يواجه مستثمرو السندات اختباراً حاسماً بعد أشهر من الرهانات على أن خليفة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول سيتجه إلى خفض أسعار الفائدة، وذلك مع اقتراب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من إعلان خياره في أي لحظة.
سجلت عوائد السندات الأمريكية قصيرة الأجل أداءً متفوقاً بشكل مستمر خلال العام الماضي مقارنة بنظيرتها الأطول أجلاً، استناداً إلى افتراض أن المرشحين الأربعة النهائيين للمنصب سيسعون جميعاً إلى خفض كلفة الاقتراض، تماشياً مع مطالب ترمب المتكررة.
استقلالية الاحتياطي الفيدرالي
يعكس ما يُعرف بـ”انحدار منحنى العائد” هذا الرأي القائل إن انخفاض سعر الفائدة المرجعي الأمريكي يجعل سندات الخزانة قصيرة الأجل أكثر جاذبية، لكنه يضغط على الديون الأطول أجلاً من خلال إذكاء توقعات التضخم.
قد تتصاعد الضغوط التضخمية أيضاً إذا انتاب المستثمرين القلق من أن يقوّض الشخص الذي يختاره ترامب استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إذ قد تسعى الأسواق إلى موازنة الأثر التحفيزي لخفض الفائدة الرسمية عبر رفع تكاليف الاقتراض التي تفرضها من جهتها.
وقال جينادي جولدبرج، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأمريكية في “تي دي سيكيوريتيز” في الولايات المتحدة (TD Securities USA) “نقرأ جميعاً الإشارات الضمنية، ويبدو أن شرط الترشيح الأساسي هو أن يكون المرشح ميالاً بما يكفي إلى التيسير النقدي، وهذا عنصر محوري في القرار”.
تتباين التقديرات بشأن مدى دعم كل مرشح للتيسير النقدي، فيما شهدت الترجيحات تقلبات متسارعة مع اندفاع المستثمرين لإعادة ضبط مراكزهم. وتجلى ذلك يوم الجمعة الماضي، عندما أبدى ترامب تردده في اختيار كيفن هاسيت، الذي كان يُعد الأوفر حظاً ويميل إلى سياسة نقدية أكثر مرونة، ما أشعل موجة بيع في سندات الخزانة وترك الأسواق تسعّر أقل من خفضين للفائدة خلال العام الجاري.
أربعة مرشحين لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي
يحذر المستثمرون من أن أي رد فعل فوري على الإعلان المرتقب قد يكون محدود الأثر، إذ إن السياسة النقدية يحددها 12 مسؤولاً ضمن اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، لا رئيس المجلس وحده. ورغم تصاعد القلق حيال قدرة الاحتياطي الفيدرالي على صون استقلاليته عن السياسة، لا يُنظر إلى أي من المرشحين الأربعة باعتباره يشكل خطراً كبيراً على الأسواق بمفرده.
وقال مايكل كراوتسبيرغر، كبير مسؤولي الاستثمار في أسواق المال لدى “أليانز غلوبال إنفسترز” (Allianz Global Investors) “جميعهم لديهم خلفيات مهنية راسخة وملائمة، ولا يشكل أي منهم خياراً صادماً”.
وقد تتعقد عملية الترشيح بفعل اعتراض باول على تحقيق تجريه وزارة العدل، إلى جانب الدعم العلني الذي يحظى به من بعض الجمهوريين في مجلس الشيوخ، ما يبرز القيود التي ستواجه أي خليفة محتمل. بل يمكن أن يبقى باول في الاحتياطي الفيدرالي كعضو في مجلس المحافظين، وهو ما قد يحدّ من قدرة ترمب على إعادة تشكيل تركيبة لجنة السوق المفتوحة.
في ضوء هذه المعطيات، إليكم السيناريوهات المحتملة لتفاعل سوق السندات مع هوية الفائز في السباق، سواء كان كيفن هاسيت، أو العضو السابق في مجلس المحافظين في الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش، أو العضو الحالي في مجلس المحافظين كريستوفر والر، أو ريك ريدر، المشرف على استثمارات الدخل الثابت في شركة “بلاك روك”.
كيفن وورش (احتمال الترشيح 44% وفق منصة التنبؤات “بوليماركت” حتى الساعة الرابعة عصراً بتوقيت نيويورك يوم الخميس)
من شأن تعيين وورش، الذي يُعدّه كثيرون من أكثر المرشحين ميلاً إلى التشديد النقدي، أن يدفع عوائد السندات إلى الارتفاع. كما يرجح أن يعتمد مزيجاً من السياسات يجمع بين تقليص محفظة الاحتياطي الفيدرالي من السندات وخفض أسعار الفائدة، وهي توليفة من شأنها أن تضعف أداء السندات طويلة الأجل المرتبطة بالتضخم، بحسب مذكرة حديثة لاقتصاديي “إيفركور آي إس آي” (Evercore ISI) بينهم كريشنا غوها.
وخلال فترة عضويته في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي بين عامي 2006 و2011، كان وورش من الأصوات الداعية إلى رفع أسعار الفائدة، حتى حين كان زملاؤه منشغلين بتداعيات الأزمة المالية على الاقتصاد، محذراً مراراً من مخاطر تضخمية وشيكة، وهي مخاوف كان يعيد التأكيد عليها حتى العام الماضي.
لاحقاً، تحول إلى داعم لخفض تكاليف الاقتراض، مدفوعاً جزئياً بقناعته بأن التقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي سيقود إلى قفزة في الإنتاجية. كما أبدى تأييداً لتقليص الميزانيات العمومية للبنوك المركزية إلى مستويات أدنى بكثير، وتسريع وتيرة التشديد الكمي. وتشير مواقفه إلى استعداد لدفع الاحتياطي الفيدرالي نحو دور أقل هيمنة في الأسواق، وهو توجه يتقاطع مع رؤية وزير الخزانة سكوت بيسنت.
