الشركات تحذر من متاعب قادمة مع تفاقم أزمة الطاقة الناتجة عن الصراع في الشرق الأوسط
كان من المقرر أن يشهد أكبر اقتصاد في أوروبا انتعاشاً، لكنه يتعرض الآن لضغوط قوية بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة الناتج عن حرب إيران، ما دفع الحكومة الفيدرالية إلى خفض توقعات النمو إلى النصف.
أصبح برنامج التحفيز المالي الرئيسي في ألمانيا تحت المجهر، في وقت يسارع فيه الوزراء إلى احتواء تداعيات فواتير الطاقة المرتفعة.
قبل اندلاع الحرب، كان الاقتصاد الألماني مدفوعاً بزيادة الطلبيات الصناعية، وتراجع المخزونات، وتحسن المعنويات، بدعم رئيسي من الإنفاق المالي على الدفاع والبنية التحتية.
لكن ارتفاع أسعار الطاقة ومخاطر سلاسل التوريد “تفسد حفل النمو الألماني قبل أن يبدأ”، بحسب كارستن برزيسكي، الرئيس العالمي لأبحاث الاقتصاد الكلي في بنك “آي إن جي”.
خفضت وزارة الشؤون الاقتصادية والطاقة الفيدرالية هذا الأسبوع توقعاتها لنمو عام 2026 إلى 0.5% مقارنة بنسبة 1% سابقاً، كما خفضت توقعات 2027 من 1.3% إلى 0.9%.
ومن المتوقع الآن أن يبلغ التضخم 2.7% هذا العام و2.8% في العام المقبل.
وأشار برزيسكي إلى أن الإنتاج الصناعي كان بالفعل “يتعثر” قبل الحرب، إذ تراجع بنسبة 0.3% على أساس شهري في فبراير، وسجل استقراراً على أساس سنوي.
لكن الصراع مع إيران دفع معنويات الأعمال إلى تراجع حاد.
وفي تطور لافت، انخفض مؤشر مناخ الأعمال الصادر عن معهد إيفو للأبحاث الاقتصادية — وهو مقياس رئيسي لمعنويات الاقتصاد الألماني — إلى 84.4 نقطة في أبريل، مقارنة بـ86.3 في مارس، وهو أدنى مستوى منذ مايو 2020 خلال المراحل الأولى من جائحة كوفيد-19.
كذلك، تراجعت التقييمات الحالية من 86.7 إلى 85.4 على أساس شهري، بينما هبطت التوقعات المستقبلية من 85.9 إلى 83.3.
وفي سياق منفصل، انخفض مؤشر الثقة الاقتصادية الصادر عن مركز “زد إي دبليو” بمقدار 16 نقطة إلى -17.2 في أبريل، وهو أدنى مستوى منذ ديسمبر 2022، بعدما تراجع من +58.3 في فبراير إلى -0.5 نقطة في مارس، ما يعكس تسارع التشاؤم بشأن آفاق الاقتصاد.
وقال كليمنس فوست، رئيس معهد إيفو، في تصريحات لشبكة “سي إن بي سي” الإخبارية الأمريكية، أن “ما نراه هو أن الاقتصاد الألماني يتعرض لضربة قوية بسبب أزمة إيران”، مضيفاً أن الشركات “تبلغنا بوجود متاعب في الطريق”.
لا تزال ألمانيا واحدة من أكبر مستوردي الطاقة الصافيين في أوروبا، إذ يأتي نحو %6 من وارداتها من الشرق الأوسط، وفق تحليل “آي إن جي”، فيما تمثل الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة — التي توظف نحو مليون شخص — حوالي %17 من إجمالي القيمة المضافة الصناعية.
وللتخفيف من صدمة الطاقة — بعد أن قفزت أسعار خام برنت بنحو 73% منذ بداية العام — وافقت الحكومة الائتلافية في وقت سابق من هذا الشهر على إعفاء ضريبي لمدة شهرين على البنزين والديزل بقيمة تقارب 1.6 مليار يورو (1.87 مليار دولار).
قالت كاثرينا رايشه، وزيرة الشؤون الاقتصادية والطاقة، إن الحكومة تحركت “بسرعة وحزم لتخفيف العبء” الناتج عن ارتفاع تكاليف الوقود.
