تترقب السوق المحلية، اجتماع لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي المصري، الخميس المقبل، لحسم أسعار الفائدة، وسط تباين التوقعات ما بين التثبيت على المعدلات المقررة حاليًا نتيجة تداعيات الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل وإيران، على اقتصادات العالم، لا سيما الاقتصاد المصري، وبين رفع أسعار الفائدة لدعم عجلة النشاط الاقتصادي محليًا.
وقرر البنك المركزي المصري في الاجتماع الأول للجنة السياسات النقدية في 2026، والذي عقد يوم 12 فبراير الماضي، خفض أسعار الفائدة بـ 100 نقطة أساس (1%)، ليصل سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة، وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي إلى 19%، و 20%، و19.5%، على الترتيب؛ كما تم خفض سعر الائتمان والخصم إلى 19.5%.
ومن المقرر عقد 7 اجتماعات أخرى خلال عام 2026 لبحث مستويات التضخم، تبدأ الخميس المقبل 2 أبريل وتنتهي في 17 ديسمبر.
وبحسب محللين تحدثوا لـ”البورصة”، تتسع رؤية البنك المركزي في قرار تسعير الفائدة لما هو أبعد من معدلات التضخم ومدى حجم السيولة المتداولة في السوق، وتمتد إلى دراسة جيدة لتداعيات الحرب القائمة بالمنطقة على الاقتصاد المحلي، مع وضع سيناريوهات محتملة لتفاقم الحرب.
ويرجح على متولى، محلل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في إحدى شركات الاستشارات في لندن، أن يُبقي البنك المركزي أسعار الفائدة عند معدلاتها الحالية، نظرًا لمعاودة معدلات التضخم مستواه الصاعد، متوقعًا أن يتسارع التضخم خلال الأشهر القليلة المقبلة حال توقفت الحرب.
وتابع: “إذا استمرت الحرب القائمة لفترة أطول، فذلك قد يُنذر باستمرار ارتفاع معدل التضخم على المدى المتوسط”.
وقفز معدل التضخم في المدن المصرية إلى 13.4% في فبراير الماضي، مقابل 11.9% خلال يناير 2026.
وبلغ الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين لإجمالي الجمهورية 275.2 نقطة، مسجلاً ارتفاعاُ قدره 2.7% عن الشهر السابق، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة.
أضاف متولي، أنه رغم ما شهدته العملة المحلية من تأثر واضح، ورغم ما سجله سعر الصرف من تقلبات ملحوظة منذ اندلاع الحرب، فإن تثبيت أسعار الفائدة يبقى السيناريو الأرجح والأفضل.
وشهد سعر صرف الدولار في مصر ارتفاعاً ملحوظاً منذ اندلاع الصراعات الإقليمية الأخيرة، إذ تجاوز حاجز الـ 50 جنيهاً في بداية مارس، ووصل إلى 53 جنيها نهاية الأسبوع الماضي، بعد أن كان مستقراً حول مستويات 47-48 جنيهاً، بزيادة تقارب 5 جنيهات.
أشار متولي، إلى أن البنوك المركزية لدى دول أوروبا وأمريكا تخلت عن سياسة التيسير النقدي، متجهة نحو التثبيت، خشية حدوث انعكاسات فادحة من الحرب على اقتصادات تلك الدول، لافتًا إلى ارتفاع التكاليف عالميًا وزيادة أسعار الطاقة وسط تخوفات من خروج معدلات التضخم عن السيطرة.
وثبت البنك المركزي الأوروبي، أسعار الفائدة خلال اجتماعه الأخير للسياسة النقدية في مارس، محذرًا من أن آفاق الاقتصاد أصبحت “أكثر غموضًا بشكل ملحوظ” في ظل تداعيات الحرب في إيران، التي تخلق مخاطر صعودية للتضخم وضغوطًا هبوطية على النمو الاقتصادي.
كما أبقى بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة عند نفس مستوياتها من دون تغيير، موافقاً لتوقعات الأسواق، وأقرّ بزيادة حالة عدم اليقين بسبب تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط على الأسعار وسوق العمل في الولايات المتحدة.
عبد الحكيم: أتوقع رفعًا استثنائيًا بنحو 200 ـ 300 نقطة أساس
وتوقع محمد عبد الحكيم، العضو المنتدب بشركة إنسايت القابضة للاستثمارات المالية، أن يتبع البنك المركزي المصري سياسة التشديد النقدي برفع استثنائي لأسعار الفائدة بمقدار يتراوح بين 200 إلى 300 نقطة أساس، بهدف كبح جماح الدولرة وحماية الجنيه فى ظل ارتفاع سعر الصرف.
أضاف أن رفع أسعار الفائدة يعد ضروريا لامتصاص صدمة التضخم القادمة مع التوقعات بقفزة في مؤشر التضخم خلال مارس وأبريل نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة عالميا.
كما أن ارتفاع سعر الفائدة محليًا يحافظ على جاذبية أدوات الدين ومواجهة الضغوط بمرونة، من خلال بعث رسالة طمأنينة للمستثمرين العرب والأجانب بإبقاء استثماراتهم دون التخارج وتحقيق عوائد مرتفعة، بحسب محمد عبد الحكيم، العضو المنتدب بشركة إنسايت القابضة للاستثمارات المالية.
أشار عبدالحكيم، إلى أن القرار المتوقع من شأنه زيادة أعباء الدين، وتأخر نمو عجلة النشاط الإنتاجي نتيجة ارتفاع تكلفة التمويل للمصانع والشركات، وهو ما يضع عبئاً إضافياً على النمو الاقتصادي خلال العام الحالي.
