كشفت القوائم المالية لبنكى الأهلى ومصر عن تسجيل أرباح تاريخية للبنكين خلال العام المالى الماضى، لكنها كشفت أيضا عن الصعوبات التى تواجه أكبر بنكين فى البلاد فى تحقيق نتائج تليق بحجمهما فى السوق.
ويسيطر البنكان على ما يقرب من 40% من أصول الجهاز المصرفى لكن العائد على هذه الأصول الضخمة لايزال متدنياً بالمقارنة مع البنوك الخاصة التى تدير أصولها بشكل أكثر كفاءة.
وحقق البنك الأهلى المصرى أكبر أرباح فى القطاع المصرفى على الإطلاق وأعلى ربحية فى تاريخه الذى يمتد لأكثر من قرن من الزمان فى العام المالى الماضى، لتبلغ 3.7 مليار جنيه، لكن بالنظر إلى حجم أصوله التى تعد مبعث فخر لإدارته فإن التساؤلات حول ربحية البنك لاتزال قائمة.
ويبلغ حجم أصول البنك 456 مليار جنيه وتحرص الإدارات المتعاقبة على عدم التضحية بحصته السوقية، ما يعنى معدلات نمو سنوية كبيرة، لا تقل عن 10% سنوياً وفقاً لهشام عكاشة رئيس البنك.
وفى بنك مصر يبلغ حجم الأصول 274 مليار جنيه، وحقق أرباحاً تاريخية أيضا خلال العام المالى الماضى بلغت 2.5 مليار جنيه وهو يصنف كثانى أكبر بنك فى البلاد بعد البنك الأهلى المصرى.
أما البنك التجارى الدولى الذى تقل أصوله عن ثلث أصول البنك الأهلى فقد حقق أرباحاً بقيمة 3.7 مليار جنيه خلال العام الماضى.
وبلغ العائد على أصول البنك الأهلى المصرى 0.8% وبنك مصر 0.9% مقابل 2.6% للبنك التجارى الدولى الذى لا تتجاوز حصته السوقية 7.5% من أصول الجهاز المصرفى.
وبالرغم من هذه الحقائق إلا أن رئيس المجموعة المالية فى البنك الأهلى حسين الرفاعى انتقد المقارنة مع البنوك الأخرى الناجحة فى السوق، مشيرا إلى فترات الضعف التى مرت بها البنوك العامة مطلع الألفية والتى شهدت ارتفعات المديونيات الرديئة وضعف رؤوس الأموال وفجوات المخصصات، فى الوقت الذى كانت فيه البنوك الخاصة تعزز جودة أصولها وتسجل أرباحاً حقيقية.
وتشير التفاصيل المنشورة فى القوائم المالية للبنوك العامة إلى استمرار عدم قدرة هذه البنوك على توليد عوائد مناسبة على محافظها الضخمة فى القروض والاستثمارات المباشرة والأوراق المالية، بالرغم من مرور أكثر من 10 سنوات على بدء عمليات الإصلاح والهيكلة واسعة النطاق التى خضعت لها.
وبدأت عمليات إصلاح البنوك العامة فى العام 2004 عندما تم استقطاب كوارد مرتفعة الكفاءة من القطاع الخاص، وجرى استحداث صندوق تطوير وتحديث بنوك قطاع العام لتمويل رواتب هذه الكوادر وتحديث الأنظمة التكنولوجية.
وشهد عاما 2007 و2008 استقطاب مئات الكوارد للعمل فى بنكى مصر والأهلى وهو ما ساهم فى تحويل البنكين من الربحية الوهمية إلى تسجيل معدلات ربحية حقيقية لأول مرة منذ سنوات طويلة.
وشهدت الأعوام التى تلت ذلك طفرات ضخمة فى الارباح كان سببها الرئيسى إغلاق فجوات المخصصات وتحصيل جزء كبير من المديونيات الرديئة.
وعلى ما يبدو فإن عصر الطفرات فى البنكين انتهى وأصبحت الأمور تأخذ مجراها المعتاد وهو ما يكشف عن ضعف القدرة على التوظيف الجيد للأصول.
وتكشف القوائم المالية للبنك الأهلى عن تدنى الدخل من العائد (الفائدة) فى الاستثمار فى القروض والأذون والأدوات المشابهة بالقياس إلى حجم هذه المحافظ.
