كشف استطلاع أجرته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، أن أكثر من ثلاثة أرباع الاقتصاديين يتوقعون أن تحافظ الولايات المتحدة الأمريكية، على تفوقها في الإنتاجية مقارنة ببقية دول العالم، أو أن توسّع هذا التفوق، مدفوعة بإزدهار تقنيات الذكاء الاصطناعي، وعمق أسواق رأس المال، وانخفاض تكاليف الطاقة نسبيًا.
وأظهر الاستطلاع العالمي، الذي شمل 183 خبيرًا اقتصاديًا، أن 31% من المشاركين يرون أن الولايات المتحدة ستحتفظ بميزتها الإنتاجية الحالية، بينما يتوقع 48% أن تعزز هيمنتها خلال السنوات المقبلة، وشارك في الاستطلاع اقتصاديون مقيمون في الصين ومنطقة اليورو والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.
وتُعد الإنتاجية مقياسًا لقدرة الاقتصاد على تحويل المدخلات، مثل ساعات العمل، إلى سلع وخدمات، وهو ما يتيح للشركات رفع الأجور وزيادة الأرباح وتحسين مستويات المعيشة على المدى الطويل.
وبحسب بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فقد ارتفعت إنتاجية العمل في الولايات المتحدة بنحو 10% بين عامي 2019 و2024، مدعومة بالتقدم التكنولوجي السريع وإعادة توزيع العمالة خلال جائحة كورونا، في حين ظلت الإنتاجية شبه راكدة في كل من المملكة المتحدة ومنطقة اليورو.
وقالت جومانا صالحين، رئيسة مجموعة استراتيجية الاستثمار في أوروبا لدى شركة «فانجارد»، إن إنتاجية الولايات المتحدة مرشحة لأن تبتعد أكثر عن بقية الاقتصادات المتقدمة، بفضل أسواق رأس المال الديناميكية، ومرونة سوق العمل، والريادة في التقنيات الناشئة، وأن أوروبا تواجه خطر «التخلف بشكل أكبر»، في ظل تركّز الإنفاق على البحث والتطوير في قطاعات تقليدية مثل السيارات والأدوية، مشيرة إلى تحديات هيكلية تعاني منها دول الاتحاد الأوروبي، تشمل تجزؤ البنية التحتية، وتشدد أسواق العمل، وضعف دعم أسواق رأس المال.
ومن المتوقع أن يسجل الاقتصاد الأمريكي أعلى معدل نمو بين دول مجموعة السبع هذا العام، وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مدفوعًا بطفرة استثمارية تقودها التكنولوجيا، ومكاسب في أسواق الأسهم عززت ثروات وإنفاق الشرائح الأعلى دخلًا، وساعدت هذه العوامل في تعويض جزء من الأضرار الاقتصادية الناتجة عن الحروب التجارية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكنها في الوقت نفسه أثارت مخاوف من تشكّل فقاعة غير مستدامة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.ويشير الاستطلاع، الذي أُجري في ديسمبر الماضي، إلى أن الاقتصاديين لا يتوقعون تراجع العوامل الداعمة لتفوق الولايات المتحدة في المدى القريب.
وقالت نينا سكيرو، الرئيسة التنفيذية لمركز أبحاث الاقتصاد والأعمال، إن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المرتبطة به تمثل «الحدود الجديدة للإنتاجية»، وأن موقع الولايات المتحدة الريادي في الاستثمار وتطوير هذه التقنيات سيعزز تقدمها الإنتاجي.
وتدعم هذه الرؤية فجوة متزايدة في استثمارات الأعمال، إذ ارتفع الاستثمار في الولايات المتحدة بنسبة 24% في الربع الثاني من 2025 مقارنة بالفترة نفسها من 2019، بينما انكمش بنسبة 7% في منطقة اليورو خلال الفترة ذاتها، بحسب بيانات «أوكسفورد إيكونوميكس».
وفي المقابل، حذر بعض الاقتصاديين المشاركين في الاستطلاع من أن الطفرة الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي قد تعكس «فقاعة»، وهو مصطلح تكرر 25 مرة في إجابات المشاركين، مشيرين إلى أن أي تصحيح حاد قد يؤثر سلبًا على الإنتاج والنمو الإنتاجي في الولايات المتحدة، كما حذروا من أن تراجع أسهم شركات التكنولوجيا الأمريكية قد يمتد أثره إلى بقية العالم عبر تشديد الأوضاع المالية وتراجع الطلب الخارجي وارتفاع شهية المخاطر.
