من المتوقع أن تظهر ثلاث من أكبر شركات التكنولوجيا وأكثرها أهمية في العالم نمواً قوياً عندما تعلن نتائج أعمالها خلال الأسبوع الجاري.
في الظروف العادية، كان ذلك سيُعد عاملاً محفزاً لاستقرار سوق الأسهم التي تشهد تقلبات. لكن بالنسبة إلى “وول ستريت”، يتوقف الأمر برمته على مؤشرين: حجم الأموال التي تنفقها هذه الشركات على الذكاء الاصطناعي، والموعد الذي ستبدأ فيه هذه الاستثمارات بتحقيق عوائد مجدية.
واستناداً إلى رد فعل السوق العنيف تجاه ارتفاع النفقات الرأسمالية لشركة “ميتا بلاتفورمز” الأسبوع الماضي، فمن المرجح أن يكون رد فعل المستثمرين قاسياً تجاه أي نتائج مخيبة للآمال.
إنفاق الذكاء الاصطناعي على رادار الأسواق
قال جون بيلتون، مدير المحافظ الاستثمارية لدى “غابيلي فاندز” (Gabelli Funds)، إن المستثمرين “لا يتحلون بأي قدر من الصبر حالياً تجاه ارتفاع النفقات الرأسمالية. يمكن لسوق الأسهم أن تتجاهل المخاطر لبعض الوقت، لكن ذلك سيترك أثره في نهاية المطاف، أو سيجعل السوق على الأقل أكثر هشاشة”.
وتتصاعد مخاوف المستثمرين بالفعل مع بداية الأسبوع، في ظل ارتفاع أسعار النفط، إذ يجري تداول مزيج برنت عند أعلى مستوياته منذ أبريل. كما عاد المتعاملون إلى الإقبال بكثافة على سندات الخزانة الأميركية، باعتبارها ملاذاً أكثر أماناً نسبياً، ما دفع عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى الانخفاض دون 5% للمرة الأولى منذ شهر.
ومع استمرار حرب إيران واقتراب انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في الولايات المتحدة الأميركية الأسبوع المقبل، تبدو بيئة الاقتصاد الكلي مليئة بالتحديات.
في ظل هذه الظروف، تستعد شركات التكنولوجيا العملاقة، التي تتجاوز قيمتها السوقية مجتمعة 10 تريليونات دولار، لإعلان نتائج أعمالها، ومن بينها شركات تنفق مبالغ ضخمة على الذكاء الاصطناعي، مثل “ألفابت” و”مايكروسوفت” و”أمازون دوت كوم”. من المتوقع أن تسجل الشركات الثلاث جميعها نمواً في إيراداتها الفصلية بمعدلات مئوية تفوق 10%. لكن اهتمام المستثمرين سينصب بالدرجة الأولى على تصريحات هذه الشركات بشأن حجم الإنفاق الذي تخطط لتخصيصه للذكاء الاصطناعي، ومدى نجاح تلك الاستثمارات في تحقيق أرباح.
نتائج شركات التكنولوجيا الكبرى
قال كيفن شيا، كبير محللي الأسهم لدى “بي إن واي ويلث” (BNY Wealth): “يمثل موسم إعلان نتائج الأعمال الحالي مرحلة حاسمة إلى حد كبير. السوق تمنح نمواً أقل في تقييماتها للشركات العملاقة من حيث القيمة السوقية، لأن المستثمرين أصبحوا أقل يقيناً بشأن إمكانية استمرار هذا النمو”.
ظهر هذا القلق بوضوح في تداولات أسهم “ميتا” عقب إعلان الشركة نتائج أعمالها بعد ظهر الأربعاء الماضي. فقد قفز السهم في تعاملات ما بعد الإغلاق بعدما أظهرت النتائج مؤشرات مشجعة. لكن بحلول افتتاح السوق صباح الخميس المنصرم، انقلبت معنويات المستثمرين مع بدء استيعابهم خطط الشركة لزيادة التزاماتها بالإنفاق المستقبلي بمقدار 125 مليار دولار، لتصل إلى 825 مليار دولار.
