الشركات تتجه لاعتماد وسائل نقل بديلة والسفر إلى وجهات أكثر أماناً
في ظل استمرار الحرب في إيران، تراجع صخب السياحة التجارية في الشرق الأوسط ليحل محله إيقاع منتظم لرحلات الإجلاء، ما وضع المسافرين أمام واقع مختلف يتسم بارتفاع أسعار تذاكر الطيران وتزايد المخاوف الأمنية.
ويُعد ذلك إغلاقاً جديداً للمجال الجوي، اضطرت شركات الطيران للتعامل معه منذ الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022.
يعكس هذا المشهد تحولاً حاداً مقارنةً بتوقعات وزارة الاقتصاد والسياحة في الإمارات العربية المتحدة التي أشارت إلى إمكانية بلوغ حجم السوق نحو 950 مليار دولار بحلول عام 2026.
وفي هذا السياق، تتعرض دبي، التي تُعد من أبرز مراكز السياحة في المنطقة، لضغوط واضحة على مكانتها، مع اضطرار مطاراتها إلى الإغلاق المؤقت خلال فترة الصراع.
تجاوز عدد الرحلات الجوية الملغاة من وإلى الشرق الأوسط 46 ألف رحلة منذ الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، وفقاً لما ذكرته شركة بيانات الطيران “سيريوم” لشبكة “سي إن بي سي”.
وخلال مهرجان الطيران في سنغافورة في مارس، أكدت شركة “سبايس جيت” الهندية أن الصراع في الشرق الأوسط انعكس بشكل كبير على عملياتها، نظراً لكثافة حركة السفر بين الهند والمنطقة
لكن التأثير لا يقتصر على شركات الطيران، إذ أوضح مسافرون من آسيا لشبكة “سي إن بي سي” أنهم قرروا إلغاء خطط السفر إلى الشرق الأوسط، والتوجه نحو قضاء العطلات داخل مناطقهم بدلاً من ذلك.
قالت ميشيل بوي، المديرة الإقليمية المساعدة في شركة “إيليرتون آند كو” للعلاقات العامة ومقرها فيتنام، لشبكة “سي إن بي سي”، إنها كانت تخطط لزيارة الشرق الأوسط في مايو لزيارة أصدقاء وقضاء وقت في الصحارى، قبل أن تعيد النظر في خطتها.
وأوضحت أن الأسعار كانت “مرتفعة للغاية” بحيث لا يمكن تبريرها، في ظل ارتفاع أسعار الوقود نتيجة تداعيات حرب إيران، وهو ما انعكس على زيادة أسعار التذاكر .
وأضافت أن أسعار الرحلات، بما في ذلك رحلات التوقف، من فيتنام إلى الشرق الأوسط، تراوحت بين 1500 و2000 دولار خلال مارس.
وأشار جاي إلينبي، رئيس مجموعة السفر “سيف هاربورز”، في رسالة عبر البريد الإلكتروني، إلى أن رسوم تغيير التذاكر غير القابلة للاسترداد كانت من أبرز أسباب الإلغاء، حيث لوحظ ارتفاع بنسبة 20% إلى 30% في إلغاءات الرحلات إلى الشرق الأوسط بين العملاء الآسيويين للشركة، مع ذكر كثيرين لرسوم تغيير تصل إلى 450 دولاراً كعامل رئيسي في قرار الإلغاء.
وأضاف أن هؤلاء المسافرين يتجهون بدلاً من ذلك إلى وجهات في جنوب شرق آسيا مثل سنغافورة أو إلى رحلات داخل آسيا.
تعمل منصات الحجز على جمع بيانات المستخدمين لتقديم اقتراحات أكثر فعالية للمسافرين العالقين في الترانزيت أو في حالة تردد بشأن حجز التذاكر.
فبدلاً من فتح عدة نوافذ للحجز، تسعى مواقع السفر إلى مساعدة المستخدمين في العثور على حلول سريعة، وفقاً لماوريتسيو جارافيلو، نائب الرئيس الأول في شركة تحليلات البيانات “كليك”.
