لسنوات طويلة، أسهمت أسعار الفائدة المنخفضة للغاية فى اليابان فى تمويل اقتصادات العالم، بعدما اتجهت البنوك وشركات التأمين وصناديق التقاعد اليابانية إلى استثمار أموالها بكثافة فى الخارج، خصوصاً فى سندات الخزانة الأمريكية.
لكن مع ارتفاع عوائد السندات اليابانية، بدأت هذه التدفقات المالية تتغير، بما يثير تساؤلات بشأن انعكاساتها على استقرار الأسواق العالمية.
وتكشف البيانات عن تحول لافت؛ إذ اشترت البنوك وشركات التأمين اليابانية الكبرى صافى 5.4 تريليون ين، ما يعادل 34.2 مليار دولار، من السندات الحكومية اليابانية التى تتجاوز آجال استحقاقها عامين خلال الأشهر الخمسة المنتهية فى أغسطس 2026.
كما باعت البنوك اليابانية سندات أجنبية بقيمة 2.5 تريليون ين فى سبتمبر، وفق بيانات أوردها تقرير لصحيفة «فاينانشال تايمز».
كذلك تحول صافى استثمارات اليابان فى سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل إلى السالب خلال العام الجاري، فى مؤشر على تغير سلوك المستثمرين اليابانيين بعد سنوات من الاعتماد على الأسواق الخارجية للحصول على عوائد أعلى.
فهل يمكن أن تؤدى هذه التحولات إلى الأزمة المالية العالمية المقبلة؟
ليس بمفردها، لكنها قد تتفاعل مع مواطن ضعف قائمة بالفعل فى أسواق السندات السيادية ومع المستثمرين الذين يعتمدون على الاقتراض لزيادة استثماراتهم، بما يحول تصحيحاً يمكن احتواؤه إلى اضطرابات أوسع نطاقًا.
تغير أنماط الاستثمار
تمتلك اليابان سندات خزانة أمريكية تتجاوز قيمتها تريليون دولار. وعلى مدى سنوات، دفعت العوائد المحلية شبه المعدومة المستثمرين اليابانيين إلى توجيه أموالهم نحو الأسواق الخارجية.
لكن هذه المعادلة تتغير تدريجياً. فقد وصل عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 30 عاماً مؤخراً إلى 4.27%، فيما تقلص تكاليف التحوط من تقلبات أسعار الصرف العائد الفعلى الذى يحققه المستثمرون اليابانيون من السندات الأجنبية.
ويمنح ارتفاع العوائد المحلية البنوك وشركات التأمين حافزاً لإعادة النظر فى توزيع استثماراتها.
ولا يتطلب هذا التحول بالضرورة بيعاً فورياً للأصول الأجنبية؛ إذ يمكن أن يؤدى الاكتفاء بشراء كميات أقل من السندات الخارجية وإعادة استثمار الأموال الناتجة عن استحقاق السندات فى السوق المحلية إلى تقليص الطلب على الأصول الأجنبية تدريجيًا.
وتكتسب هذه التغيرات أهمية خاصة لأن المؤسسات اليابانية تدير محافظ استثمارية ضخمة، ما يعنى أن تعديلات محدودة فى قراراتها قد يكون لها أثر ملموس على الأسواق.
ولا يتمثل الخطر الأساسى فى موجة بيع مفاجئة للأصول القائمة بقدر ما يتعلق باحتمال تراجع أحد مصادر الطلب المستقرة على إصدارات الدين الحكومى الجديدة.
لماذا أصبحت أسواق السندات العالمية أكثر عرضة للضغوط؟
تأتى هذه التحولات فى توقيت حساس؛ إذ تجاوز الدين العام الأمريكى 40 تريليون دولار فى أغسطس، فيما تحتاج وزارة الخزانة الأمريكية إلى إعادة تمويل التزامات كبيرة بالتزامن مع استمرار عجز الموازنة.
ومع تقليص مجلس الاحتياطى الفيدرالى حيازاته من السندات، بات على المستثمرين من القطاع الخاص استيعاب حصة أكبر من إصدارات الدين. وخلال الاجتماعات السنوية الأخيرة لصندوق النقد الدولى والبنك الدولى فى بانكوك، برز ارتفاع الدين السيادى وتراجع الهوامش المالية المتاحة للحكومات باعتبارهما من أبرز مصادر القلق.
وقد يؤدى تراجع الطلب اليابانى على السندات الأجنبية إلى إضافة ضغوط جديدة على العوائد فى الأسواق العالمية، فى وقت تحتاج فيه الحكومات المثقلة بالديون إلى تمويل احتياجات كبيرة.
ومن شأن ارتفاع العوائد زيادة تكلفة الاقتراض وإضعاف القيمة السوقية للأصول، بما فى ذلك أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى المعرضة بالفعل لاحتمالات التصحيح. ويكمن الخطر فى تراكم هذه الضغوط؛ إذ يمكن لارتفاع عوائد الدين السيادى أن يشدد الأوضاع المالية حتى قبل حدوث موجات بيع غير منظمة.
