تكشف أحدث البيانات المالية حتى أواخر عام 2025 أن قواعد الانضباط المالي داخل الاتحاد الأوروبي تواجه ضغوطاً متزايدة، في ظل تسجيل عدد كبير من الدول عجزاً في الموازنات يتجاوز السقف المحدد عند 3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025.
وتشير بيانات صادرة عن Eurostat إلى أن عدة اقتصادات كبرى في القارة أصبحت ضمن قائمة الدول الأكثر تجاوزاً لهذه القاعدة، في انعكاس واضح لتصاعد التحديات الاقتصادية والمالية وفقا لسي ان ان.
مستويات عجز قياسية في عدد من الدول
تتصدر رومانيا قائمة الدول الأوروبية من حيث العجز، مسجلة نحو 7.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى مستوى داخل الاتحاد.وتأتي بعدها كل من بولندا وبلجيكا بعجز يتجاوز 5%، بينما تسجل كل من فرنسا والمملكة المتحدة مستويات مرتفعة عند 5.4%.
كما لا تزال معظم دول الاتحاد الأوروبي الأخرى تتداول فوق الحد المالي المسموح به، ما يعكس اتساع نطاق الضغوط المالية.
لماذا يستمر العجز في الارتفاع؟
رغم انحسار آثار جائحة كورونا، لا تزال المالية العامة في أوروبا تعاني من ضغوط متعددة، أبرزها تباطؤ النمو الاقتصادي، واستمرار تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب في أوكرانيا، إلى جانب ارتفاع الإنفاق الدفاعي في عدد من الدول.
هذه العوامل دفعت الحكومات الأوروبية إلى الإبقاء على مستويات إنفاق مرتفعة، رغم محاولات العودة إلى مسارات الانضباط المالي.
الاقتصادات الأكثر تجاوزاً للحدود
تشير البيانات إلى أن مجموعة من الدول تتجاوز السقف الأوروبي بشكل واضح: رومانيا (7.3%)، وبولندا (5.8%)، وبلجيكا (5.7%)، وفرنسا (5.4%)، والمملكة المتحدة (5.4%).
ويثير هذا التباين تساؤلات متزايدة حول قدرة الاتحاد الأوروبي على فرض الانضباط المالي على أعضائه في المرحلة المقبلة.
مخاطر اقتصادية متصاعدة
ارتفاع مستويات العجز يعني بالضرورة زيادة الاعتماد على الاقتراض، وهو ما يترتب عليه ارتفاع تكاليف خدمة الدين العام.كما يحدّ هذا الوضع من قدرة الحكومات على الاستجابة للأزمات المستقبلية، ويضغط على الميزانيات العامة، خصوصاً في الدول ذات مستويات الدين المرتفعة أصلاً.
الإنفاق الدفاعي يعيد تشكيل الأولويات
برزت بولندا بشكل خاص نتيجة ارتفاع إنفاقها الدفاعي منذ عام 2022، في ظل موقعها الجغرافي كإحدى دول خط المواجهة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو).
هذا التحول يعكس بوضوح كيف أصبحت التوترات الجيوسياسية عاملاً مباشراً في إعادة تشكيل الميزانيات العامة داخل أوروبا.
ضغوط على الاقتصادات الكبرى
تواجه أكبر اقتصادات القارة مستويات متفاوتة من العجز، مثل فرنسا (5.4%)، وإيطاليا (3.4%)، فيما تبقى ألمانيا أبرز الدول الأوروبية وتحت الحد المسموح بنسبة (2.8%) من الناتج القومي.
ورغم التزام ألمانيا تاريخياً بالانضباط المالي، فإنها واجهت ضغوطاً متزايدة في السنوات الأخيرة نتيجة تداعيات جائحة كورونا وأزمة الطاقة، ما دفعها إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتخفيف القيود المالية الصارمة.
خارج الاتحاد الأوروبي.. تباين واضح
خارج نطاق الاتحاد الأوروبي، تتباين الصورة المالية بشكل ملحوظ، فالمملكة المتحدة تواجه عجزاً عند 5.4%، فيما سجلت سويسرا فائضاً طفيفاً بنحو 0.5%، أما النرويج فقد سجلت فائضاً قوياً بنحو 12.5% مدفوعاً بعوائد النفط.
ويبرز الفائض الكبير في النرويج أهمية الموارد الطبيعية، خاصة الطاقة، في تعزيز الاستقرار المالي للدول.
وتشير البيانات الحديثة إلى أن القارة الأوروبية تمر بمرحلة مالية دقيقة، مع اتساع العجز في عدد كبير من الدول، وتزايد الضغوط على قواعد الانضباط المالي داخل الاتحاد الأوروبي.
ومع استمرار التوترات الجيوسياسية وتباطؤ النمو الاقتصادي، يبدو أن السيطرة على العجز ستظل أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومات الأوروبية خلال السنوات المقبلة.







