بعد مرور نحو 6 أسابيع، على وقف الحرب في غزة، بدأت مؤشرات اقتصادية رئيسية في ميزان المدفوعات المصري تظهر تعافيا ملحوظا، إذ سجلت السياحة ارتفاعًا قويًا بعد افتتاح المتحف الكبير، فيما عادت قناة السويس لاستقبال أعداد أكبر من السفن في أكتوبر الماضي، وهو الأعلى خلال عامين، في حين وصلت تحويلات المصريين بالخارج إلى مستويات قياسية.
وتدفع هذه التطورات الإيجابية إلى طرح سؤال: “هل يعود الاقتصاد إلى مستويات نمو ما قبل توترات الشرق الأوسط؟”
نجلة: التعافي سيكون تدريجيا بشرط استمرار الاستقرار الإقليمي
قال محمود نجلة المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت فى شركة الأهلى لإدارة الاستثمارات المالية، إن التعافي السياحي وتحسن حركة قناة السويس، إلى جانب تحويلات المصريين القياسية، والإجراءات المالية والنقدية المتوازنة، تُشكّل أرضية قوية للعودة إلى مسار نمو أقوى من زمن ما قبل الحرب، بشرط استمرار الاستقرار الإقليمي وتجنب الصدمات الخارجية.
وأوضح لـ”البورصة”، أن التعافي سيكون تدريجيًا، إذ رفعت بعض المؤسسات الدولية توقعات النمو لمصر، مثل صندوق النقد الدولي الذي رفع توقعاته لمابين 4.3 – 4.5% لعامي 2025/2026، فيما تتوقع وكالات منها “فيتش” وصول النمو إلى مستويات قريبة من 4.7 – 5% في 2026 إذا استمر الانتعاش في السياحة والقناة والتحويلات.
وأضاف أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة تسريع نمو تدريجي، وليست طفرة فورية، مع توقع أرقام أعلى مقارنة بالسنوات السابقة.
أشار نجلة إلى أن الوصول إلى معدل نمو 5% واقعي وفق تقديرات بعض المؤسسات الدولية، لكنه يرتبط باستمرار انتعاش السياحة، وعودة حركة السفن لقناة السويس بمعدلات جيدة،
واستقرار سعر الصرف، وارتفاع تحويلات المصريين بالخارج، وتحفيز الاستثمار والإنفاق الرأسمالي في مشروعات منتجة.
وخلال الـ 6 -12 شهرا المقبلة، توقع نجلة نموًا متسارعًا لكنه معتدل، يتراوح بين 3.5–4.5% اعتمادًا على استمرار التعافي السياحي وحركة القناة.
اعتبر نجلة أن السياحة، تُعد المحور الأكثر تأثيرًا على الاقتصاد، نظرًا لقدرتها على توليد دخل أجنبي مباشر مستمر، وتأثيرها على التشغيل المحلي، واستيعابها زيادات سريعة في أعداد الزوار، مقارنة بالتحويلات أو صادرات الصناعات طويلة الأجل.
متولي: “تحويلات المصريين” المحور الأهم لأنها مصدر مستقر ومتنوّع
وقال علي متولي، محلل اقتصادي واستشاري لدى IBIS للاستشارات، إن التحسن الملموس في المؤشرات الأربعة الأساسية المؤثرة على ميزان المدفوعات المصري، وهي السياحة، وقناة السويس، وتحويلات المصريين، والميزان التجاري، تعطي أول إشارة حقيقية على دخول الاقتصاد مرحلة تعافي فعلي بعد الضغوط التي واجهها خلال السنتين الماضيتين.
وتراجع عجز الميزان التجاري لمصر بنسبة 18% خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025، عند 22.7 مليار دولار، مقارنة بـ 27.8 مليار دولار خلال الفترة المقابلة من العام الماضي.
أشار متولي، إلى أن إيرادات السياحة شهدت ارتفاعًا واضحًا، خصوصًا مع افتتاح المتحف المصري الكبير، وهو ما يُتوقع أن يرفع عدد السياح إلى مستويات عند 18 مليون سائح خلال 2025.
أضاف أن تحويلات المصريين في الخارج عادت للارتفاع بقوة، ووصلت إلى مستويات قياسية مع تحسن الثقة في السوق واستقرار سعر الصرف، مما انعكس إيجابًا على المعروض الدولاري في البنوك المحلية.
وشهدت تحويلات المصريين العاملين بالخارج الفترة من يناير وحتي أغسطس 2025 طفرة قوية، إذ ارتفعت بنسبة 47.2% لتسجّل 26.6 مليار دولار، مقارنة بـ18.1 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام الماضي.
وتوقع متولي أن يسجل الاقتصاد المصري معدلات نمو قريبة من 5% خلال 2025–2026، بما يتوافق مع تقديرات البنوك وشركات الاستشارات، والتي تتوقع ارتفاع النمو تدريجيًا من نحو 4.2% العام الحالي إلى حوالي 4.8–5% العام المقبل.
وأوضح أن جميع المؤشرات الاقتصادية مهمة، لكن من منظور استدامة النمو على المدى الطويل، تُعد تحويلات المصريين في الخارج المحور الأهم، لأنها مصدر مستقر ومتنوّع وغير مرتبط مباشرة بالتوترات الجيوسياسية أو حالة التجارة العالمية.
أما على المدى القصير، فإن السياحة تُعد الأسرع تأثيرًا على السيولة الدولارية ومؤشرات الثقة، خصوصًا مع التوسع في السياحة الثقافية والترفيهية.
وأكد هيثم نصار، مدير عام فندق هيلتون المعادي، أن السياحة تسهم بنحو 3.7% من الناتج القومي، بعد أن كانت تحتل المرتبة الثانية أو الثالثة قبل 2010 بين مصادر الدخل القومي.
وأوضح أن افتتاح المتحف الكبير يمثل نقطة تحول نوعية للسياحة المصرية، إذ سيُعيد رسم خريطة الزائرين ويجذب شريحة متميزة من السياح أصحاب الإنفاق المرتفع.
وقال وليد نبيل، مدير عام فندق شتايجن بيراميدز، إن المتحف الكبير سيسهم بشكل واسع في انتعاش الاقتصاد المصري على مستوى جميع القطاعات، وليس القطاع السياحي فقط.
أضاف أن المشروع جعل المنطقة المحيطة مؤهلة لاستيعاب مشروعات عديدة تخدم القطاع السياحي والقطاعات المختلفة، على رأسها القطاع العقاري الذي يشهد توجهًا لبناء عقارات جديدة وغرف فندقية لاستيعاب التدفقات السياحية.
وتابع نبيل أن المنطقة لاتزال بحاجة لزيادة الطاقة الفندقية بما لا يقل عن ثلاثة أضعاف المتاح حاليًا، كما ستنتعش معها الخدمات الأخرى مثل المطاعم والبازارات ووسائل نقل السياح والوفود.







