أضعف الزعيم الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو حضور الصين في اقتصاده أكثر من قدرة دونالد ترامب على فعل ذلك.
فبينما يتحرك الرئيس الأمريكي لترسيخ نفوذه واستهداف خصوم مثل الصين بعد الإطاحة بمادورو، فإن ما يغيب عن الأضواء هو أن حكم مادورو الذي استمر 12 عاماً قد سبق وأن أدى إلى تفكك العلاقات المالية والتجارية مع بكين.
تبدو الشراكة المتآكلة التي بقيت قائمة بشكل ضعيف متناقضة مع التصريحات التي أطلقها مادورو عن “اتحاد مثالي” مع الصين- وهي تصريحات أدلى بها لمبعوث الرئيس شي جين بينج قبل ساعات فقط من اعتقاله المفاجئ الأسبوع الماضي، بحسب “بلومبرج”.
تراجع التجارة الثنائية بين الصين وفنزويلا
ورغم أن الصين لاتزال أكبر مشترٍ للنفط الخام الفنزويلي، مع وجود مليارات الدولارات المستحقة لبكين، فإن التجارة الثنائية بين البلدين بلغت ذروتها في العام الذي سبق تولّي مادورو الحكم.
كما أن القروض التي منحتها بكين إلى كراكاس وصلت إلى أعلى مستوياتها التاريخية في عام 2012 ثم بدأت في الانخفاض، وفقاً لتانج شياويانج، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة تسينغهوا.
منذ ذلك الحين، أصبحت الروابط الاقتصادية مع فنزويلا فاترة مع انزلاق البلاد إلى الفوضى وتراجع أسعار السلع، حتى مع تموضع الصين كمدافع عن الجنوب العالمي وكقوة موازية للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.
بكين لن تصعّد في وجه واشنطن لصالح كراكاس
وتعني العلاقة المتراجعة حالياً أن من غير المرجّح أن تتّبع بكين سياسة المعاملة بالمثل مع ترامب، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى توسيع نفوذها الاقتصادي في فنزويلا، وعلى الرغم من تعبير الصين عن استيائها من سقوط مادورو، وتأكيدها على أهمية استمرار تدفّق النفط من فنزويلا، فمن المرجّح أن تسعى إلى تجنّب النهج التصعيدي الذي اتّبعته خلال الحرب التجارية مع الولايات المتحدة.
في عام 2025، كانت واردات الصين من فنزويلا تسير نحو الانكماش لتُشكّل فقط نحو 8% مما كانت تشتريه قبل 13 عاماً، وفق بيانات رسمية.
وبلغ صافي الاستثمار الأجنبي المباشر للصين في فنزويلا 318 مليون دولار في عام 2024، وهو أقل من عُشر المبلغ المسجّل في عام 2018، بحسب تقرير سنوي أصدرته الحكومة الصينية في سبتمبر.
الصين تقلص مخاطرها خارجياً
قال ستيفن كابلان، أستاذ مشارك في جامعة جورج واشنطن: “الصين بدأت منذ ما يقرب من عقد في التحوط من مخاطرها القائمة في هذه السوق”.
وأضاف رداً على سؤال حول مدى عدوانية تصرفات بكين المحتملة، إن الصين تواجه “وضعاً لا ينطوي فيه الالتزام المالي القائم في فنزويلا على نفس نوع المخاطر” التي كانت تنطوي عليها الحرب التجارية مع الولايات المتحدة.
ماتزال كراكاس مطالبة بسداد نحو 20 مليار دولار للصين، تشمل متأخرات تراكمت خلال السنوات الأخيرة، بحسب كابلان، وهو مؤلف كتاب “عولمة رأس المال الصبور: الاقتصاد السياسي للتمويل الصيني في الأمريكتين.
أوضح أن فنزويلا طلبت وقفاً لسداد الديون في 2016، وسُمح لها حينها بسداد الفوائد فقط دون أصل الدين.
تدهور اقتصاد فنزويلا
أصبحت الصين مقرضاً رئيسياً لفنزويلا في 2007، عندما قدّمت أولى التمويلات لمشروعات البنية التحتية والنفط في عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز.
وتشير تقديرات إلى أن بكين أقرضت فنزويلا أكثر من 60 مليار دولار عبر قروض مدعومة بالنفط من خلال بنوك مملوكة للدولة حتى عام 2015.
عانت فنزويلا لعقود من سوء الإدارة، ما أدى إلى تدهور بنيتها التحتية النفطية، وتسبب في موجات مطولة من التضخم الجامح، ودفع ملايين المهاجرين من خبراء الاقتصاد والسياسة إلى الفرار نحو دول الجوار والولايات المتحدة الأمريكية.