ولفت إلى أن هناك سيناريو بديلًا ولكن احتمالية حدوثه ضعيفة، ألا وهو التثبيت مع الاكتفاء بسحب السيولة عبر عمليات السوق المفتوحة.
زهير: التثبيت هو الخيار الأقرب مع احتمالية رفع الفائدة لاحقًا
ورجحت آية زهير، رئيس قسم البحوث بشركة زيلا كابيتال، أن يتجه البنك المركزي المصري إلى تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية المقبل، مؤكدة أنه يعد الخيار الأقرب في ظل المعطيات الاقتصادية الحالية.
وتابعت: “هناك احتمالية رفع معدلات الفائدة حال تجاوز معدلات التضخم مستهدفات المركزي، ما يعكس ابتاع نهجًا مرنًا في التعامل مع التطورات الاقتصادية”.
وترى زهير، أن الضغوط الجيوسياسية الراهنة قد تدفع معدلات التضخم إلى التسارع إلى 13%، و15% خلال شهري مارس وأبريل، وهو ما يعزز تبني سياسة نقدية أكثر حذرًا؛ موضحة أنه في هذا السياق قد يميل البنك المركزي إلى وقف دورة التيسير النقدي مؤقتًا، مع تفضيل التثبيت أو حتى اللجوء إلى رفع استباقي لأسعار الفائدة بهدف احتواء الضغوط السعرية.
وفيما يتعلق بالعوامل الداعمة لقرار التثبيت، لفتت إلى أن البنك المركزي لم يعد يركز فقط على معدلات التضخم الفعلية، بل أصبح يولي اهتمامًا متزايدًا بتوقعات التضخم، أي سلوك وتوقعات المستهلكين والمنتجين والتجار تجاه الأسعار مستقبلًا، وهو ما يمثل تحولًا مهمًا في نهج السياسة النقدية.
أضافت أن فرص استئناف خفض أسعار الفائدة قد تظل قائمة اعتبارًا من يوليو المقبل، لكنها تظل مرهونة بعدة عوامل رئيسية، تشمل بيانات التضخم لشهري مارس وأبريل، وقرارات لجنة تسعير الوقود، بالإضافة إلى تحركات سعر صرف الجنيه خلال شهري أبريل ومايو، باعتبارها مؤشرات حاسمة في تحديد المسار المستقبلي للسياسة النقدية.
أحمد: الحرب وغياب تقييم آثار التضخم وأسعار البنزين.. تعزز “التثبيت”
وقالت إسراء أحمد، اقتصادي أول بوحدة بحوث “رامبل” في شركة ثاندر لتداول الاوراق المالية، إن المشهد الحالي لا يسمح بوضع سيناريو دقيق لمسار أسعار الفائدة، في ظل غياب معطيات واضحة، مؤكدة أن جميع الخيارات تظل مطروحة، سواء التثبيت حتى نهاية العام، أو الخفض التدريجي، أو حتى اللجوء إلى الرفع إذا تفاقمت الضغوط.
وأوضحت أن تطورات الأوضاع الإقليمية، خاصة مسار الحرب ومدى استمرارها، إلى جانب تحركات أسعار النفط، تمثل عوامل حاسمة لا يمكن تجاهلها عند تقييم السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
ورجحت أحمد، أن تتجه لجنة السياسة النقدية إلى تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعها المقبل، مدفوعة بحالة عدم اليقين وتدهور الأوضاع الإقليمية، مشيرة إلى أن البنك المركزي يميل في مثل هذه الظروف إلى الترقب ومراقبة التطورات دون اتخاذ قرارات متسرعة.
أضافت أن غياب تقييم دقيق حتى الآن للآثار التضخمية الناتجة عن زيادة أسعار البنزين الأخيرة يعزز هذا التوجه، خاصة مع ترقب صدور بيانات التضخم لشهر مارس في العاشر من أبريل، والتي ستوفر قراءة أوضح لحجم الضغوط السعرية، بالتزامن مع استمرار ضعف سعر الصرف.
ولفتت أحمد، إلى عوامل إضافية سيراقبها البنك المركزي، من بينها معدلات النمو الاقتصادي ومدى تأثرها بإجراءات ترشيد استهلاك الطاقة، مثل تقليص ساعات عمل المحال التجارية، وهو ما قد ينعكس سلبًا على النشاط الاقتصادي وموسم السياحة الصيفي.
كما أشارت إلى أن من بين أبرز التحديات التي قد تواجه أسواق الطاقة أنه حتى في حال توقف الحرب بشكل فوري، فإن عودة الأوضاع إلى طبيعتها لن تكون سريعة، وذلك بسبب الأضرار اللوجيستية التي قد تكون لحقت بالبنية التحتية لتصدير الطاقة في منطقة الخليج.
أكدت أحمد، أن توجهات البنك المركزي خلال ما تبقى من العام ستظل مرهونة أيضًا بسياسات الحكومة المتعلقة بأسعار المحروقات، إذ إن أي زيادات جديدة ستخلق موجة تضخمية إضافية قد تعرقل فرص بدء دورة خفض الفائدة.
وأضافت أنه في أفضل السيناريوهات، قد يبدأ البنك المركزي خفض أسعار الفائدة خلال الربع الأخير من العام بنسبة محدودة تتراوح بين 1% و2%، وذلك اعتمادًا على تأثير سنة الأساس وتراجع معدلات التضخم السنوية.







