يواجه الاقتصاد العالمي، اختبارًا جديدًا مع تزامن ارتفاع أسعار الطاقة وتصاعد أعباء الديون الحكومية في ظل تزايد المخاوف بشأن استدامة طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
ويحذرصندوق النقد الدولي، من أن تراجع الاستثمارات التكنولوجية أو استمرار الحرب في الشرق الأوسط قد يبددان جانبًا من قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود.
ورغم رفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي خلال عام 2026 إلى 3.1%، مقابل 3% في تقديرات يوليو الماضي، فإنه يرى أن استمرار الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يمثل أحد العوامل الرئيسية الداعمة للنمو، في مواجهة الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط واضطرابات الإمدادات.
لكن هذه المعادلة تحمل مخاطر متزايدة؛ إذ قد يؤدي استمرار الحرب إلى إبقاء أسعار النفط فوق 130 دولارًا للبرميل خلال الربع الأول من 2027، بما يخفض نمو الاقتصاد العالمي خلال العام نفسه بنحو 0.5 نقطة مئوية، وفقًا لسيناريوهات الصندوق الواردة في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر خلال اجتماعاته السنوية في أكتوبر الجاري.
وفي المقابل، يحذر الصندوق من أن تراجع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، إذا جاءت مكاسب الإنتاجية والأرباح أقل من التوقعات، قد يؤدي إلى هبوط حاد في أسعار الأصول، ويضغط على الإنفاق والتجارة والنشاط الاقتصادي، مع احتمال انخفاض الناتج العالمي بنحو 1.1% عن مستواه المتوقع بحلول 2028 في سيناريو التصحيح الحاد للاستثمارات.
الذكاء الاصطناعي.. محرك للنمو ومصدر للمخاطر
تزايدت أهمية استثمارات الذكاء الاصطناعي في دعم النشاط الاقتصادي العالمي، مع ضخ الشركات مبالغ ضخمة في مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية وشبكات الاتصالات والطاقة اللازمة لتشغيل الأنظمة الجديدة.
غير أن هذه الاستثمارات ترفع الطلب على التمويل قبل أن تتحقق بالضرورة مكاسب الإنتاجية التي تعول عليها الشركات لتبرير الإنفاق، وهو ما يضع البنوك المركزية أمام معادلة أكثر تعقيدًا، تتمثل في التعامل مع ضغوط الطلب وتكلفة الاقتراض، بالتزامن مع عدم وضوح العوائد النهائية للتكنولوجيا الجديدة.
وحذر مسؤولون في بنوك مركزية كبرى، خلال اجتماعات صندوق النقد والبنك الدولي في بانكوك منتصف أكتوبر، من أن موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي قد ترفع تكلفة رأس المال عالميًا، في ظل التنافس على تمويل مشروعات التكنولوجيا والبنية التحتية، بينما تظل المكاسب الإنتاجية المنتظرة غير مؤكدة من حيث توقيتها وحجمها.
وتزداد المخاطر مع ارتفاع اعتماد بعض الشركات العاملة في القطاع على الاقتراض لتمويل التوسع، إذ قد يؤدي تراجع التقييمات السوقية أو تباطؤ الإيرادات إلى صعوبة خدمة الديون، فضلًا عن انتقال الضغوط إلى المستثمرين والممولين والشركات المرتبطة بسلاسل التوريد التكنولوجية.
وحذر صندوق النقد الدولي، من أن أي تصحيح حاد في تقييمات أسهم الذكاء الاصطناعي قد يمتد أثره إلى الاقتصاد الحقيقي عبر تراجع ثروات المستثمرين والإنفاق الاستهلاكي والاستثمار التجاري، إلى جانب انخفاض الطلب على السلع والخدمات المرتبطة بالتكنولوجيا.
صدمة الطاقة تعيد التضخم إلى الواجهة
في الوقت نفسه، تعيد اضطرابات أسواق الطاقة الضغوط التضخمية إلى صدارة المشهد الاقتصادي، بعدما أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز وزيادة تكاليف النقل والتأمين والشحن.