يرى برزيسكي، أن الحرب كشفت مجدداً اعتماد ألمانيا الكبير على واردات الطاقة، قائلاً إنها “تذكير مؤلم آخر بأن مجرد تحويل الاعتماد من طرف إلى آخر — من روسيا إلى الشرق الأوسط — ليس حلاً هيكلياً”.
ولا يقتصر تأثير الصراع على إمدادات النفط والغاز فقط، بحسب فوست، بل يمتد إلى المنتجات الوسيطة للصناعة الكيميائية، وكذلك مدخلات قطاع البناء والمنتجات النفطية، محذراً من مخاطر حدوث اختناقات قد تعطل أجزاء واسعة من الإنتاج.
كان مراقبو الأسواق يأملون أن يساهم برنامج التحفيز المالي الضخم في ألمانيا — الذي يشمل صندوق استثمار في البنية التحتية بقيمة 500 مليار يورو لقطاعات النقل والرقمنة والطاقة، إلى جانب زيادة الإنفاق الدفاعي بما يتجاوز الحد التاريخي البالغ %1 من الناتج المحلي الإجمالي — في تسريع نمو الاقتصاد.
وأوضح فوست أن التوسع المالي لا يزال يمثل عاملاً داعماً، بل “أصبح أكثر أهمية الآن”، مشيراً إلى أن الاقتصاد الألماني كان سيتجه إلى الانكماش لولا هذا الدعم، مع استمرار نمو قطاع الدفاع بدعم من زيادة الطلبيات.
من جانبه، قال برزيسكي إن أكثر من 200 مليار يورو مخصصة للإنفاق على البنية التحتية والدفاع لا تزال في مسارها وستصل إلى الاقتصاد، لكنه حذر من أن جزءاً منها قد يُستهلك بفعل ارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل التوريد، ما يبطئ وتيرة التقدم.
وأضاف أن الحرب في الشرق الأوسط “تؤخر التعافي الألماني بشكل مؤلم، لكنها لم تعرقله بالكامل حتى الآن”.
وفي السياق ذاته، قال نيكلاس جارنادت، الاقتصادي الألماني لدى “جولدمان ساكس”، إن خفض توقعات النمو هذا الأسبوع لا يؤثر بشكل كبير على الإنفاق ضمن حزمة التحفيز المالي.
وأوضح أنه وفق التوقعات الحالية لأسعار الطاقة، من المرجح تخصيص تدابير مالية تعادل نحو 0.1% من الناتج المحلي الإجمالي — أو ما بين 4 و5 مليارات يورو — لمعالجة ارتفاع تكاليف الطاقة هذا العام والعام المقبل، مؤكداً أن هذه الإجراءات لن تحل محل الإنفاق الأساسي للحزمة.
ولا يتوقع غارنادت اتخاذ تدابير إضافية كبيرة بعد مئا تم الإعلان عنه بالفعل، مثل الإعفاء الضريبي على الوقود بقيمة 1.6 مليار يورو والمزايا الضريبية للمكافآت لمرة واحدة المرتبطة بالتضخم بقيمة تقارب 3 مليارات يورو.
وأضاف أن الإنفاق سيشهد تسارعاً في النصف الثاني من العام، بما يتماشى مع الأنماط التاريخية واستمرار زيادة الإنفاق على البنية التحتية والدفاع.
من جانبها، أقرت وزيرة الاقتصاد رايشه بأن إجراءات تخفيف أسعار الوقود وغيرها لن تعالج المشكلات الهيكلية العميقة وراء ضعف النمو في ألمانيا.
وقالت في بيان: “نحن بحاجة إلى اقتصاد ينمو ويتمتع بالقدرة التنافسية، إلى جانب إصلاحات هيكلية واسعة النطاق. شركاتنا بحاجة إلى مساحة للتنفس مجدداً”.
واختتم برزيسكي بالقول إن ارتفاع أسعار الطاقة يحول تركيز الحكومة بعيداً عن الإصلاحات الهيكلية المؤجلة نحو دعم قصير الأجل، واصفاً ذلك بأنه “ليس استراتيجية واعدة”.
وأضاف: “تحتاج ألمانيا بشكل عاجل إلى استراتيجية طاقة أفضل وأكثر التزاماً، تضمن مزيداً من الاستقلالية وأسعاراً تنافسية”.
وأشار إلى أن الخيار بين التوسع في الطاقة المتجددة أو إعادة النظر في الطاقة النووية ليس هو الأهم، بل الأهم هو أن تتبنى الحكومة أخيراً استراتيجية طويلة الأجل واضحة.