لم تمثّل مشتريات الصين من النفط الفنزويلي سوى 4% من إجمالي وارداتها من الخام في 2025، بعدما تراجع الإنتاج بشدة خلال فترة حكم مادورو.
عندما سُئلت المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماو نينج يوم الأربعاء عن تقرير لشبكة “ABC” يفيد بأن البيت الأبيض يطالب كاراكاس بتقليص علاقاتها مع دول من بينها الصين، قالت: “إن للصين ودول أخرى حقوقاً مشروعة في فنزويلا، ويجب حمايتها”.
في حين انسحبت الصين تدريجياً من فنزويلا، فإنها تواصل تقديم قروض جديدة لدول في أمريكا اللاتينية مثل البرازيل والأرجنتين، التي تصدر معادن حيوية أو معادن تدخل في صناعة البطاريات، وفقاً لتحليل صادر عن معهد لوي.
انخراط الصين في فنزويلا
قال تانغ من جامعة تسينغهوا: “تحتل فنزويلا مرتبة متدنية للغاية من حيث مستوى الارتباط الاقتصادي الحالي للصين مع دول أمريكا اللاتينية”، مشيراً إلى أنه قاد عدداً من المشروعات البحثية بتكليف من وزارة الخارجية الصينية.
يظل الحصول على صورة دقيقة لحجم الانخراط المالي المتبقي للصين في فنزويلا أمراً بالغ الصعوبة، وقدم الدائنون الرسميون الصينيون التزامات قروض لفنزويلا بقيمة 106 مليارات دولار، في حين بلغ إجمالي الديون العامة والديون المضمونة من القطاع العام المستحقة لهم نحو 44.5 مليار دولار في 2017، بحسب بيانات جمعتها مؤسسة “إيد داتا”، وهي مختبر بحثي جامعي تابع لجامعة وليام وماري في ولاية فرجينيا الأمريكية.
حجم ديون غير معلوم من الصين لفنزويلا
غير أن تتبع أرقام أحدث بات صعباً، بعدما توقفت كراكاس عن نشر معلومات تفصيلية حول هذه الالتزامات عقب تعثرها السيادي في 2017، بحسب براد باركس، المدير التنفيذي لمؤسسة “إيد داتا”.
قال باركس: “الخلاصة هي أن لا أحد يعرف، بدرجة عالية من اليقين، حجم ما تدين به فنزويلا حالياً لدائنيها الصينيين”.
وأضاف: “قد يكون هناك قدر كبير من التعرض الإضافي للديون العامة غير المعلنة تجاه الصين”.
سددت فنزويلا خدمة ديونها المستحقة للصين باستخدام حصيلة صادرات النفط إلى الدولة الآسيوية، إذ كان المشترون يسددون قيمة الشحنات المتعاقد عليها عبر إيداع الأموال في حسابات بنوك مملوكة للدولة مثل بنك التنمية الصيني، وفقاً لما ذكره باحثون أمريكيون وصينيون.
حضور ضعيف للشركات الصينية في كراكاس
إلا أن الحصار البحري الأمريكي وتراجع إنتاج النفط الفنزويلي أسهما في تعطيل عمليات السداد، بحسب تانج.
وأضاف أن الشركات الصينية تملك حضوراً محدوداً في فنزويلا، إذ اضطلعت شركات النفط بأدوار محدودة نتيجة تأميم الأصول، إلى جانب الصعوبات التشغيلية.
بخلاف قطاع النفط، عملت شركات صينية في قطاعات مثل المرافق العامة والإنشاءات والاتصالات داخل فنزويلا، غير أن كثيراً منها انسحب من البلاد خلال الفترة الأخيرة، وأظهرت دراسة أن أكثر من نصف الشركات الصينية الـ48 المسجلة في فنزويلا لم تكن لديها عمليات نشطة.
وقدمت العديد من هذه الشركات خدمات أو صفقات بيع لمرة واحدة للحكومة الفنزويلية، بحسب دراسة أعدتها بنديكت بول وأنتوليو روزاليس، وهما أستاذان مقيمان في أوسلو وتورونتو.
اختتم تانغ بأن قدرة الصين على استرداد الأموال التي أقرضتها ستعتمد على خطة الولايات المتحدة تجاه فنزويلا، مضيفاً أن ما ستفعله واشنطن لاحقاً “مازال غير واضح إلى حد بعيد”.








