أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض حصار بحري على مضيق هرمز اعتبارًا من أمس الإثنين ، ما بدد الآمال في نهاية سريعة للصراع في الشرق الأوسط وصعد المواجهة مع إيران التي تسببت بالفعل في أسوأ صدمة طاقة في التاريخ.
الحصار يستهدف سفن جميع الدول الداخلة إلى الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية أو المغادرة منها، بما في ذلك تلك الواقعة على الخليج العربي وخليج عُمان، بحسب بيان للقيادة المركزية الأمريكية.
وقد توقفت حركة ناقلات النفط عبر المضيق، التي كانت قد بدأت ترتفع تدريجياً بعد وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين الذي أعلنه ترامب الأسبوع الماضي، مجدداً خلال ساعات من إعلان القرار، وفقاً لبيانات “لويدز ليست إنتليجنس”.
كما عادت سفينتان على الأقل، كانتا في طريقهما للخروج، أدراجهما.
وقفزت أسعار النفط الخام مع تسارع المستثمرين لتسعير مزيد من الضغوط على إمدادات الخليج.
وارتفعت عقود خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي لتسليم مايو بأكثر من 8% لتصل إلى 104.40 دولاراً للبرميل، فيما صعد خام برنت بأكثر من 7% إلى 101.86 دولاراً.
صندوق النقد والبنك الدولي يخفضان توقعات النمو ويرفعان التضخم
جاء قرار ترامب بعد انهيار مفاوضات استمرت 21 ساعة خلال عطلة نهاية الأسبوع بين واشنطن وطهران، دون التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، والسيطرة على الممر المائي، واستمرار الهجمات الإسرائيلية على حزب الله المدعوم من إيران في لبنان.
وقبل الضربات الافتتاحية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير، كان نحو خُمس نفط العالم يمر عبر مضيق هرمز.
ومنذ ذلك الحين، تباطأ هذا التدفق إلى حد كبير، ما أربك سلاسل إمداد النفط والأسمدة والملابس والسلع الصناعية.
حذر محللون من أن معالجة هذا التراكم قد تستغرق أسابيع حتى بعد التوصل إلى حل.
وسيؤدي الحصار الكامل إلى تشديد الضغوط بشكل أكبر.
قال تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد “كوينسي إنستيتيوت”، في مقابلة مع قناة “سي إن بي سي”، إن “سحب المزيد من النفط من السوق، ولا سيما النفط الوحيد الذي ما زال يخرج حالياً من الخليج، سيدفع أسعار النفط إلى الارتفاع أكثر… لتقترب من 150 دولاراً للبرميل”.
بالإضافة إلى النفط الخام، من المرجح أن تواصل أسعار السلع مثل الأسمدة والهيليوم، وهما مدخلان أساسيان لإنتاج الغذاء وتصنيع أشباه الموصلات، ارتفاعها، ما يغذي التضخم الذي يتسارع بالفعل، بحسب بن إيمونز، المدير التنفيذي في “فيد ووتش أدفايزرز”.
كان مسؤولون في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قد أشاروا الأسبوع الماضي إلى أنهم سيخفضون توقعات النمو العالمي ويرفعون تقديرات التضخم، محذرين من أن الأسواق الناشئة ستكون الأكثر تضرراً.
تعطل هرمز يثير مخاوف نقص طاقة أسوأ من أزمة السبعينيات
قال بنك “باركليز” إن “الأضرار الاقتصادية الناتجة عن الهجمات على منشآت الطاقة والموانئ في إيران ودول خليجية أخرى قد تستمر في إبقاء الإمدادات تحت ضغط في آسيا الناشئة”.
وأضاف: “يبقى من غير الواضح مدى سرعة عودة استخراج النفط والغاز وتكريرهما وتحميلهما إلى طبيعته”.
وقد أثار التعطل المستمر منذ شهر في مضيق هرمز تحذيرات من نقص في الطاقة أسوأ من أزمة السبعينيات، عندما أدى حظر نفطي من قبل منتجين عرب على دول متحالفة مع الولايات المتحدة إلى مضاعفة الأسعار أربع مرات، ما دفع إلى تقنين الوقود في الاقتصادات الكبرى.
كان فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، قد وصف هذا التعطل الأسبوع الماضي بأنه أسوأ صدمة طاقة شهدها العالم على الإطلاق، أكثر حدة من أزمات السبعينيات وحرب أوكرانيا مجتمعتين.
قال دانيال يرجين، نائب رئيس “إس آند بي جلوبال”، في مقابلة الشهر الماضي، إن “هذا اضطراب تاريخي في سوق النفط العالمية. لم نشهد شيئاً بهذا الحجم من قبل. حتى أزمات السبعينيات، وحرب إيران والعراق في الثمانينيات، وغزو العراق للكويت عام 1990، لا يقترب أي منها من حجم هذا الاضطراب”.
