قد نقبل التجريب جزئيا فى المسرح كما كان يحدث أيام فاروق حسنى، لكنه لا يصلح فى إدارة الدولة.
ورب ضارة نافعة، فإذا كانت مؤسسة الرئاسة قد تعرضت لضربة شديدة فى معركتها الأخيرة مع النائب العام، فربما يستطيع محمد مرسى إعادة النظر فى كل ما يتعلق بإدارة الأزمات.
كان حسنى مبارك يفكر مليار مرة قبل أن يتخذ قرارا لدرجة تصيب العالم بالملل، والنتيجة أنه جعلنا نعيش «استقرار القبور»، فى حين أن مرسى يتخذ قرارات بصورة تبدو أحيانا أسرع من اللازم.
لا نريد ملل مبارك لكننا لا نحبذ اندفاع مرسى إذا كان الأمر سينتهى بالطريقة التى انتهى إليها فى قضية إعادة مجلس الشعب المنحل أو قضية محاولة إبعاد النائب العام.
لكن هل تعرفون أين هى المفاجأة بعد أكثر من مائة يوم من حكم مرسى وستة شهور قضاها الإخوان فى مجلس الشعب قبل أن يتم حله؟!.
المفاجأة الحقيقية أنه حتى الإخوان الذين كنا نظن أنهم أفضل من رموز مبارك فيما يتعلق بالإدارة، قد خاب ظننا فيهم حتى الآن.
إحدى جرائم مبارك أنه دمر الكثير من مواهب وقدرات البشر وأهمل التدريب وقتل المنافسة والنتيجة أننا نفتقد الكوادر الإدارية المؤهلة فى كثير من المجالات.
الإخوان جزء من مصر ولذلك أصيبوا مثلما أصيب غالبية الشعب المصرى من جراء سياسة مبارك التدميرية، وما ينطبق على الإخوان فى هذا الأمر ينطبق على كل الأحزاب والقوى السياسية التى كانت معارضة لمبارك، لدرجة تذكرنا بالعبارة التى تقول «إنه لم يكن هناك أسوأ من نظام مبارك إلا معارضته»!.
صدقنا أن الإخوان لديهم برنامج حقيقى للنهضة كما قالوا لنا ثم تبين أن الأمر مجرد أمنيات أو «ترويج إعلامى» كما قال قيادى إخوانى.
تصورنا أن لدى الإخوان خطة أو رؤية اقتصادية اجتماعية محددة، لكننا لم نرها حتى الآن.
السؤال هو: كيف نتفادى الوقوع فى مطبات أخرى فى المستقبل؟!.
بداية الحل أن يطلب الرئيس محمد مرسى من كبار مساعديه ومستشاريه وأعضاء حكومته أن يدرسوا الملفات والقضايا دراسة معمقة ويعرضوا عليه كل الخيارات المتاحة حتى يأتى قراره سليما قدر المستطاع.
النقطة الثانية أن يتأكد الرئيس مرسى من أن كل مساعديه وكل المسئولين فى المناصب الكبيرة لديهم كفاءة حقيقية.
الأداء البائس فى الفترة الأخيرة يجعلنا نقبل أن يعين الرئيس ما يشاء من الإخوان فى أى مكان بشرط بسيط أن يكون الشخص كفئا، وإذا لم يجد هذا الكفء داخل جماعته فليبحث عنه خارجها، حتى لا يدفع الشعب كله ثمن القرارات الخاطئة الناتجة عن سوء تقدير سياسى منقطع النظير.
نعرف أنه لا أحد يشكك فى نزاهة ونظافة يد الذى اختارهم الرئيس، لكننا نتحدث عن الكفاءة لأنه حتى عندما أبحث عن خطيب مسجد جيد فلا يكفى أن يكون تقيا وورعا بل فقيها ودارسا للدين ومفوها فى الحديث وإلا صار لا فرق بين القرضاوى وأى خطيب «نص لبة» فى زاوية مهجورة.
على العقلاء فى جماعة الإخوان المسلمين ألا تأخذهم العزة بالإثم ويعتقدوا أنهم الأفضل، و«الآخرون هم الجحيم».
نعيش واقعا صعبا والحل الوحيد لعبور الأزمة أن يكون حول مرسى أكبر قدر من التوافق الوطنى وأكبر عدد من العقول المؤهلة.
وبمناسبة سوء الأداء فقد وجب علينا الاعتذار للمجلس الأعلى للقوات المسلحة الذين انتقدناهم كثيرا لسوء الأداء السياسى، وأنه «مبيعرفش».
والآن تبين أن الجميع بمن فيهم الإخوان «لا يعرفون أيضا» وأن ما أصابنا هو وباء قومى سببه «فيروس استقرار القبور» لصاحبه حسنى مبارك.
بقلم :عماد الدين حسين- الشروق