ولموازنة الأثر الانكماشي الناتج عن تقليص الميزانية العمومية، قد يميل وورش إلى دعم خفض إضافي في أسعار الفائدة، استناداً إلى توقعات بتحقيق مكاسب إنتاجية، بحسب “إيفركور”.
ريك ريدر (32%)
قد يتجه المستثمرون في البداية إلى إدراج ريك ريدر ضمن المعسكر الميال إلى التيسير النقدي، ولا سيما أن رؤيته لسياسات الاحتياطي الفيدرالي ليست معروفة جيداً، بحسب راي أتريل، كبير استراتيجيي الأسواق في بنك “ناشونال أستراليا” (National Australia Bank). وأضاف أن رد الفعل الأولي في الأسواق قد يتمثل في تراجع الدولار وازدياد انحدار منحنى العائد الأميركي.
برز ريدر كحصان أسود في السباق، حيث اكتسب زخماً متأخراً، مدفوعاً جزئياً بتقديرات تشير إلى أن مجلس الشيوخ قد يكون أكثر استعداداً للمصادقة على تعيينه. وقال هذا الشهر إن خفضين للفائدة خلال العام الجاري إلى نحو 3% “مناسبان” في ظل بيئة اقتصادية تتسم بنمو “متين” يقابله ضعف في سوق العمل.
وصف ريدر استقلالية الاحتياطي الفيدرالي بأنها “أساسية”، لكنه في الوقت نفسه تبنى رؤية بيسنت القائلة إن البنك المركزي قادر على أن يكون أكثر “ابتكاراً” في توظيف ميزانيته العمومية.
وبصفته أحد المخضرمين في “بلاك روك”، حيث أسهم في الإشراف على أصول دخل ثابت بقيمة 2.4 تريليون دولار، سيجلب ريدر إلى المنصب منظوراً قائماً على السوق، وهو ما قد يخفف من المخاوف المرتبطة باستقلالية الاحتياطي الفيدرالي، بحسب ستيفن ميلر، المستشار لدى شركة “جي إس إف إم” (GSFM) والرئيس السابق لأسواق الدخل الثابت في أستراليا لدى “بلاك روك”.
ومع أن ريدر لا يزال يمثل إلى حد ما عامل عدم يقين، فقد يميل المتعاملون إلى تبني نهج الترقب وانتظار المزيد من الإشارات قبل بناء مراكز جديدة.
وقال جيمس أذِي، مدير المحافظ الاستثمارية في “مارلبوروغ لإدارة الأصول” (Marlborough Investment Management) “ريدر يتصدر القائمة من حيث المصداقية، لكن لم نسمع منه كثيراً”.
كريستوفر والر (13%)
لدى والر الذي انضم إلى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في 2020، سجلاً بارزاً في السياسة النقدية، إذ توقع مبكراً أن دورة التشديد التي أعقبت الجائحة ستتمكن من كبح التضخم من دون دفع الاقتصاد نحو ركود. وفي العام الماضي، خالف التوجه السائد ودعا إلى خفض أسعار الفائدة مع بدء فتور أوضاع سوق العمل، وهو موقف أكدت التطورات اللاحقة صوابيته.
وفي ديسمبر، قال والر إن السياسة النقدية لا تزال أعلى من المستوى المحايد بنحو 50 إلى 100 نقطة أساس، وهو المستوى الذي لا يقيد النمو ولا يغذي التضخم، في تقييم يتوافق إلى حد كبير مع توقعات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي وتسعير الأسواق.
يُنظر إلى والر في أوساط الأسواق على أنه “خيار آمن”، ما يعني أن تعيينه لن يفرض إعادة تسعير كبيرة، بحسب إد الحسيني، مدير المحافظ الاستثمارية في “كولومبيا ثريدنيدل إنفستمنتس” (Columbia Threadneedle Investments).
وأضاف أن ترشيحه، باعتباره خياراً تقليدياً، قد يدفع إلى تراجع طفيف في العوائد طويلة الأجل وإلى مزيد من تسطح منحنى العائد.
كيفن هاسيت (5%)
قفزت عوائد سندات الخزانة الأميركية وتراجعت الأسهم عن مكاسبها يوم الجمعة الماضي، بعدما لمح ترمب إلى رغبته في الإبقاء على هاسيت في البيت الأبيض. ويعكس هذا التفاعل اعتقاد المستثمرين بأن هاسيت هو الأكثر انسجاماً مع ترمب وتوجهه الداعي إلى خفض تكاليف الاقتراض.
وقالت بريا ميسرا، مديرة المحافظ الاستثمارية في “جيه بي مورغان لإدارة الأصول”: “قد يُنظر إلى هاسيت على أنه الأكثر ولاءً، ما يرجح تراجع العوائد قصيرة الأجل مقابل ارتفاع العوائد طويلة الأجل”.
لكن حظوظه في نيل المنصب تراجعت بعدما فجر تحقيق وزارة العدل حول باول موجة اعتراض في واشنطن، ما عقد فرص المصادقة على تعيين مرشح يُنظر إليه على أنه شديد القرب من ترمب. ومع ذلك، لا يزال ترمب قادراً على تغيير موقفه وترشيح الاقتصادي.
وفي حال حدث ذلك، قد يتسع الفارق بين عوائد سندات الخزانة لأجل عامين و30 عاماً بنحو 15 نقطة أساس، بحسب جيمس أذِي من “مارلبوروج”.
وأضاف “تنظر الأسواق إلى هاسيت باعتباره الأقل استقلالية”.