مع ذلك، كان رد فعل الأسعار حتى الآن أكثر هدوءاً نسبياً، وقد يثبت أن النمو الاقتصادي أكثر مرونة مما كان متوقعاً، بحسب ديفيد لوبين، الباحث البارز في “تشاتام هاوس”.
وأشار إلى أن الاقتصاد العالمي أصبح أقل اعتماداً على النفط مقارنة بالماضي، إذ يتطلب استخدام النفط لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي حالياً نحو 40% من برميل، مقارنة ببرميل كامل في أوائل السبعينيات.
محللون يعتقدون أن الحصار أداة ضغط تفاوضية لا تصعيدًا نهائيًا
كما ساهمت طاقة الرياح والشمس والطاقة النووية في تنويع مزيج الطاقة بطرق لم تكن موجودة قبل خمسة عقود.
وأضاف أنه في حال تصاعد الصراع بشكل أكبر، “فمن الممكن جداً أن يبدأ تأثير الطاقة لهذه الأزمة في إحداث صدمة سلبية بحجم مماثل لما شهدته أزمة السبعينيات”.
كما يهدد الحصار بإدخال ثاني أكبر اقتصاد في العالم إلى ساحة المواجهة.
تظل الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وقد واصلت تلقي الشحنات عبر المضيق منذ بدء الحرب، وفقاً للمحللين.
يهدد الحظر الشامل على الناقلات التي تحمل النفط الإيراني بقطع هذه الإمدادات، ما قد يعيد إشعال التوترات بين الولايات المتحدة وبكين قبيل الزيارة المقررة لترامب إلى الصين الشهر المقبل.
وقال بارسي: “أشك في أن ترامب مستعد لهذا التصعيد”، مضيفاً أنه “لن يكون من المستغرب” أن يتراجع عن تهديداته السابقة.
كما هددت إدارة ترامب يوم الاثنين بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 50% على الصين إذا زودت بكين طهران بمعدات دفاعية متقدمة.
وقد تجد دول مثل الهند وباكستان، التي تفاوضت على ترتيبات للمرور الآمن مع إيران، نفسها أيضاً عالقة في مرمى التصعيد، بحسب بارسي.
يرى بعض المحللين أن الحصار يمثل أداة ضغط تفاوضية أكثر منه تصعيداً نهائياً.
وقال بارسي: “طالما لم يعلن أي من الطرفين صراحة أن المحادثات لن تُستأنف أو أن وقف إطلاق النار قد انتهى، ينبغي التعامل مع هذه التحركات على أنها تكتيكات وتهديدات ضمن إطار المفاوضات”.
أبدى براين جاكوبسن، كبير الاقتصاديين في “أنكس ويلث مانجمنت”، تفاؤلاً حذراً، مشيراً إلى أن واشنطن قد تمنح استثناءات للمرور الآمن لسفن حليفة. لكن إيمونز حذر من أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر كبيرة.
وقال إن خطوة تهدف إلى “إخضاع” إيران قد تؤدي بسهولة إلى ضربات مضادة ودورة جديدة من التصعيد العسكري.
وقد أشار “الحرس الثوري الإيراني” إلى ذلك، محذراً يوم الأحد من أن أي سفن عسكرية تقترب من المضيق “تحت أي ذريعة” ستُعتبر انتهاكاً لوقف إطلاق النار.
كما صعد من لهجته، قائلاً إن الأعداء سيُحاصرون في “دوامة قاتلة” في حال حدوث أي خطأ في الحسابات.
يُعد الحصار أيضاً محل جدل قانوني، وفقاً لعدة خبراء، إذ لا تملك الولايات المتحدة ولا إيران السلطة لإغلاق أو عرقلة المرور عبر مضيق هرمز.
قال إيمونز: “بموجب القانون الدولي، وتحديداً القواعد التي تحكم المضائق الدولية، لا تمتلك الولايات المتحدة أي سلطة قانونية لإغلاق أو تعليق أو عرقلة المرور العابر عبر هرمز”.
وأضاف أن إيران وسلطنة عُمان هما الدولتان الساحليتان الوحيدتان، وحتى هما ممنوعتان من تعليق المرور العابر.
بالنسبة لمالكي السفن، فإن أحد أبرز العوامل الرادعة لعبور المضيق يتمثل أيضاً في التعرض للعقوبات الغربية على إيران، إذ إن المدفوعات إلى إيران قد تنتهك القواعد الأمريكية والأوروبية، وقد تواجه الشركات عقوبات صارمة، وفقاً لبيانات “لويدز ليست إنتليجنس”.