وأغلق السهم تعاملات الخميس منخفضاً 6.1%، مسجلاً أسوأ أداء يومي له منذ يوليو، فيما قفزت تكلفة عقود مقايضات التخلف عن سداد الائتمان لأجل خمس سنوات الخاصة بـ”ميتا” إلى مستوى قياسي جديد، إذ يعني الإنفاق الضخم أن الشركة ستحتاج إلى إصدار مزيد من الديون.
شهدت معنويات المستثمرين تجاه الإنفاق على الذكاء الاصطناعي تحولاً سريعاً خلال الأسابيع الأخيرة، مدفوعة بتزامن مجموعة من المخاوف في قطاع التكنولوجيا. في البداية، سلطت تصريحات شركة خدمات الحوسبة السحابية “كور ويف” الضوء على المخاوف بشأن مدى اعتماد التوسع في إنشاء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على التمويل بالديون، خصوصاً مع استمرار ارتفاع أسعار الفائدة، ما يزيد مخاطر تدهور الأوضاع.
وقدرت شركة أبحاث السوق “غارتنر” (Gartner) أن إنفاقاً يتجاوز 3.5 تريليون دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يكون معرضاً لخطر انخفاض القيمة الدفترية للأصول بحلول 2030، إذا لم تحقق إيرادات الذكاء الاصطناعي مستويات تبرر هذا الإنفاق.
هروب إلى الملاذات الآمنة
أوضح جيد إيلربروك، مدير المحافظ الاستثمارية لدى “أرجنت كابيتال مانجمنت” (Argent Capital Management): “نشهد حالياً موجة شديدة من الهروب إلى الأصول الآمنة. المستثمرون يبتعدون عن أسهم الشركات المرتبطة بالنفقات الرأسمالية لمراكز البيانات، وعن استثمارات التكنولوجيا ومراكز البيانات”.
بعد ذلك، أبلغت شركة “أنثروبيك” (Anthropic)، إحدى كبرى شركات تطوير الذكاء الاصطناعي، التي يُتوقع طرح أسهمها للاكتتاب العام الشهر المقبل، المستثمرين المحتملين بأن إيراداتها في الربع الثالث ارتفعت بنحو 45% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهي وتيرة أبطأ من الربع الثاني، ما أثار مزيداً من الشكوك بشأن الصورة العامة للقطاع.
قال بيلتون، من “غابيلي”: “إنها مجموعة صعبة من العوامل، تشمل ظروف الاقتصاد الكلي القاسية، وتباطؤ نمو إيرادات الذكاء الاصطناعي، ووصول النفقات الرأسمالية المرتبطة به إلى نقطة تحول نحو الارتفاع”.
كانت أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة من حيث القيمة السوقية المحرك الرئيسي لصعود السوق على مدى سنوات، لكن ذلك تغير في 2026. فقد ارتفع مؤشر “بلومبرج للعظماء السبعة” 6.5% فقط خلال العام الجاري، وهو معدل يقل كثيراً عن مكاسب مؤشر “إس آند بي 500” البالغة 11%، وارتفاع مؤشر “ناسداك 100″، الذي تهيمن عليه أسهم التكنولوجيا، 15%.
ومن بين الشركات السبع المكونة للمجموعة، لم تتفوق على أداء السوق سوى “أبل” و”إنفيديا”. كما ارتفعت نسخة من مؤشر “إس آند بي 500” تستبعد شركات التكنولوجيا العملاقة بنسبة 12% خلال 2026.
مخاوف الذكاء الاصطناعي تربك المستثمرين
يبدو أن المستثمرين يحملون موقفين متباينين تجاه الإنفاق على الذكاء الاصطناعي. فمن ناحية، يسود تفاؤل واسع بأن الذكاء الاصطناعي سيشكل محركاً قوياً للسوق على المدى الطويل. لكن في الوقت نفسه، يستمر الجدل بشأن ما إذا كانت مئات المليارات من الدولارات التي يجري إنفاقها ستنعكس على صافي الأرباح، ومتى سيحدث ذلك. وتكتسب هذه المسألة حساسية خاصة بعدما حولت دورة الإنفاق العديد من الشركات الكبرى المستثمرة في الذكاء الاصطناعي من كيانات تولد تدفقات نقدية ضخمة إلى شركات تسجل تدفقات نقدية حرة بالسالب.