وبلغ العائد على الاستثمار فى القروض والأذون 8.8% من إجمالى حجم تلك الاستثمارات، ويرتفع هذا المعدل إلى 11.3% فى بنك مصر، بينما يبلغ 12% فى البنك التجارى الدولى.
وتبلغ محفظة قروض البنك الأهلى 116.8 مليار جنيه، وهو أكبر مقرض فى مصر، كما أنه أكبر مستثمر فى أدوات الدين العام، التى تبلغ محفظتها لديه 116.5 مليار جنيه أيضا.
وتبلغ توظيفات بنك مصر فى القروض والأذون 128 مليار جنيه، أما البنك التجارى الدولى فتبلغ استثماراته فى القروض 48 مليار جنيه والأذون والسندات 30.5 مليار جنيه.
إضافة إلى ما سبق تبدو معدلات تعرض البنوك العامة لأدوات الدين الحكومى مرتفعة بشكل قد لا يبدو مفهوماً من الناحية الاقتصادية وذلك على حساب معدلات الاقراض وهى الأكثر أهمية بالنسبة لتوليد عوائد مرتفعة وأكثر استدامة.
وكشفت القوائم المالية للبنك الأهلى عن تراجع فى معدلات توظيف القروض إلى الودائع خلال العام المالى المنتهى فى يونيو 2014، لتصل إلى 29.6% مقابل 34.2% خلال العام المالى السابق له.
وأرجع المدير المالى للبنك التراجع فى معدل التوظيف إلى نمو الودائع بمعدلات أكبر من الزيادة فى القروض، مشيرا إلى أن الودائع نمت بمعدل 26% خلال العام المالى الماضى بينما نمت محفظة قروض البنك بمعدل 9% العام الماضى وهو معدل أعلى من نمو القروض بالسوق والتى بلغت 7.2%.
أضاف الرفاعى أن أوضاع السوق الأعوام الماضية وتراجع التدفقات النقدية لأغلب القطاعات وانخفاض الطلبات أدى إلى تدنى معدلات التوظيف، مشيرا إلى أن البنك الأهلى تحدى أغلب العوائق وحقق معدلات نمو أعلى من السوق خلال العام الماضى.
كما تراجعت معدلات توظيف القروض للودائع ببنك مصر خلال العام الماضى لتسجل 22.3% مقابل 25.8% العام المالى المنتهى فى يونيو 2013، وهو معدل أقل من متوسط التوظيف فى السوق الذى يدور حول 40%.
وقال محمد الأتربى رئيس مجلس إدارة بنك مصر، إن البنك يستهدف مضاعفة معدلات التوظيف خلال العام المالى المقبل لتصبح 44% من إجمالى الودائع التى بلغت 240 مليار جنيه فى يونيو الماضى.
أضاف الأتربى أن البنك يسعى لزيادة توظيفاته فى القروض من خلال دراسة عدد كبير من المشروعات المطروحة فى مختلف القطاعات.
وأشار إلى أن الزيادة فى التوظيفات مع انتقاء القنوات الأفضل ملاءة سينعكس على ربحية البنك الأعوام المقبلة.
ورغم تراجع توظيفاته فى القروض إلا أن البنك التجارى الدولى مايزال محتفظا بمعدل مشابه لمعدلات التوظيف فى السوق، وتبلغ قروضه إلى ودائعه 39.9%.
وتكشف القوائم المالية أيضا عن تحمل البنكين لتكلفة ودائع أعلى بمعدلات واضحة من نظيرتها فى البنوك المنافسة والأكثر ربحية.
ويبلغ متوسط تكلفة الودائع والأدوات المشابهة فى البنك الأهلى 5.9%، وفى بنك مصر 5.1%، بينما يبلغ متوسط ما يدفعه البنك التجارى الدولى مقابل ودائعه 4.2%.
وبرر الرفاعى ارتفاع تكلفة الودائع بالبنك الأهلى للزيادة الكبيرة فى ارصدة الإيداعات مقارنة بمعدلات نمو التوظيفات الضعيفة خلال الاعوام الماضية.
وأظهرت القوائم المالية للبنك الاهلى تراجع فى هامش الدخل من العائد خلال العام المالى الماضى لتصل 2.45% مقابل 3% للعام المالى السابق له، وذلك على الرغم من نمو أصول البنك بنحو 24%.