مخاطر صفقات الاقتراض بالين
يأتى التهديد الأكثر مباشرة من المستثمرين الذين يقترضون بالين بتكلفة منخفضة لشراء أصول أجنبية تحقق عوائد أعلى، فيما يُعرف بصفقات «الكارى تريد».
فإذا ارتفع الين بصورة حادة أو زادت أسعار الفائدة اليابانية، فقد تصبح هذه الصفقات أقل ربحية، ما يدفع المستثمرين إلى بيع أصولهم قسراً وتلبية طلبات تغطية الهامش. وقد أظهرت موجة فك جزئى لهذه المراكز فى أغسطس 2024 مدى سرعة انتقال الضغوط بين الأسواق.
كما أبرز التدخل الأمريكى المعلن لدعم الين فى يوليو مخاوف واشنطن من اضطرابات سوق العملات. لكن ارتفاع الين قد يسرّع بدوره تصفية المراكز الاستثمارية الممولة بالعملة اليابانية، بما يوضح كيف يمكن لمخاطر أسعار الصرف والاستقرار المالى أن تتفاعل وتضخم بعضها بعضًا.
وعلى عكس إعادة توزيع المحافظ الاستثمارية تدريجيًا، يمكن أن يحدث تقليص المراكز الممولة بالاقتراض بصورة مفاجئة.
وأشار صندوق النقد الدولى إلى أن إجمالى أصول صناديق التحوط تضاعف أكثر من ثلاث مرات منذ 2013، ليصل إلى نحو 13 تريليون دولار. ويمكن للرافعة المالية التى تعتمد عليها هذه الصناديق، إلى جانب ارتباطاتها بالبنوك عبر المشتقات والتمويل، أن تضخم الصدمات وتنقل الخسائر إلى أسواق السندات والأسهم والاقتصادات الناشئة.
كما تستطيع المؤسسات المالية غير المصرفية نقل الضغوط إلى البنوك من خلال طلبات تغطية الضمانات وخطوط الائتمان واتفاقيات إعادة الشراء، ما يجعل تقدير حجم انتقال العدوى المالية وسرعته أمراً بالغ الصعوبة.
الأزمة ليست حتمية
لا توجد أدلة على أن اليابان تعيد جميع استثماراتها إلى الداخل بصورة شاملة. فقد اشترت صناديق التقاعد اليابانية صافى 11.4 تريليون ين من السندات الأجنبية طويلة الأجل خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026.
ولا تزال اعتبارات تنويع الاستثمارات وإدارة الالتزامات وتوقعات أسعار الصرف تدعم استمرار بعض الاستثمارات الخارجية للمؤسسات اليابانية.
ويتمثل الخطر الحقيقى فى تزامن عدة صدمات، تشمل تحركات حادة فى سعر الين، واضطرابات غير منظمة فى سوق السندات اليابانية، وتجدد الشكوك بشأن استدامة المالية العامة فى الاقتصادات المتقدمة.
وبالتالي، ليس من الضرورى أن تكون اليابان مصدر مواطن الضعف الأساسية فى الأسواق العالمية؛ لكنها قد تكون الشرارة التى تكشفها. ويمثل هذا التمييز عاملاً مهماً فى تقدير احتمالات وقوع أزمة وتحديد الاستجابة المناسبة لها.
اختبار للاستقرار المالى الدولى
لا يمكن لبنك اليابان أو مجلس الاحتياطى الفيدرالى إخضاع أهداف السياسة النقدية المحلية لاعتبارات محافظ المستثمرين الأجانب، لكن يتعين على المؤسستين إدراك التداعيات الدولية لقراراتهما.
وينبغى لصندوق النقد الدولى تقييم كيفية تفاعل تدفقات رؤوس الأموال اليابانية مع مخاطر الدين السيادى والتمويل غير المصرفى المعتمد على الرافعة المالية. كما تحتاج الجهات التنظيمية إلى بيانات أفضل عن الأنشطة العابرة للحدود واختبارات ضغط تقيس تأثير وقوع صدمات متزامنة فى أسواق السندات والعملات.
ويظل تطبيع السياسة النقدية اليابانية خطوة مبررة، كما أن وقوع أزمة مالية عالمية ليس أمراً حتميًا. لكن هذه العملية تحدث فى وقت ترتفع فيه احتياجات الحكومات إلى الاقتراض، وتزداد فيه الروابط بين الأسواق والتعرضات المالية المتبادلة.
فعلى مدى عقود، أسهمت أسعار الفائدة المنخفضة فى اليابان فى تمويل العالم. أما السؤال المطروح الآن فهو: هل العالم مستعد لاحتمال عودة جزء أكبر من الأموال اليابانية إلى الداخل؟