ورغم هذه التحذيرات، لا تزال الغالبية العظمى من المشاركين، الذين كان تمثيل المملكة المتحدة ومنطقة اليورو بينهم أكبر من الصين والولايات المتحدة، يتوقعون استمرار تفوق أمريكا الإنتاجي عالميًا.
وقال توماس سيمونز، كبير اقتصاديي الولايات المتحدة لدى «جيفريز»، إن الولايات المتحدة تنطلق من «موقع قوة» في سباق الإنتاجية، مشيرًا إلى مزايا هيكلية تشمل انخفاض تكاليف الطاقة واستقرارها، ومرونة سوق العمل، وضخامة السوق المحلية.
ومن جانبه، قال مارتن بيك، كبير الاقتصاديين في شركة «دبليو بي آي ستراتيجي»، إن الولايات المتحدة تستفيد من «تكاليف طاقة أقل وأكثر قابلية للتنبؤ مقارنة بأوروبا والعديد من الاقتصادات الآسيوية، في ظل إدارة تنظر إلى سياسة الطاقة كمحرك للإزدهار الاقتصادي لا كأداة أخلاقية على حساب النمو ومستويات المعيشة».
ويرى اقتصاديون أن أوروبا تعاني قيودًا ناتجة عن الإفراط في التنظيم وضعف الاستثمار وتشدد أسواق العمل وبيئة أعمال أقل دعمًا للتقنيات المتقدمة، فيما تواجه المملكة المتحدة عبئًا إضافيًا يتمثل في تداعيات «بريكست».
وقال إيفاريست ستوجا، أستاذ التمويل بجامعة بريستول، إن «بينما حققت الولايات المتحدة ودول أخرى قفزات كبيرة في الذكاء الاصطناعي، أمضت المملكة المتحدة معظم العقد الماضي في معالجة تبعات بريكست، ما صرف الانتباه والموارد عن الابتكار».
وفي الوقت نفسه، يعترف الخبراء بتصاعد المنافسة الآسيوية في مجال الذكاء الاصطناعي.. وقال جاجيت إس تشادا، أستاذ الاقتصاد بجامعة كامبريدج، إن دولًا أخرى، «خصوصًا في آسيا، ستقترب من حدود التكنولوجيا المتقدمة، ما يعني أن الميزة النسبية للولايات المتحدة قد تتآكل جزئيًا، لكنها لن تختفي».
وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تحتل الصين المرتبة الثانية عالميًا من حيث إجمالي استثمارات رأس المال المخاطر في الذكاء الاصطناعي منذ 2012، بعد الولايات المتحدة، وبما يزيد على ثلاثة أضعاف استثمارات الاتحاد الأوروبي.
ورغم تصدر الولايات المتحدة موجة الذكاء الاصطناعي، يرى بعض الاقتصاديين أن جزءًا من هذه الاستثمارات قد يكون «سوء تخصيص للموارد»، وقال ديفيد أوين، كبير الاقتصاديين في «سالت مارش إيكونوميكس»، إن «معظم المكاسب النهائية قد تذهب إلى مستخدمي التكنولوجيا في أماكن أخرى، وليس إلى المبتكرين الأوائل».
كما حذّر عدد من المشاركين من مخاطر السياسات الحمائية التجارية، وتشديد الهجرة، والاختلالات المالية، وعدم الاستقرار السياسي، التي قد تقوض نمو الإنتاجية الأمريكية على المدى الطويل، وقال روبرت باربيرا، مدير مركز الاقتصاد المالي بجامعة جونز هوبكنز، إن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن التجارة «تم التفريط فيها مقابل عائدات جمركية زهيدة».
وبدوره، حذّر جوناثان بورتس، أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة في كلية كينغز بلندن، من أن «مزيجًا سامًا» من الرسوم الجمركية، وتراجع كفاءة الإدارة الحكومية، والسياسات المعادية للهجرة، قد «يلحق بمرور الوقت ضررًا بالغًا بالاقتصاد الأمريكي».








