بقلم: دانيل ليفى
يتعامل رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، بالفعل مع مشكلة فى غزة، ولكنها ليست كما يُعتقد، ورغم تصدى نظام الدفاع الإسرائيلى للصواريخ، فإن انطلاق صافرات الإنذار فى تل أبيب والقدس وحيفا مع كل صاروخ من غزة يتسبب فى ترويع وتعطيل، ولم تعان إسرائيل خسائر بشرية منذ إطلاق هجومها، وسوف تبقى الخسائر منخفضة طالما أنه لا يوجد هجوم بري.
أما الضرر الذى ستسببه هذه الجولة من التصعيد فسوف ينعكس غالباً على المصالحة الوليدة بين حركة فتح برئاسة محمود عباس – والتى تسيطر على الضفة الغربية – وحماس، مما يقدم لنتنياهو هدية على طبق من فضة.
فهو يحب الانقسامات التى تضعف الفلسطينيين، كما أنه يرحب بفرصة استخدام غزة مجدداً لتبرير رفضه للمفاوضة على أى انسحاب من الضفة الغربية، ويبدو أن الدرس الذى تعلمته إسرائيل من انسحابها فى غزة فى 2005 ترسخ بشكل أعمق فى نفسيتها وهو أن الانسحاب يؤدى إلى إنتاج صواريخ، وما يثير السخرية أن هذا الدرس يرجع إلى حد كبير لسياسات إسرائيل الخاصة.
ولا تكمن مشكلة نتنياهو فى النصر فى حد ذاته، بل فى النصر لأى غاية؟ فالصعوبة التى يواجهها فى إنهاء هذه الجولة من التصعيدات تنبع أساسا من عدم وجود غاية واضحة سواء فى غزة أو الضفة الغربية، وعلى الأقل لن يعترف بهذا علنا.
وهو لا يريد أن يعيد احتلال غزة ويصبح مسئولاً بشكل رسمى عن سكانها البالغ عددهم 1.7 مليون نسمة، كما أنه يعلم أنه لا يمكن إجبار مصر على تحمل هذه المسئولية، وفى الوقت نفسه، ليس فى صالحه أن يسلم غزة لعباس لكى لا يعزز قوة المعسكر الفلسطينى المعتدل.
كما يتجنب نتنياهو أى حلول للصراع الإسرائيلى الفلسطينى الأوسع، ويفضل أن يبقى غزة والضفة الغربية منفصلتين بينما يغير ويبدل الوضع الراهن بطرق تعزز السيطرة الإسرائيلية، وذلك ما جعله يقبل بمبادرة وقف إطلاق النار من مصر.
ويخاطر نتنياهو بإشعال فوضى مثل التى يشهدها العراق إذا أهان حماس بشدة، وإذا استمر عدد الضحايا المروع بالفعل فى التصاعد، وقد تنشب الاحتجاجات بين الفلسطينيين فى الضفة الغربية والقدس الشرقية وإسرائيل نفسها، وسوف يخضع الحكام الإقليميون غير المتعاطفين مع حماس لضغوط شعوبهم للقيام بشيء، وقد تتسع دائرة الصراع، وبالفعل بدأت بعض الصواريخ من لبنان وسوريا تنطلق باتجاه إسرائيل.
ومن ناحية أخرى، إذا لم يعاقب نتنياهو حماس بقوة، فسوف يواجه صداماً مع حلفائه من اليمين المتطرف الذين اتخذهم شركاء فى ائتلافه الحاكم، فهو يسعى لأن يجعل حماس ليست فى غاية القوة أو الضعف، كما انه ينوى إبقاء حماس تحت الحصار حتى بعد استعادة الهدوء، كما انه يفضل ألا يلتزم بصفقة تفاهم بعيدة المدى، وهذا ما قدمته له المبادرة المصرية.
وتنطبق القصة نفسها على الضفة الغربية، فنتنياهو يريد أن تتحمل السلطة الفلسطينية مسئولية الفلسطينيين من خلال المساعدات والمنح وليس بامتلاك الأرض أو الموارد أو الأمن أو بأن تصبح دولة سيادية.
ويعد الوصول إلى المزيج الصحيح من السياسات لتحقيق ذلك صعبا، كما أن إنكار حق الآخر فى الحرية والحقوق ليس علما دقيقا، ووضع نتنياهو هيكل حوافز ضار فى غزة والضفة الغربية، فالهدوء فى غزة يقابله حصار، أما التعاون فى الضفة الغربية فيقابله المزيد من المستوطنات الإسرائيلية.
وبالنسبة لنتنياهو، فقد احتوت هذه الطريقة الصراع فى إطار الحدود التى يراها مقبولة، وإن كان بتكلفة رهيبة على الفلسطينيين، وبالمزيد من تآكل الديمقراطية الإسرائيلية التى عصف بها بالفعل التعصف القومى المتطرف والمنحاز.
ولكن الاستمرار بهذه الطريقة خطير لأنه قد يؤدى إلى تفجير نضال ضد التمييز العنصرى أو إلى أسوأ من ذلك مثل ظهور راديكالية فلسطينية مشابهة للدولة الإسلامية فى العراق والشام، ما سيجعل إسرائيل تتمنى لو كانت تفاوضت بجدية مع قيادة موحدة من فتح وحماس عندما كانت الفرصة سانحة لديهم.
إعداد: رحمة عبدالعزيز
المصدر: الفاينانشيال تايمز