وقال: “هل تتحقق ثلاث مرات لأنك تبحث عن سعر مختلف أو عرض ترويجي، أم لأنك لا تجد خياراً يمنحك شعوراً بالراحة للسفر؟”، مضيفاً أن تحديد مشكلة المستهلك يساعد الشركات على تقديم الحل المناسب وتحقيق إيرادات إضافية من الحجوزات.
أما رحلات الأعمال فلم تكن مختلفة كثيراً.
فمع تعليق بعض الشركات السفر إلى المناطق الخطرة حتى إشعار آخر، تضاعفت أكثر من مرتين عمليات إلغاء الرحلات الطوعية بين أوروبا وآسيا خلال الأسبوع الأول من مارس، وفقاً لبيانات وكالة السفر “بيرك”.
ويُعد ذلك مؤشراً على أن الشركات “تقيم خياراتها لضمان سلامة موظفيها”، بحسب ما قاله رئيس الشركة جيه سي توني-بوسالو في رسالة إلى “سي إن بي سي”.
وقال فينسنت سيو، المدير العام لسنغافورة وبروناي في شركة “نوفو نورديسك”، إن رحلته من كوبنهاجن إلى سنغافورة في 28 فبراير أُلغيت، ما أدى إلى تعطله مؤقتاً في دبي.
ونظم فريق الأمن في “نوفو نورديسك” رحلة بديلة له من دبي إلى إسطنبول مروراً بالدوحة والرياض، قبل العودة إلى سنغافورة، في مسار معقد للغاية.
بالنسبة لمسافري الأعمال مثل سيو، من المرجح أن تستمر رحلات العمل، حيث قال: “ستستمر الاجتماعات، لكن علينا التخطيط بشكل أفضل وتجنب الطيران في تلك المنطقة”.
وبالنسبة لبعض الشركات، أصبح السفر إلى وجهات أقرب أو باستخدام وسائل نقل بديلة خياراً أكثر جاذبية.
وأشارت جاكلين تان، الرئيسة التنفيذية لمركز سنغافورة للرحلات البحرية “سنغافورة كروز سنتر”، إلى أن هناك إقبالاً جيداً على الرحلات البحرية بين سنغافورة وجزيرة باتام الإندونيسية.
وأضافت أن بعض الشركات السنغافورية تدير عمليات تصنيع خارجية في باتام، بينما ترسل شركات أخرى موظفيها إلى الجزيرة لعقد الاجتماعات أو تنظيم فعاليات الشركات.
رغم فرض رسوم إضافية على الوقود بقيمة 6 دولارات سنغافورية (أي ما يعادل 4.66 دولار أمريكي)، قالت تان، إن شركة “هوريزون فيري”، التي تدير رحلات تستغرق 60 دقيقة بين سنغافورة وباتام، شهدت استقراراً جيداً في عدد الركاب خلال مارس.
وأوضحت تان أن السفر الإقليمي، خاصة عبر العبارات أو الرحلات البحرية، يوفر “إشباعاً سريعاً لعطلة قصيرة، دون الحاجة إلى تخطيط كبير أو إنفاق مبالغ ضخمة”.
وأضافت أن الشركات التي تنظم رحلات عمل إلى باتام أو المسافرين الباحثين عن عطلات منخفضة التكلفة يمكنهم الاستفادة من قوة الدولار السنغافوري، ما يجعل التكلفة أقل مقارنة بمدينتهم.
أما بالنسبة لبوي، فقد أصبحت العطلات داخل فيتنام خياراً أكثر جاذبية، لكنها تميل إلى السفر بالقطار أو السيارة، بعد أن تضاعفت أسعار الرحلات الداخلية في أبريل مقارنة بشهر مارس.
بشكل عام، أصبح السفر داخل المنطقة خياراً أكثر جاذبية للمسافرين الآسيويين، وفقاً لديفيد مان، كبير الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في “ماستركارد”، خلال حديثه في برنامج “سكواك بوكس آسيا” في مارس.
أضاف مان، أن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، إلى جانب ارتفاع أسعار تذاكر الطيران، جعل تكلفة السفر مرتفعة بشكل يصعب تحمله بالنسبة لكثير من المسافرين الآسيويين، مؤكداً أن استمرار هذا الاتجاه سيظل مرهوناً بتطور أسعار النفط ووقود الطائرات خلال الفترة المقبلة.







