السوق قد تعني نشاطًا اقتصاديًا انتقل من الاقتصاد الرسمي إلى اقتصاد غير مشروع، بما يصاحبه من فاقد محتمل في الضرائب والرسوم والإيرادات المستحقة للدولة.
ومن هنا فإن مكافحة الغش والتقليد ليست فقط قضية حماية مستهلك، بل هي أيضًا قضية حماية لموارد الدولة وسيادتها الاقتصادية. فإذا كانت منظومة التتبع لا تساعد بفاعلية على مواجهة هذا النشاط غير المشروع، فلا بد أن نسأل عن العائد الحقيقي الذي تحصل عليه الدولة مقابل التكلفة التي يتحملها الاقتصاد.
والشركات المنتجة تدفع الثمن مرتين
الشركة صاحبة المنتج الأصلي هي التي استثمرت في المصنع والجودة والبحث والتطوير والتسجيل والتسويق والعمالة، ثم يأتي المزور ليستخدم اسم المنتج أو هويته أو علامته ويبيع منتجًا غير مشروع دون أن يتحمل التكلفة نفسها.
فتخسر الشركة جزءًا من مبيعاتها، لكن الأخطر أنها قد تخسر سمعتها أيضًا؛ لأن المواطن الذي يشتري منتجًا مغشوشًا لا يعرف بالضرورة أنه مغشوش.
فإذا لم يحقق الدواء النتيجة المطلوبة، أو تسبب في مشكلة، فقد يحمّل الشركة الأصلية مسؤولية منتج لم يخرج من مصنعها أصلًا.
وهكذا يدفع المنتج الشرعي الثمن مرتين: خسارة اقتصادية، وضرر محتمل بالسمعة والثقة.
وتجربة 2016 يجب ألا تُنسى
الأخطر أن الحديث عن التتبع ومواجهة الغش والتقليد في سوق الدواء المصري ليس جديدًا.
فمنذ عام 2016 بدأ مسار سابق لتطبيق التتبع الدوائي، وارتبطت به أهداف تتعلق بضبط تداول الدواء ومواجهة الغش والتقليد، وعلى مدار سنوات تحمل القطاع تكاليف واستثمارات وإجراءات مرتبطة بهذا المسار.
وبعد نحو عشر سنوات، يصبح من حق المواطن والدولة وقطاع الدواء أن يسألوا: ماذا تحقق بالفعل؟ ما التكلفة الفعلية الموثقة التي تحملها القطاع؟ ما الأهداف التي تم الإعلان عنها أو التعاقد على تحقيقها؟ ما الذي تم تنفيذه منها؟ وما الذي لم يتم؟ وما حجم الغش والتقليد الذي استطاعت المنظومة اكتشافه أو منعه؟ وهل أصبح المواطن قادرًا نتيجة لهذه الاستثمارات على التحقق من أصالة الدواء الذي يشتريه؟
هذه ليست أسئلة تاريخية، إنها أسئلة ضرورية قبل أن ندفع جنيهًا جديدًا في تجربة جديدة.
إذا كانت المنظومة السابقة نجحت… فلماذا نعيدها؟
إذا كانت التجربة التي بدأت منذ 2016 قد حققت بالفعل أهداف التتبع ومكافحة الغش والتقليد، فلماذا نحتاج اليوم إلى إعادة بناء أو تشغيل أجزاء جوهرية من منظومة التتبع؟ وأين نتائج المنظومة السابقة؟
أما إذا كانت التجربة السابقة لم تحقق أهدافها بالشكل المطلوب، فالسؤال الأكثر أهمية هو: هل تمت دراسة أسباب ذلك؟ هل تم تقييم ما تم إنفاقه؟ هل تم تحديد أوجه القشور؟ هل تمت محاسبة المسؤول عن أي إخفاق يثبت حدوثه؟ وهل تم التأكد من أن المنظومة الجديدة لن تكرر المشكلات نفسها؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فشل تجربة تكنولوجية، الأخطر أن نكرر التجربة نفسها، وندفع تكلفتها مرة أخرى، ثم ننتظر نتيجة مختلفة.
هل سندفع مرة أخرى مقابل الوعد نفسه؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يسبق أي توسع جديد.