وقال الرفاعى إن تراجع هامش الدخل من العائد جاء بسبب تذبذب الأسعار والارتفاع السريع فى الأصول خاصة فى ظل ضعف معدلات التوظيف.
وبلغ هامش الدخل من العائد لبنك مصر خلال العام المالى الماضى 2.4%، مقابل 4.4% للبنك التجارى الدولى.
ورغم ارتفاعها العام المالى الأخير سجلت ربحية السهم بالبنك الأهلى 0.35 جنيه مقابل جنيه لبنك مصر و3.55 جنيه للتجارى الدولى.
وتوقع المدير المالى للبنك الأهلى نمو ربحية السهم بالبنك خلال العام المالى الحالى، وفقا لتوقعات نمو مؤشرات السوق الفترة المقبلة.
كما كشفت القوائم المالية للبنك الاهلى عن ارتفاع فى تكلفة التشغيل بالبنك خلال العام الماضى لتصل إلى 37.1% مقابل 34.7%.
وقال المدير المالى للبنك إن ارتفاع الأسعار تفسير منطقى لارتفاع تكلفة تشغيل البنك الذى يمتلك شبكة فروع كبيرة تقترب من 300 فرع ووحدة مصرفية، مشيرا إلى أن العام الماضى شهد زيادة فى مصروفات الطاقة والمياه والمواد الخام والتأمينات.
وقال مسئول سابق بالإدارة العليا للبنك إن الأهلى يواجه تحديات كبرى فى منافسة بعض البنوك الخاصة التى تعمل تحت نفس الضغوط، معتبرا تكلفة التشغيل أحد أهم تلك العوائق التى تواجه ربحية البنك بالإضافة إلى تفاقم الضرائب المحملة على أدوات الدين خاصة مع ضخامة حجم استثمارات البنك بها.
وتراجعت تكلفة التشغيل بالبنك التجارى الدولى خلال 2014 لتصل إلى 23.9% مقابل 29.1% لعام 2013.
وعلى الرغم من توضيح القوائم المالية للبنك الاهلى لتراجع العائد على حقوق الملكية لتصل إلى 15% مقابل 17.6% إلا أن المدير المالى للبنك وصفها بأنها من بين الأعلى فى السوق، وتوقع نموها الأعوام المقبلة.
وفى المقابل قفز العائد على حقوق الملكية ببنك مصر بنحو 3.5% ليصل إلى 12.5% بنهاية العام المالى الماضى مقابل 8% للعام المالى السابق له
بينما ارتفع العائد على حقوق الملكية بالبنك التجارى الدولى لتصل إلى 33.6% مقابل 33% للعام 2013.
وتسود مخاوف بشأن أداء البنوك العامة خلال الفترة المقبلة بعد تقليل المزايا التى كان يحصل عليها العاملون فى تلك البنوك.
وشهد العام قبل الماضى إلغاء صندوق تطوير البنوك الحكومية والذى تحمل الرواتب الكبيرة لموظفى تلك البنوك فى الإدارات المهمة والمواقع القيادية خلال السنوات الماضية.
بينما شهد العام الماضى تطبيق حد أقصى للأجور فى الشركات الحكومية، وحدده القانون بـ 42 ألف جنيه فى الشهر، وهى خطوة ليست فى صالح المنافسة بالنسبة للبنوك الحكومية.
وشهدت الشهور الماضية رحيل مجموعة بارزة من أفضل كوادر البنوك الحكومية بعد تطبيق الحد الأقصى، ومازالت عملية الهجرة للقطاع الخاص الذى يدفع بسخاء مستمرة.
ويخشى متابعون للقطاع من تأثيرات سلبية لهذه الخطوة ومازالت هناك أصوات تطالب باستثناء المؤسسات المالية الحكومية من قواعد الحد الأقصى للأجور، حتى لا يتأثر أداء تلك المؤسسات مجددا.
ومؤخرا رفعت الحكومة رؤوس أموال بنكى مصر والأهلى المدفوعين إلى 15 مليار جنيه لكل واحد منهما، وهى خطوة مهمة على صعيد تعزيز قوة أكبر مؤسستين ماليتين فى البلاد.








