تعمل الحكومة على إطلاق حزمة تحفيز جديدة للاقتصاد بقيمة 24 مليار جنيه فى يناير المقبل وهو ما يستدعى تقييم واقعى لنتائج حزمة التحفيز الأولى التى بدأت الحكومة تنفيذها وخصصت لها 29.9 مليار جنيه حتى لا تتحول سياسات التحفيز لمجرد اتفاق على الطريقة الكنزية بحفر الحفرة وإعادة ردمها لمحاربة الركود وزيادة معدلات التشغيل.
ويلمس المواطنون فى مناطق عديدة تحسناً فى مستويات إنجاز وتطوير أعمال البنى التحتية خاصة رصف الشوارع وتطوير الكبارى وقد تكون أعمال تم إنجازها فى قطاعات كالصناعة والموانئ وغيرها بعيدة نسبياً عن المتابعة الجماهيرية إلا ان واقع الحال أيضاً يشير إلى غياب فقه الأولويات فى الانفاق.
وتابعت على مدار الشهر الماضى قيام حى مدينة نصر بتطوير حديقة صغيرة تتوسط الكتلة السكنية خلف محكمة مدينة نصر ومزروعة بالأشجار ومحاطة بسور من نباتات الأسوار ولا تمثل لسكان المنطقة سوى أنها رئة خضراء فإذا بعملية تطوير تبدو مكوكية تلحق بها.. بلدوزرات تقتلع الأشجار.. وجرافات تحفر لإقامة سور خرسانى حول الحديقة وعشرات العمال يبدأون العمل فى السادسة صباحاً حتى نهاية اليوم بما فى ذلك يوم الجمعة.. وطوب وأسمنت وحديد وخراسانات وسرعان ما تم تجميل السور بالطوب الحجرى وتركيب جزء من الحديد المشغول ـ ويجرى حالياً ـ إعادة ترتيب أحواض الذرع بالحديقة ليتم إعادة زراعتها وارجو ألا يكون هناك مخطط آخر لتغيير استخدامها.
ورغم سعادتى لأن منزلى يطل على هذه الحديقة إلا ان تطورات العمل فى تطويرها قفز بحفرة كينز لتطاردنى كلما قرأت تصريحات المسئولين عن التحفيز وخلق فرص عمل فالتشغيل لا يختلف عليه اثنان فى تأثيره على النشاط الاقتصادى والنمو إلا أن الأولويات تفرض أن يكون التحفيز منتجاً ويسهم فى حل مشكلات حقيقية يعانى منها المواطنون وأن تكون هناك أولوية لما هو عاجل وما هو مهم وفقاً لما قاله رئيس الوزراء حازم الببلاوى فى كتاب 4 شهور فى قفص الحكومة بعد خروجه من وزارة المالية فى حكام د. عصام شرف.
وفى دولة تعانى من عجز موازنة بنحو 240 مليار جنيه ودين عام يقترب من 1.8 تريليون جنيه بخلاف مديونيات التأمينات وغالبية الاحتياطى النقدى لها ودائع من دول عربية بغرض المساندة وفى أعقاب مطالب للعدالة الاجتماعية تتزايد منذ ثورة 25 يناير يصبح انفاق ملايين الجنيهات على حديقة لم تكن مصدر شكوى أو ازعاج للسكان المحيطين بها هو استمرار لذات السياسات الخاطئة التى اهملت لسنوات طويلة ترتيب أولويات الانفاق لمن يستحقون وأغدقت على من لا يستحقون بل وغضت الطرف عن مشكلات أكثر إلحاحاً كالصحة والتعليم والمرور والإسكان والمناطق الأكثر فقراً وغيرها.
وأزعم ان حديقتنا مثال تكرر كثيراً فى حزمة التحفيز الأولى ومع حزمة ثانية للتحفيز لابد ان تكون هناك أولويات أكثر أهمية وإلا فما سيتم انفاقه سيتم دفنه فى حفرة «كينز» ولن تحقق سوى أهداف قصيرة الأجل قد تسهم فى تجميل الصورة ولكنها سرعان ما تعود بنا لنقطة الصفر.. نحتاج لسياسات بأولويات جديدة بوجوه جديدة.
Email: [email protected]








