يبدو أن العديد من قضايا قطاع الطاقة التى واجهها العالم خلال العام الماضى مهيأة للاستمرار كتحديات على مدى عام 2022، إما بسبب استمرار العامل المساعد المتمثل فى جائحة “كورونا”، أو لأنها نتيجة ثانوية للتحولات المعقدة طويلة الأجل الجارية، مثل الدفع المتسارع نحو مستقبل منخفض الكربون.
وفى الوقت نفسه، فإن الاقتصادات التى تأثرت بعامين كاملين من الرياح المعاكسة التى سببتها الجائحة والعامة المنهكة من الضغوط المالية والعاطفية للعيش والعمل فى ظل قيود غير مسبوقة تشير إلى أن هامش الخطأ للسياسات التى تهدد أمن إمدادات الطاقة أو تسبب ارتفاع طويل الأمد فى سعر المستلزمات الضرورية مثل الوقود والكهرباء زهيد للغاية.
وأحد الدروس الواضحة المستفادة من النقص المؤلم فى الطاقة العام الماضى وارتفاع الأسعار الذى ساعد فى تأجيج التضخم الشديد هو أن احتياجات العالم من الطاقة لا يمكن إدارتها على أساس قصير الأجل.
ويتعين على الحكومات إعادة النظر بشكل نقدى فى القرارات السابقة والاستعداد باستجابات أقوى واستراتيجيات مصممة وقابلة للتنفيذ بهدوء، وليس ردود أفعال غير متقنة يتم التوصل إليها على عجل.
وكانت أزمات الطاقة المسجلة فى الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2021، والتى تميزت بنقص هائل فى الغاز الطبيعى فى أوروبا والفحم فى الصين سبباً فى اشتعال أزمة إمدادات الكهرباء، فضلاً عن توقف مجموعة من أنشطة التصنيع لأسابيع، وتوقف عدد من المرافق عن العمل وارتفاع فواتير الخدمات الاستهلاكية.
وفى ظل دفع المشترين اليائسين فى أوروبا والصين دولارات أعلى للحصول على الغاز الطبيعى المسال والفحم من الأسواق الدولية، كان على الأسواق الأكثر حساسية للسعر فى آسيا إما السعى للحصول على المزيد من واردات الغاز الطبيعى المسال أو كبح التصنيع.
وأشارت مجلة “نيكاى آسيان ريفيو” اليابانية إلى أن الصين استطاعت سد نقص الفحم لديها من خلال زيادة الإنتاج فى المناجم المحلية وكبح استهلاك الطاقة من خلال تعليق ضوابط الأسعار والحدود القصوى.
ومع ذلك، يشير تعهد بكين بالبدء فى الخفض التدريجى لاستخدام الفحم بحلول عام 2026 إلى أنها بحاجة للبدء فى بناء نظام لإمدادات الطاقة البديلة الموثوقة والميسورة التكلفة لفطم مصانعها ومحطات توليد الطاقة من المواد السوداء الضارة بالبيئة.
ويذكر أيضاً أن اقتصاد الصين المتباطئ ليس بحاجة إلى مزيد من صدمات إمدادات الطاقة، فى حين أن لجوء بكين إلى فكرة زيادة استخدام الفحم، حتى لو لفترات قصيرة، سيؤدى إلى تراجع مصداقية بكين فيما يتعلق بتعهداتها بالوصول إلى انبعاثات صفرية بحلول عام 2060.
وقدم الاتحاد الأوروبى راحة مؤقتة للمستهلكين والشركات من خلال خفض الضرائب وتحديد الأسعار وتقديم الدعم للفقراء، حتى مع لجوء المنطقة إلى حرق المزيد من الفحم والبترول للحفاظ على تدفق الكهرباء.
ومما لا شك فيه أن تحول الطاقة فى أوروبا أصبح يشكل عبئاً، حيث أصبح الغاز القادم من المورد الرئيسى “روسيا” غارقاً بشكل رهيب فى الجغرافيا السياسية، وأثبتت الطاقة المتجددة أنها غير قابلة للتطوير ولا يمكن الاعتماد عليها، كما أن الطاقة النووية فى معظم الدول فى وضع حرج بسبب اللوائح الحكومية والسياسة والرأى العام.
ولم تكن أزمة الطاقة التى شهدها العالم خلال العام الماضى حدثاً لمرة واحدة على الأرجح، والصين وأوروبا ليستا الوحيدتين القادرتين على ارتكاب الأخطاء، كما أن طاغوت تحول الطاقة سيطيح بالدول الأخرى من وقت لآخر ما لم يبدأ صناع السياسات فى تحديد تفاصيل خرائط الطريق الوطنية بدقة للوصول إلى أهداف صفرية صافية للانبعاثات الكربونية.
وهذه الخطوة يجب أن تبدأ بجرد شامل لمصادر الطاقة الحالية ومعدل الاستهلاك، مع مراعاة النمو المتوقع فى الطلب الوطنى على الوقود والكهرباء خلال العقود القادمة، ووضع خطة لاستبدال وحدة مقابل وحدة قابلة للخروج من الخدمة فى عالم الوقود الأحفورى الذى يراعى التوافر والتكلفة واحتياجات البنية التحتية لمصادر الطاقة الجديدة.
وتحتاج الحكومات والوكالات متعددة الأطراف إلى التأكد من أن الشركات التى تبحث عن طرق لخفض انبعاثات الكربون فى إنتاج وتكرير ونقل البترول والغاز لديها الدعم والتمويل الكافيين، وذلك بما أن العالم سيظل بحاجة إلى الاعتماد على البترول والغاز فى الجزء الأكبر من احتياجاتنا من الطاقة لعدة أعوام مقبلة.
ومن هذا المنطلق، تأمل الدول الرئيسية المستهلكة والمعتمدة على الاستيراد فى انخفاض أسعار البترول بشكل طفيف فى عام 2022، خاصة أن إعادة فتح الدول خلال 2021 أتاح المجال لارتفاع أكثر اعتدالاً فى مستوى الاستهلاك.
ويبدو أن منظمة الدول المصدرة للبترول وحلفاؤها “تحالف أوبك بلس” على استعداد أيضاً لمواصلة التخلص التدريجى من تخفيضات الإنتاج على الرغم من توقع زيادة كبيرة فى المعروض فى السوق حتى عام 2022.








