القوى البشرية غير كافية لتمكين الصين من إسقاط الأمريكيين من القمة .. و %3 نمو الرينيمبى السنوى
روجت عناوين الأخبار حول العالم الأسبوع الماضى حدثاً يمثل نقطة تحول بالنسبة للاقتصاد العالمي، وهو أن الصين تستعد للتفوق على الولايات المتحدة كالقوة الاقتصادية الرائدة فى العالم العام الجاري، ويعتبر هذا الأمر تطوراً مذهلاً، أو أنه هكذا إن لم يكن هذا الادعاء خطأ فى الأساس، ففى الواقع، لاتزال الولايات المتحدة أكبر اقتصاد فى العالم بفارق كبير.
وتقوم القصة كلها على التقرير الذى أصدره برنامج المقارنات الدولية التابع للبنك الدولى يوم 29 ابريل، وتقارن بيانات برنامج المقارنات الدولية بين الناتج المحلى الإجمالى للدول باستخدام أسعار صرف تعادل القوة الشرائية بدلا من أسعار صرف السوق.
ويقول جيفيرى فرانكل فى مقال له على موقع بروجيكت سينديكيت، تعد هذه الطريقة فى القياس صحيحة عندما ننظر إلى الدخل الحقيقى لكل فرد (المعدل وفقا للتضخم) من أجل قياس مستوى معيشة المواطنين، ولكن من الخطأ استخدامها عندما ننظر إلى الدخل القومى لقياس حجم الدولة فى الاقتصاد العالمي.
ومن حيث أسعار الصرف فى السوق، لايزال الاقتصاد الأمريكى ضعف حجم اقتصاد الصين تقريبا، وإذا ظل معدل النمو السنوى للاقتصاد الصينى أعلى من نظيره الأمريكى بخمس نقاط مئوية، مع عدم وجود تغيير كبير فى سعر الصرف، فسوف تستغرق الصين اثنى عشر عاما أخرى للحاق بالاقتصاد الأمريكى من حيث الحجم الإجمالي، وإذا كان الفارق ثمانى نقاط مئوية على سبيل المثال لأن الرينيمبى يرتفع بنسبة %3 سنويا بالقيمة الحقيقية فإن الصين سوف تتجاوز الولايات المتحدة فى غضون ثمانى سنوات.
ومن حيث نصيب الفرد من الدخل، حتى بمقياس تعادل القوة الشرائية، لاتزال الصين دولة فقيرة نسبيا، ورغم أنها قطعت شوطا طويلا للغاية فى وقت قصير، فإن نصيب الفرد فى دخلها الآن يعادل نظيره فى ألبانيا.
ولكن اقتصاد ألبانيا، بخلاف الصين، لا يرد غالبا فى عناوين الأخبار، ولا يعود هذا الأمر فقط لأن الصين لديها اقتصاد نشيط، بل لان بها أيضا أكبر كثافة سكانية فى العالم، وبضرب نصيب الفرد من هذا الدخل المتوسط فى أكثر من 1.3 مليار فرد، فالنتيجة ستكون ضخمة، والمزيج بين الكثافة السكانية الضخمة والدخل المتوسط يعطى الصين قوة اقتصادية وسياسية أيضا.
ويقول فرانكل إننا نعتبر الولايات المتحدة القوة رقم واحد على مستوى العالم ليس فقط لأنها غنية، فإذا كان دخل الفرد هو المعيار الذى سنحكم من خلاله، فموناكو وقطر ولوكسمبورج وبروناى وليختنشتاين والكويت والنرويج وسنغافورة سيكون ترتيبها جميعها قبل الولايات المتحدة.
ولكن موناكو وبروناى وليختنشتاين لا تعتبر من بين “القوى الاقتصادية الرائدة” فى العالم لأنها صغيرة للغاية، فما يجعل الولايات المتحدة الدولة صاحبة القوة الاقتصادية الرائدة على مستوى العالم، كما يرى فرانكل، هو المزيج بين الكثافة السكانية الضخمة ودخل الفرد المرتفع.
لذا، فتعادل أسعار صرف القوة الشرائية لن تكون هى الأداة الأفضل لاستخدامها فى الإجابة عن سؤال ما إذا كات الصين نجحت فى إزاحة حامل اللقب لفترة طويلة، والسبب فى ذلك هو أننا عندما نتحدث عن حجم وقوة الاقتصاد، فإننا نتحدث عن نطاق واسع من الأسئلة ونطاق واسع من المحاور، فمن منظور الشركات الدولية ما هو حجم السوق الصيني، ومن منظور أسواق المال العالمية هل سيتحدى الرينيمبى الدولار كعملة دولية، ومن منظور صندوق النقد الدولى وغيره من الهيئات متعددة الأطراف كم من المال ستسهم به الصين؟.
وللإجابة عن هذه التساؤلات، والأسئلة الأخرى التى تدور حول الثِقل الاقتصادي، فإن المؤشر الذى ينبغى لنا أن نستخدمه هو الناتج المحلى الإجمالى بأسعار الصرف فى السوق، لأن ما نريد معرفته هو الكم الذى يستطيع الرينيمبى شراءه من السلع فى الأسواق العالمية، وليس السلع المحلية والخدمات التى يمكنه شراؤه داخل الصين، والجواب عن هذا السؤال هو أن الصين تستطيع أن تشترى أكثر من أى دولة أخرى فى العالم باستثناء الولايات المتحدة.








