يشهد السوق العقاري المصري خلال الفترة الحالية تحولًا تدريجيًا في بوصلة الاستثمار، مع اتجاه شريحة من المستثمرين نحو الوحدات الإدارية والطبية بحثًا عن عوائد أعلى وتدفقات نقدية منتظمة، في مقابل استمرار الطلب القوي على القطاع السكني مدعومًا بعوامل ديموجرافية وهيكلية.
وبينما تعزز ارتفاعات الأسعار وتكاليف التمويل من توجه المستثمرين نحو الأصول المدرة للدخل، لا يزال “السكني” يحتفظ بجاذبيته باعتباره القطاع الأكثر استقرارًا من حيث الطلب، ما يخلق حالة من التوازن النسبي داخل السوق، ويفرض نمطًا جديدًا من الاستثمار يقوم على المفاضلة بين العائد والمخاطر.
قال محمد راشد خبير التطوير العقارى و عضو المجلس التنفيذي للمجلس المصري للبناء الأخضر والمدن المستدامة التابع لرئاسة مجلس الوزراء، إن السوق العقاري المصري يمر حاليًا بمرحلة إعادة تشكيل عميقة، مدفوعة بتغيرات كلية في الاقتصاد، أبرزها موجات التضخم، وارتفاع تكلفة التمويل، وتراجع القوة الشرائية، وهو ما أعاد تعريف مفهوم الاستثمار العقاري من كونه أداة لحفظ القيمة إلى كونه أداة لتوليد التدفقات النقدية.
أكد راشد أن القطاعين الإداري والطبي يشهدان صعودًا واضحًا مدفوعًا بعوامل هيكلية، منها انتقال الشركات إلى مقرات أكثر تطور، وزيادة الطلب على الخدمات الطبية الخاصة، وتوسع الأنشطة الاقتصادية في المدن الجديدة.
وأوضح أن العائد في هذا القطاع يتراوح بين 10% و15% سنويًا، مع إمكانية الوصول إلى مستويات أعلى في المشروعات ذات الإدارة الاحترافية والعقود طويلة الأجل.
أكد راشد، أن السوق السكني أيضًا لا يزال يحتفظ بصلابته الهيكلية، مدعومًا بنمو سكاني يتجاوز 1.5 مليون نسمة سنويًا، وهو ما يخلق طلبا مستمرا.
أضاف أن العائد الإيجاري في “السكني” يتراوح بين 5% و7% في المتوسط، وهو مستوى أصبح أقل جاذبية في ظل ارتفاع أسعار الفائدة التي تصل إلى نحو 19%، ما يدفع المستثمرين لإعادة النظر في أولوياتهم الاستثمارية.
وأضاف أن الاختلاف لا يقتصر على العائد فقط، بل يمتد إلى طبيعة الاستثمار نفسها، إذ يعتمد السكني بشكل أكبر على إعادة البيع، بينما يرتكز الإداري والطبي على تحقيق تدفقات نقدية منتظمة.
أشار راشد إلى أن حجم سوق العقارات التجارية في مصر اقترب من 10.4 مليار دولار في 2025، مع توقعات نمو سنوي مركب يتجاوز 10% حتى 2030، وهو ما يعكس تحولاً هيكليًا في طبيعة الطلب، خاصة مع تركز نحو 43.9% من النشاط العقاري في القاهرة الكبرى، وامتداده إلى شرق وغرب القاهرة والعاصمة الجديدة.
أضاف أن خريطة الاستثمار لم تعد تعتمد على الموقع الجغرافي فقط، بل على جودة المنظومة الاقتصادية المحيطة، موضحًا أن المشروعات التي تنجح اليوم هي تلك التي تقع داخل مجتمعات متكاملة تضم كثافات سكنية كافية، وخدمات، وشبكات نقل، وقاعدة عملاء حقيقية.
وفيما يتعلق بالمخاطر، حذر راشد، من أن ارتفاع العائد في القطاع الإداري والطبي يقابله ارتفاع في مستوى التعقيد والمخاطرة، مشيرًا إلى أن هذا النوع من الاستثمار يتطلب إدارة وتشغيل احترافي، وأن نسب الإشغال هي العامل الحاسم في تحقيق العائد، وليس مجرد شراء الوحدة.
أضاف أن السوق يواجه حاليًا اختلالًا نسبيًا في التوازن بين العرض والطلب، خاصة مع زيادة المعروض في بعض المناطق والشرائح، وهو ما قد يؤدي إلى ضغوط على نسب الإشغال والعوائد الفعلية خلال الفترة المقبلة، مؤكدًا أن السوق لن يستوعب كل المعروض بنفس الكفاءة، وأننا أمام مرحلة فرز حقيقية.
أشار راشد، إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة إلى مستويات تصل إلى 19% يمثل تحديًا إضافيًا، إذ يرفع تكلفة التمويل ويزيد من حساسية المستثمرين تجاه العائد، ما يدفعهم للبحث عن أصول قادرة على توليد دخل دوري يغطي تكلفة رأس المال.
اضاف أن السوق العقاري يتجه نحو نموذج استثماري أكثر انتقائية، يقوم على كفاءة الأصل وقدرته على توليد تدفقات نقدية منتظمة، مشيرًا إلى أن معايير تقييم الفرص لم تعد تقتصر على الموقع أو نمو الأسعار فقط.
كما أن امتلاك العقار لم يعد في حد ذاته ضمانًا لتحقيق العائد، بل أصبح الأولوية للأصول القادرة على إنتاج دخل مستدام، وهو ما يفسر تزايد اهتمام المستثمرين بالوحدات الإدارية والطبية خلال الفترة الحالية.