قال شيا، من “بي إن واي”: “إذا واجهنا سيناريو آخر نضطر فيه إلى خفض توقعات التدفقات النقدية الحرة، فسيؤدي ذلك إلى زيادة المخاوف بشأن استدامة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي والاعتماد على رؤوس أموال إضافية، وستمتد هذه المخاوف إلى شركات الحوسبة السحابية الجديدة وأجزاء أخرى من السوق أيضاً. لكن إذا شهدنا تعديلات إيجابية على توقعات التدفقات النقدية الحرة، فستتنفس السوق الصعداء، بعدما تتأكد من أننا بلغنا القاع في سلسلة التعديلات السلبية للتوقعات، وتجاوزنا أصعب مراحل دورة الإنفاق”.
وبطبيعة الحال، ما زال بعض خبراء “وول ستريت” يرون أن أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة من بين الرهانات الأكثر أماناً في السوق، خصوصاً بعدما أدى تراجع أسعارها خلال العام الجاري إلى انخفاض تقييماتها. ويجري تداول مؤشر “العظماء السبعة” عند مضاعف يقل عن 24 مرة للأرباح المتوقعة، مقارنة بمتوسط يبلغ نحو 29 مرة خلال السنوات العشر الماضية، وانخفاضاً من 33 مرة قبل عام. كما يجري تداول سهمي “مايكروسوفت” و”ألفابت” عند تقييمات أقل من متوسطاتهما طويلة الأجل، بينما يقل مضاعف ربحية “أمازون” عن 20 مرة، مقترباً من أدنى مستوياته منذ 2008.
توقعات نمو “العظماء السبعة”
تأتي مضاعفات التقييم المنخفضة هذه مصحوبة بتوقعات نمو قوية إلى حد كبير. فمن المتوقع ارتفاع أرباح شركات “العظماء السبعة” بنحو 34% خلال العام الجاري، متجاوزة معدل نمو أرباح شركات مؤشر “إس آند بي 500” البالغ 29%، وفق بيانات “بلومبرج إنتليجنس”. علاوة على ذلك، يزداد تفاؤل “وول ستريت” بشأن آفاق المجموعة على المدى الطويل. إذ يُتوقع ارتفاع أرباحها بنسبة 27% في 2027، وهو تقدير إجماعي شهد مراجعات تصاعدية كبيرة خلال الأسابيع الأخيرة. فقبل شهرين، كان المحللون يتوقعون زيادة تقل عن 19%.
قالت تيفاني ماكغي، الرئيسة التنفيذية لشركة “بيفوتال أدفايزرز” (Pivotal Advisors)، في مقابلة مع تلفزيون “بلومبرغ”: “تستمر التوقعات في الارتفاع، ولذلك عندما تنجح هذه الشركات في تحقيق النتائج المنتظرة، يبدو الأمر كما لو أن السوق تشعر بخيبة أمل. المستثمرون يريدون أن تتجاوز النتائج التوقعات بفارق كبير”.
ثم هناك توقعات بأن شركات الحوسبة السحابية العملاقة ستواصل تنفيذ خططها للإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي، بصرف النظر عما إذا كانت ستظهر عوائد ملموسة للمستثمرين، وهو سيناريو يثير قلق “وول ستريت” بشدة.
قالت كيم فورست، كبيرة مسؤولي الاستثمار لدى “بوكيه كابيتال بارتنرز” (Bokeh Capital Partners): “يبدو أن الشركات الأربع الكبرى التي تقود التوسع في بناء البنية التحتية لشركات الحوسبة السحابية الجديدة لا تبدي أي ندم على خططها في الوقت الحالي. ستمضي قدماً في خطط الإنفاق، وهو ما قد يثير قلق المستثمرين”.