وتجاوز خام برنت 115 دولارًا للبرميل خلال تعاملات الجمعة 23 أكتوبر، مسجلًا أعلى مستوياته في أكثر من خمسة أشهر، مع تجدد المخاوف بشأن اتساع نطاق الصراع واحتمالات تعرض منشآت الطاقة وممرات الشحن لمزيد من الاضطرابات.
ويهدد استمرار ارتفاع أسعار الطاقة بزيادة تكاليف الإنتاج والنقل، وتقليص القوة الشرائية للأسر، فضلًا عن تعقيد قرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة، خصوصًا إذا استمرت الضغوط التضخمية في وقت يتباطأ فيه الطلب.
وتشير تقديرات خبراء البنك المركزي الأوروبي إلى أن منطقة اليورو استطاعت التعامل مع صدمة الطاقة بصورة أفضل من المتوقع، مستفيدة من تراجع اعتمادها على الوقود الأحفوري مقارنة بالماضي، وزيادة الإنفاق المالي، وازدهار الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
لكن البنك حذر من أن بعض عوامل الدعم الحالية قد تكون مؤقتة، وأن تراجع الطلب العالمي أو انحسار الإنفاق الاستثماري قد يجعل اقتصادات المنطقة أكثر عرضة للصدمات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة مجددًا.
الديون الحكومية تضيق مساحة المناورة
تأتي هذه المخاطر في وقت تتزايد فيه أعباء الديون الحكومية عالميًا، ما يقلص قدرة بعض الدول على تقديم دعم مالي واسع لمواجهة ارتفاع الأسعار أو تحفيز النمو دون زيادة الضغوط على الموازنات العامة.
ويحذر صندوق النقد من أن ارتفاع تكاليف الاقتراض، بالتزامن مع زيادة الإنفاق الحكومي والضغوط التضخمية، قد يفرض على الدول موازنة أكثر صعوبة بين دعم النشاط الاقتصادي وضبط أوضاع المالية العامة.
كما أن ارتفاع عوائد السندات الحكومية يرفع تكلفة إعادة تمويل الديون القائمة، ويزيد الأعباء على الموازنات، بما قد يزاحم الإنفاق على البنية التحتية والخدمات العامة والاستثمارات طويلة الأجل.
وتزداد حساسية الأسواق لهذه التطورات مع تزامن احتياجات تمويل الشركات التكنولوجية مع ارتفاع الاقتراض الحكومي، بما يعزز المنافسة على السيولة ويزيد احتمالات بقاء أسعار الفائدة وتكلفة رأس المال عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
النمو العالمي مرهون باحتواء الصدمات
يتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.4% في 2027، لكن هذا التقدير يفترض تحسن الأوضاع الجيوسياسية وإعادة فتح مضيق هرمز بحلول مارس، وعودة ظروف الشحن إلى مستويات ما قبل الحرب بحلول أكتوبر من العام نفسه.
ويعكس ذلك اعتماد التوقعات الاقتصادية على مسار الصراع وتطورات أسواق الطاقة، إلى جانب قدرة الاستثمارات التكنولوجية على تحويل الإنفاق الضخم الحالي إلى مكاسب إنتاجية وإيرادات مستدامة.
وبينما لا يعني تزامن هذه المخاطر أن الاقتصاد العالمي يتجه حتمًا إلى أزمة، فإن استمرارها قد يضعف النمو ويزيد تقلبات الأسواق، خصوصًا إذا تزامن ارتفاع أسعار الطاقة مع تراجع تقييمات شركات التكنولوجيا وتشدد الأوضاع المالية.
ويظل التحدي الرئيسي أمام صناع السياسات هو احتواء الضغوط التضخمية دون خنق النمو، مع مراقبة مخاطر الديون والاستثمار التكنولوجي، في وقت تتوقف فيه قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود على مدى استمرار مصادر النمو الحالية وقدرتها على تعويض الصدمات الخارجية.