الأكشر: العائد الأعلى يعزز جاذبية الاستثمار في المكاتب والعيادات
وقال أنس الأكشر، مدير المبيعات بشركة بيركاديا للتسويق العقاري، إن الفترة الأخيرة شهدت تحولًا ملحوظًا في توجهات المستثمرين نحو الوحدات الإدارية والطبية، مدفوعًا بارتفاع العائد مقارنة بالقطاع السكني، ما يجعلها أكثر جاذبية للمطورين والمستثمرين على حد سواء.
أضاف أن الإقبال من العملاء على شراء العيادات والمكاتب الإدارية شهد نموًا ملحوظًا، خاصة مع طرح وحدات كاملة التشطيب، وهو ما يقلل الأعباء على العميل، إلى جانب تحقيق عوائد إيجارية أعلى مقارنة بالوحدات السكنية.
أشار الأكشر، إلى أن العائد السنوي على الاستثمار في الوحدات السكنية قد يصل إلي 8%، بينما يصل في الوحدات الطبية والإدارية لمابين 15% إلى 20%، ما يعزز من جاذبية هذا القطاع لدى المستثمرين الباحثين عن عوائد مرتفعة.
وفيما يتعلق بخريطة الطلب، أوضح أن منطقة التجمع الخامس تتصدر قائمة المناطق الأكثر جذبًا للاستثمار في الوحدات الإدارية والطبية، تليها الشيخ زايد، ثم العاصمة الجديدة، في ظل الإقبال الكبير من العملاء على هذه المناطق.
وأضاف أن تغيير ثقافة المستثمرين من التركيز على السكني إلى الإداري والطبي كان من أبرز التحديات خلال الفترة الماضية، مؤكدًا أن إقناع العملاء بجدوى هذا النوع من الاستثمار يتطلب توضيح دور شركات الإدارة والتشغيل في تحقيق عوائد مستقرة.
أكد الأكشر، أن السوق لا يزال قادرًا على استيعاب المعروض الحالي من الوحدات الإدارية والطبية، مدعومًا بزيادة الطلب على الاستثمار العقاري سواء من داخل مصر أو من المصريين بالخارج، خاصة في ظل ما يتمتع به السوق من استقرار نسبي مقارنة بالأسواق الإقليمية.
وأشار إلى أن اختيار المطور العقاري صاحب الخبرة، والموقع المتميز، إلى جانب وجود شركة إدارة وتشغيل قوية، يعد من أهم المعايير التي يعتمد عليها المستثمر عند شراء وحدة إدارية أو طبية، مؤكدًا أن شركة الإدارة الجيدة هي العامل الحاسم في الحفاظ على قيمة الاستثمار وتعظيم عوائده على المدى الطويل.
شلبي: “السكني” لا يزال يتصدر الطلب رغم جاذبية “الإداري”
وقال معتز شلبي، الخبير العقاري، إن السوق يشهد حاليًا توازنًا نسبيًا بين الاستثمار في القطاع السكني والوحدات الإدارية والطبية، مع ميل طفيف لصالح “السكني” مدفوعًا بارتفاع الطلب الفعلي عليه خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح أن البيانات والمؤشرات السوقية تشير إلى أن الطلب على الوحدات السكنية لا يزال الأعلى مقارنة بالقطاعات الأخرى، ما يجعله الأسرع من حيث حركة البيع والتسويق.
وفيما يتعلق بالعائد، أشار شلبي، إلى أن العائد الاستثماري بين السكني والإداري والطبي متقارب إلى حد كبير .. لكن الاختلاف الرئيسي يكمن في قيمة الوحدة، حيث ترتفع أسعار الوحدات التجارية والإدارية مقارنة بالسكنية، ما يتطلب حجم استثمار أكبر.
أضاف أن السوق يشهد طلبًا ملحوظًا على الوحدات الإدارية والطبية في عدد من المناطق الحيوية، على رأسها شرق القاهرة، خاصة التجمع الخامس، إلى جانب غرب القاهرة في منطقة طريق الواحات، وكذلك العاصمة الجديدة.
وأكد شلبي، أن أحد أبرز التحديات التي تواجه تطوير المشروعات الإدارية والتجارية يتمثل في إدارة المشروع، موضحًا أن نجاح هذه النوعية من المشروعات لا يعتمد فقط على التنفيذ، بل على وجود شركة إدارة محترفة قادرة على تشغيل المشروع والحفاظ على قيمته وتعظيم عوائده.
كما أن اختيار الموقع والمطور والخدمات داخل المشروع يعد من أهم العوامل التي ينظر إليها المستثمر قبل اتخاذ قرار الشراء، لافتًا إلى أن غياب الإدارة الجيدة قد يفقد المشروع قيمته حتى وإن كان متميزًا من حيث التصميم أو الموقع.
وفيما يخص الأسعار، أوضح شلبي، أن أسعار المتر للوحدات الإدارية والطبية في التجمع الخامس تبدأ من 80 ألفًا وحتي 400 ألف جنيه وفقًا للموقع وطبيعة المشروع، بينما تتراوح أسعار المتر في الوحدات السكنية بين نحو 25 ألف جنيه وتصل إلى 200 ألف جنيه في بعض المشروعات داخل الكمبوندات.
أضاف أن أداء السوق العقاري خلال الفترة الحالية يعكس استمرار الطلب، خاصة على القطاع السكني، في ظل تباين مستويات الأسعار واختلاف شرائح العملاء.