هل سنرى أكوادًا جديدة، وأجهزة جديدة، وبرمجيات جديدة، وتعاقدات جديدة، ورسومًا جديدة، والتزامات جديدة على المصانع والمخازن والصيدليات، ثم نكتشف بعد عدة سنوات أن السؤال القديم ما زال قائمًا: كيف يميز المواطن العبوة الأصلية من العبوة المغشوشة؟
وكيف يكتشف المخزن أن الهوية الموجودة على العبوة تم نسخها؟ وكيف تعرف الصيدلية أن الكود الذي أمامها لم يُستخدم من قبل بصورة غير مشروعة؟ وكيف تستطيع الشركة المصنعة اكتشاف أن شخصًا استنسخ هوية منتجها ووضعها على مئات أو آلاف العبوات؟
إذا لم تجب المنظومة عن هذه الأسئلة، فعلينا أن نسأل بوضوح: ماذا اشترينا بكل هذه التكلفة؟
لا ينبغي أن تتحول المنظومة إلى سوق في حد ذاتها
من الطبيعي أن تكون هناك شركات تقدم البرمجيات، وشركات تورد الأجهزة، وجهات تقدم خدمات الترميز، وشركات تنفذ عمليات التكامل والربط. وكل مقدم خدمة من حقه أن يحصل على مقابل عادل لخدمته.
لكن الخطر يبدأ عندما تصبح الوسيلة أكبر من الغاية؛ عندما يصبح النقاش عن الأكواد والأجهزة والاشتراكات والتراخيص والرسوم والبرمجيات والتعاقدات أكبر من النقاش عن: كم دواءً مغشوشًا منعنا من الوصول إلى المريض؟
فهنا يجب أن نتوقف؛ لأن منظومة التتبع لم تُنشأ لكي تكون سوقًا للخدمات التكنولوجية، وإنما أُنشئت أساسًا لحماية سوق الدواء.
النجاح لا يقاس بعدد الأكواد
من السهل أن نقول إن ملايين العبوات تم تسجيلها، لكن الرقم وحده لا يخبرنا إن كانت المنظومة ناجحة.
الأسئلة الحقيقية هي: كم محاولة تلاعب تم اكتشافها؟ كم كودًا مستنسخًا تم رصده؟ كم عبوة مشبوهة تم إيقافها قبل وصولها للمريض؟ هل يستطيع الصيدلي التحقق؟ هل يستطيع المخزن التحقق؟ هل يستطيع المواطن التحقق؟ هل تستطيع الشركة صاحبة المنتج اكتشاف الاستخدام غير المشروع لهويته؟
هذه هي مؤشرات النجاح الحقيقية.
نريد منظومة تحمي الجميع
نحن لسنا ضد التتبع، بل العكس. مصر تحتاج إلى منظومة تتبع قوية وحديثة وقادرة على حماية سوق دواء بهذا الحجم والأهمية.
ولكننا نريد تتبعًا حقيقيًا، لا مجرد تسجيل للحركة. نريد منظومة تجمع بين الهوية الفريدة، والتسلسل، والتتبع، والتحقق من الأصالة، وكشف التكرار والاستنساخ والتلاعب، والقدرة على التدخل الرقابي السريع.
نريد منظومة تحمي المريض، وتحمي الشركة المنتجة، وتحمي الصيدلية والمخزن والموزع، وتحمي الدولة من الاقتصاد غير المشروع، وتحمي موارد الدولة من الفاقد الناتج عن تداول المنتجات غير المشروعة.
وأخيرًا فلمصلحة من تعمل؟
أي منظومة قومية يجب أن تكون لها إجابة واضحة عن سؤال واحد: من المستفيد النهائي؟
إذا كان المواطن هو المستفيد، فيجب أن تظهر الحماية في الدواء الذي يصل إليه. وإذا كانت الدولة هي المستفيد، فيجب أن تظهر الحماية في قدرتها على محاصرة الاقتصاد غير المشروع وحماية إيراداتها. وإذا كانت الشركات الملتزمة هي المستفيد، فيجب أن تساعد المنظومة على حماية منتجاتها وأسواقها وسمعتها من الغش والتقليد.
أما إذا تحمل المواطن التكلفة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتحملت الشركات والمصانع والمخازن والصيدليات الالتزامات، وتم شراء الأجهزة والأنظمة وتحصيل الرسوم وإبرام التعاقدات، بينما بقيت القدرة الفعلية على مكافحة الغش والتقليد دون المستوى المطلوب، فإن السؤال يصبح حقًا مشروعًا للمجتمع كله:
منظومة التتبع التي لا تحمي من الغش والتقليد، لا تعمل لمصلحة المواطن، ولا تعمل لمصلحة موارد الدولة السيادية… فلمصلحة من تعمل؟
وقبل أن نكرر تجربة جديدة، ربما يكون من حق المصريين أولًا أن يعرفوا: ماذا دفعنا منذ 2016؟ ماذا حصلنا في المقابل؟ ولماذا ندفع مرة أخرى؟








