عندما هبط المغامر النمساوى العظيم فيلكس باوم جارتنر إلى الأرض بسلام بعد قفزة من ارتفاع 39 كيلو مترا، كتبت على صفحتى على الفيس بوك مقارنا بين «حالنا المايل» وكيف أننا لا نعرف بعد ثورة عظيمة أن نتظاهر فى مكان واحد بطريقة سلمية حضارية.
بعض الأصدقاء لم يعجبه ذلك معتقدا أن هذه المقارنة جلد للذات.
المشكلة أن ثورة الإعلام والاتصالات تدخلنا ــ دون أن ندرى ــ فى لعبة المقارنات، بصورة لا إرادية. ومن لا يصدق عليه بمطالعة التعليقات الكوميدية الساخرة، بعد هذا الحدث وكان أفضلها أن السلفيين قالوا إن النط حرام، فى حين قال الإخوان المسلمون انها إحدى ثمار مشروع النهضة!.
حتى هبوط فيلكس مساء الأحد لم أكن أدرك سر عبقريته حتى قرأت أن هذا الإنجاز فريد لأنه أول انسان يخرق جدار الصوت خلال سقوط حر وبلغت سرعته حدا قياسيا لانسان وهى 1341,9 كيلومتر فى الساعة، أى اسرع من الصوت بمرة وربع تقريبا.
أعرف تماما أنه لا يمكن موضوعيا المقارنة بين مصر والنمسا، أو حتى بين مصر وتركيا، لاختلاف الظروف وأشياء كثيرة، لكن على الأقل نستطيع أن نتعلم شيئا عندما نرى ماذا يفعل الآخرون.
فى الماضى كان علماء السياسة يقولون إن مراحل تغير الشعوب تحتاج إلى فترات زمنية طويلة، ونقطع مراحل محددة حتى نصل إلى مرحلة مجتمع الرفاه على نحو ما تقول الماركسية مثلا. البعض يقول الآن إن ثورة الاتصالات غيرت الكثير من النظريات السياسية.
وإذا صح ذلك فإننا لا يمكن أن نجلس تحت «الصفصافة» وننتظر المراحل الزمنية لكى نبدأ مشوار التقدم.
ما فعله النمساوى فيلكس ليس مجرد «نطة مغامر» يريد جذب وسائل الإعلام، بل هى انعكاس لمجتمعات حسمت خياراتها، فيما يتعلق بالعلم وانطلقت إلى الآفاق الرحبة لهذا العلم.
وحتى لا يفهمنى بعض الجهلاء خطأ، أسارع فأقول إن العلم الذى نقصده هنا لا ينبغى أن يتصادم مع الدين كما حدث فى أوروبا.
أمريكا الأكثر تقدما فى البحث العلمى وتجربة فيلكس تمت على أرضها ورغم ذلك فحركة التدين فيها تتزايد يوما بعد يوم، وفى تركيا التى يحكمها حزب له مرجعية إسلامية هناك نهضة حقيقية، ولم نسمع أصواتا عالية عندهم تنشغل فى «السفاسف والتفاهات» التى تحاول وضع الدين فى مواجهة مع العلم.
وأتمنى أن يدرس إخواننا المسلمون فى مصر وكل أنصار التيار الإسلامى التجربة التركية بعمق خصوصا من زاوية التعايش بين أفراد الشعب المختلفين والأخذ بجوهر الدين وليس قشوره.
معظم «أصحابنا» هنا يصرون على قشور الدين. أحدهم ينشغل بتمثيل إلهام شاهين والآخر بسن زواج الفتيات، والثالث بالدعوة إلى عدم زواج الإخوانى من غير الإخوانية، والرابع يدعو لعدم جواز ركوب القسيس المسيحى فى تاكسى المسلم.
أعرف أن النماذج السابقة ليست جوهر كل التيار الإسلامى الممتلئ بعقلاء كثيرين، لكن المشكلة أن صوت هؤلاء العقلاء يضيع فى زحام أصوات الجهلة والمتخلفين و«العملاء» الذين يسيئون للإسلام أكثر مما يسيئون لخصومه.
جوهر مشكلة مصر الآن ليست أن تكون أفلامنا محتشمة، أو زى المرأة، بل بتوافق القوى الرئيسية فى المجتمع على دستور عصرى تقدمى نبدأ بعده وفورا فى العمل والإنتاج بكل طاقاتنا حتى نستطيع أن نسير على بداية طريق الأمم التى تحترم نفسها.
أفضل خدمة يقدمها التيار الإسلامى فى مصر للإسلام أن ينهض بمستوى معيشة شعبه ويوفر له الحرية والكرامة ولقمة الخبز.. إذا حدث ذلك سنتقدم فى كل المجالات، ووقتها سيحترمنا العالم.. أما قبل ذلك فأنا أشك كثيرا.
بقلم : عماد الدين حسين – الشروق








